شباب الفنيدق: امال معلقة بين شاطئ الانتظار و حدود أوروبا

5q7a1471.00 00 54 24.still010

من يعبر مدينة الفنيدق دون أن ينبش فيما خلف الزرقة الهادئة الغالبة على لوحة المدينة، فلن ترتسم بذهنه سوى صورة مدينة وديعة تتكئ على رمال البحر الأبيض المتوسط. غير أن انقشاع هذه الصورة سرعان ما يتم كانقشاع أحلام شبابها وساكنتها في حياة كريمة تجعلهم لا يترقبون الحياة خلف البحر، ويراوغون في سبيلها الموت المتربص بالمغامرة.

فور وصولك لمدينة ” الفنيدق” أول ما تلاحظ هو الإنزال الأمني الكبير، عناصر القوات العمومية منتشرة بشكل رهيب وكأنه استنفار أو حالة استعداد قصوى لأمر قد يحدث في أي لحظة. بالإضافة إلى سيارات الدوريات الأمنية وعناصر الدراجات النارية، وطبعا رجال السلطة وأعوان السلطة. بنهاية فصل الصيف تعيد هذه المدينة الصغيرة وهادئة الى سباتها السنوي، حركة اقتصادية شبه راكدة وشباب بدون أفق. سنة بعد أحداث شتنبر 2024، تعود منصة ” الناس” لزيارة هذه المدينة المنكوبة اقتصاديا. 

” الخدمة والو…البلية بزاف”

يقف شباب أمام البحر، في مشهد سوريالي، كحنظلة عاقدين أيديهم خلف ظهورهم والمدينة خلفهم، لا يتأملون جمال المتوسط ولا شاعرية الصورة ولا هم هناك لاستنشاق هوائه الرطب المالح، بل يلهمهم لما عقدوا العزم عليه، إنهم يقفزون بأحلامهم إلى ضفته الأخرى، ومنهم من يصل بعد تخطيط محكم آمن، ومنهم من يبتلعه البحر فيحتضنه تراب مدينته التي أراد هجرها ميتا تحته. 

كل الأعين متوجهة صوب كورنيش المدينة انطلاقا من لشارع الحسن الثاني في إتجاه (الديوانة). تلاحظ منذ بداية الشارع أنه تم تطويقه بحواجز حديدية على طول الشريط البحري للمدينة ، بالإضافة إلى سيارات الأمن الوطني والقوات المساعدة. 

اقرأ أيضا : الفنيدق: “الجميع يريد أن يغادر

لم يمض على وجودنا في المدينة إلا دقائق قليلة حتى عايننا مشهدا (وكأنه أصبح عاديا) لعنصر من الوقاية المدنية و هو يقتاد شابا إلى مركز القوات المساعدة المتواجد قرب الشاطئ. 

عدنا لوسط المدينة بحثا عن قصص وتجارب هذه المدينة المقصوفة اقتصاديا بعد إغلاق معبر سبتة. “الديوانة” التقينا شباب من ابناء المنطقة العاطلين عن العمل، ومنهم من يشتغل مياوم (كل نهار و رزقو). يعيشون على أمل الهجرة، منهمكون، يتحدثون ويتأسفون على حالهم وحال عائلاتهم، وكل واحد منهم يتحدث بنبرة حزينة ، بعضهم من شدة القهر تكاد الأحرف أن ْتخنقهم، رجال وهم صغار السن، لسان حالهم ” الله يسهل علينا نْعْدِي أ هيرمانو ” (وهي كلمة تعني أخي بالإسبانية التي يتحدثونها بطلاقة). الكل هنا يردد كلمة واحدة: ” الخدمة والو…البلية بزاف”. 

مدينة بلا أفق غير بحرها 


“أنا واحد من أبناء هذه المدينة، التي يسميها كل حسب ما يعيشه فيها. منذ أن تم إغلاق معابر سبتة اختلف الوضع كثيرا، لا سواء من ناحية الرواج التجاري، والأنشطة التي كان يخلقها جلب السلع من سبتة مثلا، فحين كنت أدخل باب سبتة أحضر سلعة ويخلق ذلك سلسلة من فرص الشغل. وكانت هذه هي البؤرة الأساسية التي كانت أغلبية المناطق المجاورة مثل تطوان يشتغلون منها، والتي افتقدناها الآن.  طبعا حلم أي شاب سواء من الفنيدق أو من مدينة أخرى من هذا الوطن هو أنه يفكر في الهجرة غالبا، فمن يعيش أوضاعا مزرية يحاول إنقاذ نفسه ويفتش على مستقبل أحسن مما هو فيه”. يقول شاب ل”الناس” بصوت متحسر على ماضي المدينة وحاضرها.  

شاب ثاني، يحكي ل”الناس” قصته مع محاولة الهجرة و”الأمل” لازال يراوده رغم فشل المحاولة: ” لقد خضت تجربة الهجرة وقبضوا علي وأخذوني إلى غاية مكناس، لازلت أحتفظ بتذكرة الحافلة لذلك اليوم. كنت لازلت لم أرتم في المياه ولم يكن عندي أي أدوات نجاة أو سباحة، كنت بملابسي العادية وقبضوا علي، يقبضون حتى على شباب مارين بشكل عادي، ليسوا “حراكة”، فيقبضون عليهم ويرسلونهم لمدن أخرى، دون علم آبائهم، الذين لا يعلمون إلا بعد أن يصل الأبناء للدارالبيضاء أو العيون فيتصلون بوالديهم، أرسلوني لمكناس وكان لدي أصدقاء اضطروا للتسول كي يوفروا ثمن تذكرة العودة..”.

