شباب القليعة: قتلى، سجناء، أو مصابون

WhatsApp Image 2025 10 27 at 23.24.51 (1)

منذ الأول من أكتوبر، تصدرت بلدة لقليعة (23 كيلومترا من أكادير) عناوين الصحف. تقرير من بلدة سكنية تحت رقابة مشددة، ولقاء مع أم صبورة. قبل ثلاثة أسابيع، لم يكن يعلم بها معظم المغاربة، أصبحت لقليعة الآن تحت رقابة مشددة. في حادثة نادرة في المغرب، تعرض ثلاثة شبان مغاربة للقتل برصاص الدرك الملكي في الأول من…

نص: إيمان بلامين |
فيديو: محمد نصار
|

كل وافد على مدينة القليعة، سيمر على  نقطة للدرك الملكي تراقب مباشرة الدخول والخروج من  هذه المدينة العمالية. ولا تزال آثار أحداث الأربعاء الأسود العنيفة ظاهرة على طول الطريق الرئيسي. بدأت بالفعل أشغال  لتغطية الأضرار. على بعد أمتار قليلة، تم تخريب مدرسة بالكامل. وعلى بعد أكثر من 200 متر، توقف مرشدنا في زاوية وهمس: “لا تزال آثار دماء الشباب على الأرض… لم نرَ شيئا كهذا هنا من قبل. قتل ثلاثة شبان في الخامسة والعشرين من عمرهم، من بين ألطف سكان المدينة. جميعنا مرعوبون، وليس فقط عائلاتهم”.

قرية تحولت إلى مقبرة


في أوائل الألفية الثانية، تحولت القليعة، بفعل الزراعة المكثفة الموجهة للتصدير في منطقة سوس، إلى مدينة سكنية للعمال الزراعيين. في غضون عشر سنوات، ارتفع عدد سكانها بنسبة 29%، من 83,300 نسمة عام 2004 إلى 107,000 نسمة. هذه البلدية شبه الحضرية تابعة لإقليم إنزكان – آيت ملول. يفرض التوسع العمراني السريع تحديات على البنية التحتية الحضرية والوصول إلى الخدمات العامة. وتشتهر البلدية بانعدام الأمن المستمر.

على بعد خطوات قليلة من مركز هذه المدينة، توجهنا أولا إلى منزل سفيان كرت، الناشط في تنسيقية الصحة للجميع بأكادير. وهو مسجون حاليا ويواجه تهما خطيرة. استقبلتنا والدته بصوت مرتجف: “كيف حال عائلات الشهداء؟ لم أتمكن من زيارتهم بعد. أنا مريضة… ومع ما يحدث مع سفيان، أشعر بتوعك. قلبي حزين على أمهاتهم؛ لا أستطيع إلا أن أتخيل حالهم.”


اقرأ المزيد : القليعة: تفاصيل الأربعاء الأسود

نعود إلى منزل محمد الرحالي (25 عاما)، أحد الضحايا الثلاث لتلك الليلة. عند الباب، استقبلنا والده. رجل في الخمسينيات من عمره، وجهه شاحب، صوته متقطع، وعيناه متعبتان. يقودنا إلى الداخل: منزل بسيط ومتواضع.

خرجت والدته، غزلان، للتو من المستشفى. نُقلت إلى هناك بعد أن انهارت صحتها أثناء توجهها إلى اعتصام تضامني مع سفيان كرت. تقول، بوجه شاحب غارق في حزن فقدان ابنها: “أنا آسفة جدا لعدم قدرتي على التواجد هناك.. كدنا نتعرض لحادث. لا أشعر أنني على ما يرام… نحن نلتزم بوعودنا، لكن هذا الأمر يتجاوزنا”.

حكاية اليوم الأخير

“ابني ليس مجرما. لم أتخيل يوما أن يلقى مثل هذا المصير”.



“ابني ليس مجرما. لم أتخيل يوما أن يلقى مثل هذا المصير”، بدأت غزلان شهادتها بصوت مرتجف، وغضب ممزوج بالحزن. “كان معروفا لدى الجميع هنا. أحبه الجميع. كان شابا حكيما ومحترما ومتواضعا”. محمد، ابنها، هو الضحية الثانية التي قُتلت رميا بالرصاص تلك الليلة افي إنزكان.

في ذلك الصباح، كان لدى محمد موعد لإصدار رخصة قيادة شاحنة نقل ثقيل. ثم، كما تروي والدته، “ذهب إلى مركز لإعادة إدماج الشباب لاستلام بعض الوثائق”. عند الظهر، اتصلت به ليعود إلى المنزل لتناول الغداء. أخبرها أنه لا يزال لديه “بعض الأمور التي يجب إنجازها” وأنه سيأتي لاحقًا. في ذلك المساء، حاولت الاتصال به مرة أخرى. أخبرها أنه سيتوقف عند مقهى، وأن هناك “ازدحاما في المركز”. لم يكن يعلم ما يحدث.

“لم نكن نعلم بوجود مظاهرة”، تشرح. بعد ساعات قليلة، وصلت إحدى بناتها مذعورة: “أمي، يقولون إن ولدين أُصيبا!” بقلب حزين، اتصلت غزلان برقم ابنها، لكن دون رد. بعد قليل، دخل شقيق محمد مسرعا، ووجهه حزين: سمع أن شقيقه قد أُصيب.

