الأفوكادو بالمغرب: ذهب أخضر أم استعمار جديد؟

Dsc 0036 (2)

يلقب المزارعون زراعة الأفوكادو بـ “الذهب الأخضر” وهي زراعة ذات قيمة عالية بالنظر إلى عائداتها المالية. يتطلب هذا المحصول كمية كبيرة من المياه، وهو تحدٍ كبير في بلد يواجه أزمة مياه هيكلية. ذهب موقع الناس لمقابلة الفلاحين الذين يزرعون هذه الفاكهة التي يعود أصلها إلى بلدان نائية. تقري

فيديو أنس لغناديالنص إيمان بلامين |

في يوم الخامس و العشرين من أبريل توجهنا إلى الصالون الدولي للفلاحة في مكناس لمعرفة ما إذا كان هناك عارضون لشجرة الأفوكادو، الشجرة التي  أوقدت نقاشا ساخنا حول الاستهلاك المفرط للمياه. كان هذا المنتدى الدولي أول فرصة انتهزناها لرصد مكانة الأفوكادو كمحصول ناشئ لا يزال غير معروف في المغرب رغم كل شيء.ذهب فريق الناس إلى هناك لمقابلة المساهمين في انتشار هذا المنتوج و سبر أغوار تحديات هذا الانتشار. وقد استرشدنا بعدد من الأسئلة من بينها: كيف ترسخت زراعة الأفوكادو في بعض المناطق المغربية، على الرغم من نقص المياه؟ ما هي التنازلات التي يستعد المزارعون لتقديمها من أجل الاستمرار في زراعة الأفوكادو؟

الذهب الأخضر: فاكهة تحمل في طياتها تحديات متعددة

Avocat 6

ففي الوقت الذي يواجه فيه المغرب عجزاً مائياً مزمناً، تتطلب زراعة الأفوكادو كميات كبيرة من المياه لتنمو وتزدهر (ما بين 800 و1000 لتر/كغ)

عثرنا في هذا المعرض الذي يضم آلاف المشاركين على جناح يعرض بعض شتلات الأفوكادو. ولشدة فضولنا لمعرفة المزيد عن هذه الشجرة بالتحديد، اقتربنا من أحد العارضين الذي يشغل منصب رئيس شركة. وافق بعد بعض التردد على التحدث معنا، لكنه اقتصر على بعض العموميات حول الأصناف المعروضة على المنصة، دون إعطاء أي تفاصيل محددة. وعندما تطرقنا إلى المسألة الحاسمة المتعلقة بخصوصية هذه الفاكهة واستهلاكها المفرط للمياه، تغير موقف هذا المستثمر. انزعج بشكل واضح وقطع الحديث فجأة، رافضًا مواصلة النقاش حول هذه المسألة الحاسمة فيما يخص زراعة الأفوكادو في المغرب. “أفضل الحديث عن الأساسيات ولا أريد الخوض في النقاش السياسي أو الجدل حول استهلاك المياه. يمكننا أن نتحدث عن أشجار أخرى مثل الفستق الذي نزرعه أيضًا، لكنني لا أريد أن أتدخل في هذا النقاش حول الأفوكادو”. يكشف رد فعل هذا المزارع عن حساسية المسألة بحكم أن شجرة الأفوكادو، التي غالبًا ما تُتهم بأنها شكل من أشكال “تصدير المياه”، هي لب الموضوع. ففي الوقت الذي يواجه فيه المغرب عجزاً مائياً مزمناً، تتطلب زراعة الأفوكادو كميات كبيرة من المياه لتنمو وتزدهر (ما بين 800 و1000 لتر/كغ). ولقد تم انتقاد هذا الاستهلاك للمياه على نطاق واسع حيث إن البعض يرى أن الترويج لزراعة الأفوكادو في بلد يعاني من شح المياه تصرف ”غير مسئول“، بينما يحيل آخرون على “الفرص الاقتصادية” التي تتيحها هذه الزراعة، لاسيما من حيث التصدير. هي معضلة بين الربحية الزراعية الرأسمالية والإدارة المستدامة للموارد المائية.

