فكيك:نضال من أجل الماء والكرامة

منذ عام يقاوم أهالي فڭيڭ خصخصة المياه، التي تعد رمزًا لبقائهم وهويتهم. في 15 نوفمبر2024، سافر الائتلاف الوطني لدعم حراك فڭيڭ تضامنا وانضماما إلى هذا النضال.
عند وصولها في الساعة الواحدة بعد الظهر، استقبلت القافلة القادمة من الرباط بحماس باد من قبل اللجنة المحلية لفڭيڭ ورجال ونساء ونشطاء محليين تمت تعبئتهم ضد خصخصة المياه ومشروع الشركة الجهوية لتوزيع الماء والكهرباء في المنطقة الشرقية. كانت المشاعر واضحة في مشهد توجه فيه أعضاء الائتلاف إلى مدرسة النهضة، حيث دوّت الشعارات: “لا لخصخصة المياه”، “مياه فكيك ليست للبيع!”
لا للخصخصة!
بدأ الاعتصام الأسبوعي أمام مبنى بلدية فڭيڭ على الساعة الرابعة من عصر يوم الجمعة. وصلت النساء بملابس الحايك من زوايا البلدة الأربع، واحتللن جزءًا كبيرًا من الساحة. انضم إليهن الرجال في الجانب الآخر، بينما أخذ أعضاء التحالف المكون من عدة جمعيات أماكنهم. وما إن وصلوا حتى نهضت النساء على أقدامهن وهن ينشدن أغاني الترحيب كعلامة على الامتنان.
“إن الانضمام إلى الشركة الإقليمية متعددة الخدمات هو حكم بالإعدام على فڭيڭ”.
وقف النشطاء وهم يهتفون ويرفعون لافتات كتب عليها: “الماء لنا، والقرار لنا”، وشعارات أخرى بالأمازيغية: “افتحوا الحنفية. لا للدفع”. بدأت الخطابات مع موفو، رمز هذا الحراك وسجين سابق. وكان من بين المتحدثين أحمد شول الذي صرح أن “الانضمام إلى الشركة الإقليمية متعددة الخدمات هو حكم بالإعدام على فڭيڭ. هذا القرار لا علاقة له بالتقدم، بل له علاقة بتدمير واحتنا ونظامها البيئي. لا يمكن لأي تكنوقراطي أن يفهم قيمة هذا المورد بالنسبة لنا. فالمياه هنا بناء اجتماعي، وتراث، بل وروح”.
“معركتهن ليست من أجل نساء فكيك فحسب، بل من أجلنا جميعًا”;خديجة رياضي
وقالت خديجة رياضي، وهي شخصية بارزة في الحركة الحقوقية المغربية والرئيسة السابقة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان: “نحن هنا للتعبير عن تضامننا بعد مرور عام على انطلاق الحراك، ولتوجيه تحية خاصة لنساء فكيك. نود أن نهنئهن ونعرب عن فخرنا بقوتهن ونشاطهن الحازم. فعلى الرغم من القمع الذي تعرضن له بلا هوادة طوال هذه الفترة، إلا أنهن صمدن”.
وتوضح أن هؤلاء النسوة هن رموز حقيقية للصمود ومدرسة للنضال في حد ذاتهنّ. “لقد رأيناهن اليوم مصممات على الدفاع عن حقوقهن ومطالبهن، رغم أن الدولة تسعى بكل الوسائل الممكنة إلى حرمانهن من حقهن”.
وأضافت: “هذه التعبئة النسائية في فكيك تسلط الضوء على التناقضات الصارخة في الخطاب الديمقراطي للدولة.”إن نضالهن لا يخص نساء فڭيڭ فقط، بل يخصنا جميعًا.إنه جزء من نضال أوسع ضد صفقات الخصخصة هذه التي تؤثر على كل واحد منا”.
وقد لعبت النساء اللاتي فرضن نفسهن في هذا النضال، دورًا محوريًا منذ البداية. فقد جسّدن بتضامنهن وصمودهن المقاومة ضد القرار الذي يعتبرنه سلبًا لتراثهن. “لقد دأبنا دائمًا على إدارة المياه في الواحات بإنصاف واحترام للتقاليد. إذا ما تمكنت هذه الشركة الخاصة من الوصول إلى الواحات، فسيتم تدمير كل شيء. لن نستسلم، لأن المياه هي الحياة، وبدونها لن يكون لنا وجود”، يقول أحد النشطاء المحليين. “تجسد نساء فڭيڭ نضالًا جماعيًا ودعوة للتضامن في مواجهة الظلم ومقاومة رائعة للسياسات التي تهدد كرامتهن ومستقبلهن كما يتجاوز هذا النضال حدود فڭيڭ حيث يمثل نضالًا ضد سياسات الخصخصة التي لا تهدد السكان فحسب، بل أيضًا أسلوب حياة الأجداد الذي يجب احترامه”.
عامٌ من النضال: عودة بالذاكرة