اندفعت غزلان إلى الخارج، تركض في الشوارع، تستجوب المارة، وجوههم مليئة بالخوف، والشوارع خالية. تتذكر قائلة: “عندما وصلت إلى وسط المدينة، كان المكان أشبه بساحة حرب”. أمام مركز الدرك، حاولت الحصول على معلومات، لكن لم يجبها أحد. طمأنها بعض الشباب بأنه لا وفيات، وأن الجرحى نُقلوا بسيارة إسعاف إلى مستشفى الحسني.

قالت غزلان: “تخيلت أنني سأجده مصابا،  بحجر أو ما شابه، لكن لم أتخيله أن  يكون ميتا”.

ثم بدأت نفس المحنة المؤلمة التي عاشها والد عبد الصمد: ساعات قضاها يتجول في أروقة المستشفيات، والمشارح، وقوائم الاسقبال، بحثا عن اسم ابنه. تقول: “ظللت أقول لنفسي أنني سأجده مصابا، ربما بحجر أو شيء من هذا القبيل، لكنه لن يكون ميتا”.

“في الفيديوهات، يظهر وسط الناس، ليس أمام مركز الدرك، ولا مع من يحاولون اقتحامه. كان بعيدا… وأتخيل أنه حتى عندما تم إطلاق النار عليه، لم يكن  يفهم ما  يحدث”.

لكن محمد لن يعود. لن ترى غزلان جثته حتى الصباح. تروي أن الرصاصة التي قتلته أُطلقت على بعد عشرات الأمتار من مركز الدرك. تقول بصوت مختنق  بالتأثر: “كان المكان الذي سقط فيه ابني بعيدا عن المركز، على بعد ثلاثين مترا على الأقل. كان رجال الدرك هم من أطلقوا النار في كل مكان حول التجمهر . في الفيديوهات، يمكنك رؤيته وسط تجمع الناس، ليس أمام المركز، وليس مع من كانوا يحاولون اقتحامه. كان بعيدا ..وأتخيل أنه حتى عندما أُطلق عليه النار، لم يكن يفهم ما يحدث”. وتتابع والدموع تنهمر من عينيها: “أفتقده… أراه في كل مكان. لقد كان ابنا لطيفًا للغاية”، ثم تنفجر في البكاء.

“لن نصمت. لن أدع هذا يمر: إما العدالة أو الحقيقة لابني”.

منذ تلك الليلة المأساوية، سعت غزلان جاهدة للحصول على إجابات: “لن أكف عن المطالبة بالتحقيق حتى تتحقق العدالة لابني…وللشابين الآخرين. هما أيضا مثل أبنائي، أبناء هذا الوطن”. كما طالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH) بإجراء تحقيق مستقل، وشكلت لجنة تحقيق ميدانية. يتبع.

مقالات أخرى
  • لجنة تكشف قروناً من الأحكام ضد معتقلي جيل زيد

    أكدت "اللجنة الوطنية لمساندة عائلات ضحايا قمع حراك جيل زيد" أن العديد من الموقوفين تعرضوا ل"انتهاكات صارخة لحقوقهم"، معلنة عن جملة من الخروقات التي تعرض لها الشباب المعتقلين والمتابعين، انطلاقا من التوقيفات العشوائية بالشارع العام، أو من منازلهم/ن، ثم التدخلات الأمنية العنيفة التي بلغت حد الدهس وإطلاق الرصاص، وصولا إلى فرض التوقيع عن محضر موحد…

    Screenshot 2026 02 06 at 23.30.52

    الناس +

    5 ساعات
  • جيل “زيد” تعلن العودة ل”الساحات” وبأي حال تعود؟مفارقة الحضور الرقمي والواقعي

    اختارت حركة جيل "زيد" استئناف نشاطها الاحتجاجي بالموازاة مع تخليد الوسط الحقوقي لليوم العالمي لحقوق الإنسان، وكانت الحركة قد أعلنت أنها ستنظم وقفات احتجاجية بعدد من المدن المغربية، للتضامن مع معتقلي حراكها ومع عائلات ضحايا رصاص القليعة، ووضعت الحركة لهذه العودة الميدانية شعار: "العودة للساحات".

    D1710179 1eaf 42bb b014 9d9c138c2a12

    مع الناس

    11 ديسمبر 2025
  • يسار ينتفض في زمن التضييق وقمع الشباب

    نظمت شبيبة اليسار الديمقراطي جامعتها الخريفية أيام 21 و22 و23 نونبر الجاري بمدينة المحمدية تحت شعار " جيل ينتفض..يسار منخرط"، وفق بلاغ للشبيبة أكدت فيه أن هذه الجامعة الخريفية تأتي " في إطار حرص شبيبة اليسار الديمقراطي على "خلق فضاءات للتكوين والحوار السياسي، وتطوير قدرات الشباب وتعزيز مشاركتهم في النقاش العمومي، وتوسيع دائرة الانخراط الواعي…

    Screenshot 2025 11 25 at 23.09.38

    مع الناس

    25 نوفمبر 2025