الأضرار البيئية

توفر منطقتا الغرب واللوكوس أراضٍ جديدة لهذا المحصول الهش حيث تغطي مزارع الأفوكادو حاليًا 1290 هكتارًا في الغرب والرباط سلا والخميسات وبنسليمان وسوس ماسة

يعود أصل شجرة الأفوكادو إلى المناطق الاستوائية في أمريكا، وقد ظهرت هذه الشجرة لأول مرة في المغرب في نهاية الثمانينيات، خاصة في منطقة اللوكوس، قبل أن تنتشر في منطقة الغرب أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. واليوم بعد أن غزت الأسواق العالمية، تحتل الأفوكادو المرتبة السادسة في قائمة الفاكهة الأكثر استهلاكًا في العالم، مع أضرار بيئية لا يمكن إصلاحها في المكسيك والبلدان المنتجة الأخرى في أمريكا اللاتينية وحتى في إسبانيا.

وتُعد المكسيك وجمهورية الدومينيكان وبيرو أكبر مصدري هذه الفاكهة التي تتسم زراعتها بالديناميكية في جميع أنحاء العالم، إضافة إلى ظهور مصدرين جدد بسبب الطلب الأوروبي القوي على هذه الفاكهة، بما فيهم المغرب. وتوفر منطقتا الغرب واللوكوس أراضٍ جديدة لهذا المحصول الهش حيث تغطي مزارع الأفوكادو حاليًا 1290 هكتارًا في الغرب والرباط سلا والخميسات وبنسليمان وسوس ماسة.  وإذا سلكت الطريق الوطني من الرباط في اتجاه تيفلت، فإن الكيلومترات القليلة الأولى ستكشف لك عن مساحات شاسعة من أشجار الأفوكادو ومزارع مجهزة بأحواض ضخمة مصممة للسقي.

هل الأفوكادو مربح؟

Aa

ويستهلك الهكتار الواحد من “أشجار الأفوكادو ما بين 4000 و5000 متر مكعب من المياه سنوياً، أو حوالي 5 ملايين لتر

قمنا بزيارة إحدى هذه المزارع التي تقع على بعد بضعة كيلومترات من القنيطرة، والتي يملكها السيد محمد الدرقاوي، وهو مهندس زراعي تمتد مزرعته على عدة هكتارات. “في الأصل، كنت أرغب في زراعة أشجار الحمضيات، لكنها كانت معرضة جداً للأمراض ولم تكن تنمو بشكل جيد في هذه المنطقة. لذا اخترت زراعة الأفوكادو”. هذه المزرعة بعيدة كل البعد عن الصور النمطية للشركات الزراعية بحيث إنها مزرعة عائلية صغيرة يديرها خبير في مجاله.

يشرح درقاوي بنبرة المختص مميزات التربة في هذه المنطقة: “التربة الرملية في منطقة المعمورة فقيرة. وللحصول على نتائج جيدة، عليك أن تختار المحصول المناسب، كالأفوكادو”. و يضيف هذا الخبير الزراعي: “على الرغم من أن سعر الأفوكادو لم يكن مغريا في البداية، إلا أن الطلب المتزايد، وخاصة للتصدير، جعل المحصول مربحًا، خاصة وأن التربة هنا لا تصلح للمحاصيل الأخرى”.

ويقول إن شجرة الأفوكادو ثنائية الجنس تحتاج إلى ملقحات للبقاء على قيد الحياة، ويمتد حصادها من أكتوبر/تشرين الأول إلى مارس/آذار. ويؤكد لنا أن “الري بالتنقيط يوفر المياه في هذه المنطقة”.

تروي مياه الأمطار الأرض بشكل طبيعي ولا يستخدم الري بالتنقيط إلا عندما تغيب الأمطار. ويستهلك الهكتار الواحد من “أشجار الأفوكادو ما بين 4000 و5000 متر مكعب من المياه سنوياً، أو حوالي 5 ملايين لتر”. وعلى غرار العديد من المستثمرين، يرفض درقاوي فكرة أن الأفوكادو فاكهة تستهلك كميات مفرطة من المياه. ويدافع هذا المهندس الزراعي عن رؤية تقنية وبراغماتية للزراعة المغربية: “يحتاج المغرب إلى تنويع محاصيله وعدم الاقتصار على المحاصيل الغذائية، خاصة في ظل الأزمات العالمية الحالية. فمحاصيل البور لا توفر عائدًات مهمة”. ويرى أن “الدخل الذي ستذره صادرات الأفوكادو سيمكن البلاد من شراء المزيد من الحبوب والعديد من المنتجات الأخرى التي لا يمكن أن تنتجها محلياً بسبب الجفاف”. وهو نفس رأي مروجي الزراعة المكثفة الذين يقفون وراء خطة المغرب الأخضر. بصيغة أخرى، التضحية بالسيادة الغذائية لصالح منطق التجارة الزراعية الدولية هي رؤية لها ما يبررها في قطاع الأفوكادو.

