سيرج كيمو: “المغرب… أرض الأحلام الموعودة

حين يروي المغامرون حكاياتهم، يسطع في تفاصيلها وهج التجربة وصدق الانتماء. هكذا هي قصة سيرج إيمي ڭيمو، الكاميروني الذي اتخذ من المغرب وطنًا ثانٍ منذ عام 2006، والذي تحوّل من مهاجر يسعى خلف الحلم، إلى رمز للاندماج الإيجابي ونموذج يحتذى به. رجل سكنه الشغف، فصار صوتًا يحمل قضايا الجاليات الإفريقية، وسفيرًا لفكرة أن الانتماء لا…
يتمتع هذا الكاميروني البالغ من العمر 47 عامًا بقدرة مذهلة على التحايل بلطف على الأسئلة، تاركًا الإجابات مشبعة بالحكمة والاعتدال. هو اليوم رئيس مجلس المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى في المغرب (م.م.ج.م.)، ويعرف تمامًا كيف يحافظ على التوازن بين التعبير والاحتفاظ بمسافة تحفظ له مكانته.
« ابني يحمل قصة بلدٍ بأكمله… وأنا أحمل عرفانًا لا يوصف لبلد احتواني حين كنت في حاجة إلى فرصة، لا أكثر »
موضوعه المفضل هو الحديث عن “النتائج الإيجابية للغاية” التي حققتها الإستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء (إ.و.ه.ل.)، حيث كان منذ عام 2013 أحد أبرز الفاعلين في تعبئة الجاليات من جنوب الصحراء، موجهًا التحية للحكومة المغربية على جهودها المستمرة. »
ما أنا عليه اليوم هو بفضل تجربتي المغربية «هكذا يختصر ڭيمو رحلته، بنبرة من امتنان واعتزاز»
الصحفي فيليبو روسي، الذي التقى سيرج صدفة في الكاميرون سنة 2015، لم يتردد في تدوين هذه التجربة الاستثنائية في كتاب حمل عنوانًا يفيض دلالة: “المستحيل ليس كاميرونيًا“. كتاب يحكي عن رجل بدأ حياته من الصفر في مدينة وجدة، ليجد في المغرب فردوسًا كان يبحث عنه منذ البدء
وصلت إلى المغرب برًّا، مشيًا نحو الحلم

«وصلت إلى المغرب برًّا، مشيًا نحو الحلم ، يقول ڭيمو. وبعد أشهر قضاها في الشرق، كانت الرباط محطته التالية، وهناك بدأت المغامرة الجادة: عمل في مركز للدراسات والإعلام، وتدرج في المسؤوليات إلى أن أصبح سنة 2013 نائبًا لرئيس المجلس الوطني للهجرة واللجوء، ثم رئيسًا لمجلس مهاجري جنوب الصحراء »
من مهاجر إلى مرشد ومؤثر
لم يكتفِ سيرج بتجربة شخصية، بل جعل من اندماجه مشروعًا عامًا ». كان علينا أن نحمل البشرى لإخواننا، أن نمهّد الأرض لحملة تسوية أوضاع المهاجرين « ، يقول وهو يستعيد ذكريات تلك السنوات المفصلية. ومع مرور الوقت، انتقل من كونه طالب مساعدة، إلى داعم وموجه للمهاجرين الشباب، لا سيما في مدن الشمال المغربي، من فاس إلى تطوان.
« أعمل في الشمال لمساعدة المهاجرين الشباب في هذه المنطقة من المغرب. لقد تحولت من مهاجر إلى شخص يساهم في بناء المجتمع. أحب أن أشارك هذه التجربة مع الشباب وأعلمهم كيفية التكيف في هذا البلد المضياف وسكانه الطيبين»
على الصعيدين المهني والشخصي، بدأ سيرج في إعادة بناء نفسه من خلال التدريب المستمر، إذ التحق بعدد من الدورات الجديدة كما يروي لنا: »بدأت بتدريب كمساعد رعاية، ثم انتقلت إلى دورة أخرى استمرت لعامين في تخصص الرعاية الاجتماعية. كان عليَّ أن أتقن ما تعلمته « ويضيف قائلاً: » لم يكن هذا ليتحقق لولا الفرصة التي منحني إياها المغرب، حيث أتاح للمهاجرين مثلي فرصة العودة إلى مقاعد الدراسة والتدريب على المهارات. أنا اليوم نموذج حي على النجاح في الاندماج بالمغرب .«
ومنذ تلك اللحظة، تحول سيرج من مجرد مهاجر يطمح إلى الانتقال إلى أوروبا إلى عامل متنقل بين مدن المغرب، يتنقل من فاس إلى تطوان بحثًا عن فرص العمل. يقول ابن مدينة دوالا: « أعمل في الشمال لمساعدة المهاجرين الشباب في هذه المنطقة من المغرب. لقد تحولت من مهاجر إلى شخص يساهم في بناء المجتمع. أحب أن أشارك هذه التجربة مع الشباب وأعلمهم كيفية التكيف في هذا البلد المضياف وسكانه الطيبين .»
« ما أنا عليه اليوم هو ثمرة تجربتي المغربية. عندما وصلت إلى هنا، كنت بعيدًا عن الكمال. تعلمت الكثير في المغرب، واليوم أشعر بالسعادة والراحة في هذا البلد الذي احتواني»
في الكتاب الذي خصصه له الصحفي فيليبو روسي، يروي سيرج شغفه ورحلته المليئة بالتحديات. يذكر سيرج كيف التقى بروسي لأول مرة قائلاً:« التقيت فيليبو عام 2015 عندما كنت في عطلة في الكاميرون، ووضعت ثقته في أن يروي قصتي، التي أعتقد أنها قصة استثنائية. أصبحنا مميزين لأننا نرافق أشخاصًا استثنائيين مثلنا» .

ويعتقد سيرج أنه « يسير على نفس الدرب الذي سلكه كبار أبناء الجالية الكاميرونية في المغرب اليوم، أنا من أكبرهم سنًا. وُلد ابني في المغرب، واسمه فيليب، وهو الآن يدرس في تطوان.” ويختم حديثه قائلاً: “ما أنا عليه اليوم هو ثمرة تجربتي المغربية. عندما وصلت إلى هنا، كنت بعيدًا عن الكمال. تعلمت الكثير في المغرب، واليوم أشعر بالسعادة والراحة في هذا البلد الذي احتواني .»
سيرج، الذي وُلد في دوالا، صار اليوم يقيم بين مدن المغرب ويعمل في مجال الرعاية الاجتماعية، بعد أن تابع تكوينًا أكاديميًا ومهنيًا دقيقًا في هذا المجال. “لقد منحتني المملكة فرصة العودة إلى مقاعد الدراسة، لأعيد بناء نفسي علميًا ومهنيًا”، يقول بفخر.
اليوم، يحيا ڭيمو في كنف المغرب، مستقرًا، متأملاً، وأبًا لطفل مغربي المولد، تطوانيّ الإقامة، اسمه فيليب. يقول وهو يبتسم: « ابني يحمل قصة بلدٍ بأكمله… وأنا أحمل عرفانًا لا يوصف لبلد احتواني حين كنت في حاجة إلى فرصة، لا أكثر »