اقرأ أيضا : À Fnideq : « Nous quitterons tous et toutes »


” منذ الإغلاق تعيش المدينة كلها في أزمة، والأسعار مرتفعة وتكلفة العيش مرتفعة”

يسترسل الشاب في وصف ظروف العيش التي جعلته يتبنى حلم المغادرة بدل البقاء في مدينته مع أهله:” أنا حلاق، وأريد أن أهاجر من هذه المدينة، فمدخولي ضعيف وإخوتي كانوا يشتغلون من باب سبتة وهم الآن عاطلون، وهناك احتياجات لا أستطيع تلبيتها، منذ الإغلاق تعيش المدينة كلها في أزمة، والأسعار مرتفعة وتكلفة العيش مرتفعة”، يضيق الشاب: “لدي أحلام كثيرة أريد أن أحققها، أريد إنقاذ والدي من الفقر، وأن أرسل والدتي للعمرة إن شاء الله”.

“الكثير من الأصدقاء فقدناهم، هناك آباء فقدوا عقلهم لأن أبنائهم ماتو..  ما الذي ينقص هذا الوطن..؟


الهجرة حلم يستدعي البسمة  والدمعة في آن واحد على وجوه المتحدثين عنها، خاصة وأن الناجين من الموت يعيشون قصص ألم الآباء والأمهات على الأبناء المفقودين، وليس من بين هؤلاء الطامحين للمغادرة من يريد أن يعيش أهله فاجعة موته وحزنهم: “الكثير من الأصدقاء فقدناهم، هناك آباء فقدوا عقلهم لأن أبنائهم ماتوا، هناك مشاكل عديدة لا يمكن اختزالها في مشكل واحد، لكن نطالب نحن كأبناء  الفنيدق، ولدينا حرقة على هذه المدينة، أن ينظروا لحال هؤلاء الشباب، لهم طاقات وقدرات يمكن أن تجعلهم يطوروا هذه المدينة وينهضوا بها”، يقول حالم بالهجرة ومتألم لحال من غادروا دنيا الناس دون تحقيق حلمهم. 

اقرأ أيضا : Haragas : Récit d’un assaut désespéré


لو أني أتوفر على مدخول جيد ما كنت سأفكر في الهجرة لأروبا، ككل الشباب، مدينة الفنيدق صغيرة وليس بها لا معامل ولا أي شيء، الباعة المتجولون يفترشون الأرض لسلعهم في الشارع فتطردهم السلطات، والفقير لديه أبناء وفاتورة كراء وعيش..”، يقول الشاب بملامحه المخفية: “أتمنى أن يمنحوا حلولا للشباب لينهضوا ببلدهم، أحيانا أتساءل ما الذي ينقص هذا الوطن الذي يتوفر على موارد كثيرة وطاقات كثيرة ومواهب وأدمغة، لماذا ستستفيد منه دولة أخرى وتؤهله ..؟” ويظل السؤال الحارق مفتوحا. في انتظار أجوبة التنمية المحلية التي لا تأتي، يستمر ليل الفنيدق كنهاره. تكثف السلطات الأمنية من دورياتها وسط الأحياء والشوارع الكبرى للمدينة وتضيق الخناق على الراغبين من الشباب الولوج اليها.  

مقالات أخرى
  • عند حافة الحدود… أمهات يفتشن عن أثر

    في وجدة، سلكت نحو مائة أسرة لمهاجرين مفقودين أو محتجزين الطريق نحو الحدود الجزائرية مطالبةً بالحقيقة والعدالة حاملاتٍ صورَ أحبّتهنّ المفقودين، وجّهت هذه العائلات نداءً إلى السلطات المغربية والجزائرية والأوروبية. بين الدموع والكرامة، تذكّر قافلة الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين بأن الغياب جرحٌ بلا حدود.

    WhatsApp Image 2026 02 17 at 18.23.15

    في الميدان

    17 فبراير 2026
  • رصد لمأساة المهاجرين المفقودين ولجهود الحقيقة للعائلات

    قدمت الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة، خلال ندوة صحفية انعقدت يوم الخميس 5 فبراير 2026، تقريرها السنوي الذي يغطي الفترة الممتدة من فاتح يناير إلى 31 دجنبر 2025، في سياق دولي يتسم بتزايد عدد الوفيات والاختفاءات على طرق الهجرة. أهم خلاصات هذا التقرير.

    WhatsApp Image 2026 02 11 at 21.28.59

    مع الناس

    11 فبراير 2026
  • الجمعية المغربية لحقوق الإنسان و”هاتف الإنذار”: جبهة مشتركة ضد انتهاكات حقوق المهاجرين

    خلّدت الجمعية المغربية لحقوق الانسان (فرعي وجدة والناظور) ومجموعة "هاتف الإنذار" بالمغرب بمدينة وجدة الذكرى الثانية عشرة لأحداث تاراخال المأساوية – على حدود سبتة المحتلة - التي راح ضحيتها عدد من المهاجرين سنة 2014، في محطة نضالية أكدت استمرار الدفاع عن الحق في الحياة والتنقل، وجددت المطالبة "بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة في حق المهاجرين".…

    WhatsApp Image 2026 02 08 at 02.40.19

    مع الناس

    9 فبراير 2026