زاكورة : بين عنصرية محلية وكراهية مستوردة

Screenshot 2026 06 22 at 20.23.33

في غضون أسبوع واحد، جسّدت زاكورة وجهين من وجوه العنصرية في المغرب: أولاً، موجة كراهية الأجانب التي رافقت خبر زائف، ثم الخوف الذي أثاره وصول مهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء جرى نقلهم قسراً. وما وراء هذين الحدثين، يتكشف نظام كامل يقوم على تصدير مراقبة الحدود وموضوع النظرة للمغاربة السود في الفضاء العام.

بلغنا، في 12 يونيو، مستوى جديداً من كراهية الأجانب في المغرب. وتتلخص الوقائع في قيام رجل أسود البشرة بسرقة سيارة تابعة للأمن الوطني وسط مدينة مراكش. وخلال دقائق، جاب السائق المتهور الشوارع الرئيسية للمدينة الحمراء قبل أن يتم توقيفه بشكل كارثي من طرف بعض السائقين وعناصر شرطة المرور.

انتشر الخبر كالنار في الهشيم، مرفقاً بتفصيل إضافي مفاده أن الرجل الأسود «إفريقي»، أي – ضمنياً – «مهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء». ومن دون أي تدقيق أو تحقق، سارعت صفحات مؤثرة وحسابات يتابعها عدد كبير من الأشخاص إلى نشر هذه المعلومة الزائفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وسرعان ما انخرط الرأي العام في تأويل الحادثة والمعلومة الكاذبة بشكل مبالغ فيه. كانت حالة من الانفلات الجماعي، تلتها موجة من خطاب الكراهية على الشبكات الاجتماعية. 

وبعد ساعات قليلة، صحح منبر إعلامي محلي بمراكش الخبر، موضحاً أن السائق مغربي وينحدر من… زاكورة، وأنه يعاني من اضطرابات نفسية. 

إن لقاء المجتمع المغربي، منذ ثلاثة عقود، مع الآخر – وتحديداً مع ذوي البشرة السوداء – أعاد إلى الواجهة سؤالاً ظل مسكوتاً عنه: مكانة المغاربة السود داخل مجتمعهم. 

كيف يمكن توصيف هذا الارتباك؟ هل هو عنصرية ضد المغاربة السود؟ أم تجميع لصورة نمطية سلبية تجاه ذوي البشرة السوداء في المغرب؟ أم أنه يكشف عن تهميش وإقصاء المغاربة السود من التمثلات الجماعية؟

لقد أدى احتكاك المجتمع المغربي، على مدى العقود الثلاثة الماضية، مع الآخر – وخاصة الأسود البشرة – إلى إعادة طرح سؤال ظل مهمشاً طويلاً: ما مكانة المغاربة السود داخل مجتمعهم؟ ما موقعهم داخل المؤسسات والاقتصاد والإعلام والثقافة والرياضة؟

هذه الحافلة التي تصل في قلب الليل، تقريباً كل مساء، ليست سوى عرضا من أعراض فشل السياسة الأمنية للهجرة في المغرب. 

ومع هذه الحادثة الجديدة، عاد هذا السؤال، الذي لا يزال البعض يعتبره «موضوعاً غير ذي أهمية»، ليُطرح بإلحاح أكبر. أما بالنسبة للعنصريين بمختلف توجهاتهم، فقد شكل الأمر فرصة ذهبية لركوب موجة التحريض والكراهية. 

في 14 يونيو، عادت زاكورة لتتصدر عناوين الأخبار. فقد نشرت مواطنة من ساكنة الجماعة القروية تامزموط بالإقليم مقطع فيديو أعربت فيه عن قلقها من «وصول عدد كبير من الأفارقة على متن حافلة». وبنبرة تحذيرية، عبّرت الشابة عن خوفها «على سلامة النساء والسكان»، كما أبدت قلقها من وصول هؤلاء الأجانب إلى قرية «تعاني ظروفاً معيشية بدائية وتفتقر إلى الإمكانيات. »

وسرعان ما انتشر الفيديو على نطاق واسع. ويمكن تفهم مخاوف السكان أمام قضية لا يملكون عنها معرفة كافية، وأمام مجموعة أجنبية لا يعرفونها وينظرون إليها بعين الريبة. غير أن السلطات المحلية والإقليمية والمركزية لا تأخذ أبداً الوقت الكافي لشرح أسباب وصول هؤلاء الأشخاص إلى طرق محلية معزولة في المغرب العميق والمنسي. 