ضمان الأمن الغذائي لأوروبا!

“إذا اخترنا النبتات المناسبة، فلدينا فرصة بنسبة 90% لزراعة هذا المحصول بنجاح”

تواصل موقع الناس مع “جمعية الأفوكادو المغربية” لمعرفة المزيد عن زراعة لأفوكادو بالمغرب. ولدت هذه الجمعية في يونيو 2021 كمنظمة تمثل مزارعي هذه الفاكهة. في وقت إنشائها، أرادت هذه الجمعية “تحفيز مختلف المبادرات القائمة بالفعل لتصدير الأفوكادو المغربي”، وفقًا للبيان الصحفي للجمعية. وفي نفس الوثيقة، تقول الجمعية إنها تريد “ضمان سلامة الأغذية للمستهلكين الأوروبيين”. !مما يوضح سبب نزول هذه الزراعة المربحة. 

وهكذا يستمر تحقيقنا على طول الطريق إلى العرائش، عاصمة الأفوكادو المغربية، وتحديدًا إلى الجماعة القروية العوامرة التي تقع في إقليم العرائش، في جهة طنجة تطوان. يبلغ إجمالي عدد سكانها 3161 نسمة، ويعيشون أساساً من الزراعة. توجد فيها مزارع على امتداد البصر، وعدة هكتارات من بساتين الأفوكادو. أما التربة فهي رملية وقريبة من المحيط، والمناخ مناسب تماماً لها، وفوق كل ذلك فهي متواجدة في أحد أكبر خزانات المغرب المائية.

إنها الثانية بعد الظهر في شهر يوليو والشمس مشرقة. في مقر مزرعته، يرحب بنا عبد الله اليملاحي، رئيس جمعية الأفوكادو المغربية، وهو مزارع ومستثمر شاب من أبناء المنطقة. يرتدي نظارات شمسية وقميصاً أبيضا بطوق “ماو”. هذا الشاب الذي يقوم بزراعة هذه الفاكهة وتصديرها منذ عدة سنوات: “نحن في مزرعة مساحتها خمسة هكتارات، أمام محطة التعبئة مباشرة. بدأنا زرع الفاكهة منذ عامين، وسيكون هذا العام هو موسمنا الخامس. ونحن متفائلون بإنتاج هذا العام”. ويشير إلى أن اختيار الأرض هو أحد العوامل الرئيسية التي تحدد نجاح الحصاد. “الأفوكادو فاكهة حساسة، فلا يمكن زراعتها في كل مكان. ولهذا السبب فإن غالبية المزارع في المغرب تتواجد في منطقة العرائش القنيطرة، حيث التربة رملية وتستفيد من الري الجيد، فضلاً عن القرب من البحر الذي يوفر الرطوبة”. ويضيف اليملاحي: “إذا اخترنا النبتات المناسبة، فلدينا فرصة بنسبة 90% لزراعة هذا المحصول بنجاح”.

الصادرات وزيادة الإنتاج

Avocat 3

تضاعفت المساحة المخصصة للأفوكادو في غضون أربع سنوات تقريبًا، لتصل إلى حوالي 7500 هكتار في المغرب بحلول عام 2023

يواجه المغرب موجة من الجفاف منذ أكثر من ست سنوات، ومع ذلك تستمر زراعة الأفوكادو في الازدهار في آخر الأراضي الخصبة في البلاد (الغرب واللوكوس). ويعترف اليماحي بأن هذه الفاكهة تستهلك المياه كثيرا، لكنه يصر على “ضرورة وضع المشكل في سياقه”. ومن وجهة نظره، “من الضروري أن نضع في الاعتبار أن المحاصيل الأخرى تستهلك كميات أكبر من المياه حيث أنه من غير المقبول التركيز فقط على الأفوكادو دون دراسة المشهد الزراعي المغربي بأكمله”.