إن القرار المثير للجدل الذي اتخذه المجلس المحلي بتحويل إمدادات المياه إلى شركة عامة محدودة تسمى مجموعة الشرق للتوزيع بموجب أحكام القانون 83.21، هو سبب هذه التعبئة. وينص هذا القانون الذي تم اعتماده على المستوى الوطني على إنشاء شركات إقليمية متعددة الخدمات مسئولة عن إدارة توزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء والصرف الصحي وغيرها. وعلى الرغم من أن السلطات حاولت طمأنة السكان بأن ذلك لن يكون خصخصة، إلا أن أحكام القانون، ولاسيما إمكانية فتح رأسمال هذه الشركات أمام القطاع الخاص، أثارت معارضة قوية.
في فڭيڭ، الواحة ذات الموارد المحدودة والهشة، يُنظر إلى هذا القرار على أنه “تهديد مباشر لتراث الأجداد” ذلك أن إدارة المياه استندت منذ القدم على أنظمة عبقرية وداعمة مثل “الخراط”، وعلى المجالس المجتمعية الديمقراطية التي تضمن التوزيع العادل بين الاحتياجات الزراعية والثروة الحيوانية والاستهلاك المنزلي. على مدار العام الماضي، طبعت المظاهرات الحاشدة الحياة اليومية في المدينة: اعتصامات أسبوعية وإضرابات عامة وإجراءات سلمية حشدت جميع فئات السكان. وبدا أن أول انتصار قد تحقق في جلسة أولية، عندما رفض المجلس المحلي قرار نقل التحويل المذكور. ومع ذلك، وتحت ضغط من السلطات الإقليمية، تمت الدعوة إلى عقد جلسة استثنائية، وتمت الموافقة في النهاية على التحويل بأغلبية ضئيلة، مما أدى إلى تفاقم السخط الشعبي.
غدا يستمر الصراع

“مياه فڭيڭ ليست للبيع، المياه لنا، والقرار يبقى قرارنا!”
بالنسبة للسكان، “يتجاوز هذا النضال مجرد مسألة إدارة المياه فهو يجسد رفضًا لمنطق الخصخصة الذي لن يهدد فقط موردا حيويا مثل الماء، بل أيضًا استقلاليتهم وتضامنهم وتراثهم”. وتقف النساء في طليعة هذه الحركة إلى جانب الشباب والمزارعين والنشطاء المحليين للدفاع عن حقهم في المياه، بل وعن كرامتهم أيضًا.
ورغم من محاولات القمع إلا أن عزيمة أهالي فڭيڭ لا تزال على حالها حيث يعد نضالهم جزء من مقاومة وطنية ضد سياسة تهدد بتحويل الخدمات العامة الأساسية إلى سلع للبيع. رسالتهم واضحة وهي أن المياه ليست سلعة عامة بل هي ملك خاص وتراث موروث، أو كما يرددون منذ عام: “مياه فڭيڭ ليست للبيع، المياه لنا، والقرار يبقى قرارنا!”