 في منصة ” الناس” أجرينا تحقيقات ونددنا وكتبنا عن التداعيات المحلية لعمليات التنقيل القسري هذه. فهذه الحافلة التي تصل ليلاً أو في الساعات الأولى من الصباح – تقريباً كل يوم – إلى زاكورة أو الرشيدية أو بني ملال أو خريبكة أو قلعة السراغنة، ليست سوى دليل على المأزق الذي وصلت إليه.  

إنها عمليات نقل بلا هدف حقيقي، سوى إنهاك المهاجرين في مسار رحلتهم. وحتى عندما يكون الوافدون في مجموعات صغيرة، فإن وصولهم يثير ردود فعل من الدهشة والتساؤلات لدى السكان المحليين. 

الموضوع خطير. ورفض الدولة مواجهته بشكل مباشر وشرح أسباب هذه السياسة القائمة على الإبعاد والنقل القسري لمواطنيها، يشكل دليلاً إضافياً على الاستخفاف بهم. 

ومن المهم التوضيح أن سياسة الإبعاد هذه لا تقتصر على المهاجرين، بل تشمل أيضاً الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية والمتسولين وفئات أخرى مهمشة. وتُعد مدينة الجديدة من أكثر المدن تأثراً بهذه الممارسات، حيث يتم نقل أشخاص إليها من الدار البيضاء والرباط. 

زاكورة، واحة التنوع التي تحولت إلى صحراء من الفقر. 

وإذا كانت عمليات النقل القسري للأجانب السود تستجيب لسياسات الاتحاد الأوروبي الرامية إلى «تصدير» مراقبة الحدود، فإن نقل الفئات الهشة نفسياً أو اقتصادياً يخضع بدوره لإملاءات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ومتطلبات تنظيم كأس العالم 2030. 

وبين هذين الحدثين، وجدت زاكورة نفسها، رغما عنها، في قلب الاهتمام الإعلامي. فقد تعرض سكانها أولاً للتمييز والوصم، ثم وجدوا أنفسهم ضحايا للسياسات الأوروبية الخاصة بتصدير مراقبة الحدود، وكذلك للسياسة الأمنية المغربية في مجال الهجرة. 

إن زاكورة تستحق فعلاً أن تكون في صلب النقاش العمومي، ولكن لأسباب أخرى أكثر أولوية: التهميش الاقتصادي الذي تعانيه من طرف الدولة المركزية، ووضعها البيئي المتدهور باعتبارها ضحية للظلم المناخي، ووضعها الصحي المتردي، وغيرها من القضايا الملحة. 

تحية لسكان زاكورة، سوداً كانوا أم بيضاً؛ تلك الواحة التي تختزل التنوع، لكنها تحولت إلى صحراء من الفقر. 

مقالات أخرى
  • بمليلية: الحدود تحتجز المهاجرين المفقودين أيضاً

    دعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع الناظور، السلطات المغربية إلى التحرك العاجل لمعالجة معاناة أسر القاصرين والشباب المغاربة الذين لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مدينة مليلية المحتلة. وفي رسالة مفتوحة، طالبت بتنسيق مغربي-إسباني يضمن التعرف السريع على الجثامين وتمكين العائلات من استعادتها ودفنها بكرامة. وجه فرع الناظور للجمعية المغربية لحقوق الإنسان نداءً إلى وزيري…

    مع الناس

    17 يوليو، 2026
  • عمال بلا حقوق.. واقع تشغيل المهاجرين-ات بالمغرب

    في قلب العاصمة الرباط، حيث تتقاطع أصوات الحافلات بضجيج الحياة الإدارية والسياسية، تبدأ "ماري" (اسم مستعار) رحلتها اليومية في السابعة صباحا. داخل مطبخ أحد المطاعم، تنزوي الشابة القادمة من دولة ساحل العاج خلف "كومة من الأواني المتراكمة".

    WhatsApp Image 2026 07 07 at 11.11.10 (4)

    تحقيق

    7 يوليو، 2026
  • التمييز العقاري: الوجه الآخر لمعاناة المهاجرين بطنجة

    يسلط المقال الضوء على "التمييز العقاري" الذي يواجه المهاجرين النظاميين من دول إفريقيا جنوب الصحراء في مدينة طنجة، كاشفاً عن التناقض الصارخ بين وضعياتهم القانونية والمهنية السليمة والرفض الميداني لتمكينهم من السكن. كما يفكك التحقيق الأبعاد القانونية، والسوسيولوجية، والاقتصاديّة للأزمة، محذراً من انعكاسات الشروط التعجيزية التي تدفع الوافدين نحو العزلة واللانظامية الإدارية.

    WhatsApp Image 2026 07 02 at 11.42.11

    في الميدان

    2 يوليو، 2026