وتضاعفت المساحة المخصصة للأفوكادو في غضون أربع سنوات تقريبًا، لتصل إلى حوالي 7500 هكتار في المغرب بحلول عام 2023، وذلك بفضل إطلاق صادرات الأفوكادو في عام 2018. ونتيجة لذلك، ارتفع الإنتاج بشكل كبير من 43000 طن في عام 2022 إلى 70000 طن سنة 2023. ويقدر المختصون أن الإنتاج قد يصل إلى 80000 طن بحلول عام 2025، وهو رقم يعتبرونه “رقمًا قياسيًا”.

يقول اليملاحي: “لقد وصلنا إلى إنتاج 70000 طن”. ويشير إلى أن المردودية تتحسن باستمرار بفضل تقنيات إنتاج أفضل مضيفا أنه “كلما تقدمت المزرعة في السن، كلما زاد إنتاجها من الفاكهة”.

ومعرباً عن سعادته ورضاه بالنتائج التي حققتها مزرعته، يوازن اليملاحي بين “استهلاك المياه وخلق المزيد من فرص العمل”. ويقول إنه لاحظ تغيرات كبيرة في أسلوب حياة صغار المزارعين الذين كانوا يعانون من آثار الجفاف: “لقد تحولنا من مزارعين فقراء إلى حالة من الربحية المستقرة مما أدى ذلك إلى تعزيز الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل”.

ويستمر المزارعون والمستثمرون في الدفاع عن زراعة الأفوكادو، بينما يحذر الخبراء من أنها “تصدير للمياه”. وعلى خلفية النقص الهيكلي في المياه، هل يمكن للمغرب حقًا أن يتكبد ما تحمله زراعة الأفوكادو من بذخ “لضمان الأمن الغذائي لأوروبا”؟ هل ستتمكن العملة الأجنبية وعدة آلاف من فرص العمل الزراعية التي يوفرها قطاع الأفوكادو من شراء المياه التي تعاني من نقص في المغرب؟

يتبع…

مقالات أخرى
  • “جيران الفوسفاط”…كارثة بيئية وفلاحية

    يوم 12 ماي وقع تسرب من أحواض مياه غسل الفوسفاط بإقليمي خريبكة والفقيه بن صالح. مئات الهكتارات تضررت بسبب السيول الكيميائية والمحملة بالمواد السامة.

    Screenshot 2026 05 20 at 00.22.34

    في الميدان

    19 مايو، 2026
  • كيف نصل لسياسة تصنيعية عمومية وسيادية تكون ركيزة التحول الأخضر ؟

    في دراسة مشتركة بين ATTAC المغرب وTNI، يتم تقديم عناصر لسياسة تصنيعية عمومية تكون ركيزة التحول الأخضر، ولا تتحمّل المجتمعات المحلّية والشغّيلة كلفته، وتكون تحت رقابة مواطنية (عُمّالية وشعبية)، مموَّلة بآليات لا تزيد تبعية البلد للمراكز الإمبريالية (قديمها وحديثها). الجزء الأخير من الملخص للتنفيذي للدراسة من انجاز علي أموزاي.

    Screenshot 2026 04 24 at 00.16.23

    أفكار الناس

    23 أبريل، 2026
  • الانتقال الأخضر في المغرب: بين الخطاب الرسمي و واقع التبعية

    في دراسة مشتركة بين ATTAC المغرب وTNI، يُقدَّم منظور نقدي جذري للسياسات الصناعية في المغرب و يرفض التصنيعَ المرتبط بالتبعية للمراكز الرأسمالية، ويدعو إلى سياسات سيادية وعادلة وخضراء فعلاً، تضع الطاقة والغذاء والتشغيل والمال في يد المجتمع لا السوق. الجزء الثاني من الملخص التنفيذي للدراسة: "التصنيع الأخضر بالمغرب: مطامح كبيرة وعوائق أعظم". من انجاز علي…

    88045158

    أفكار الناس

    22 أبريل، 2026