كيف دمر البطيخ الواحات من طاطا إلى زاكورة

Screenshot 2024 12 17 at 19.14.59

يثير ازدهار وانتشار المحاصيل الزراعية كثيرة الاستهلاك للمياه مثل البطيخ والأفوكادو تساؤلات حول التوازن الاجتماعي والسياسي والبيئي للنموذج الزراعي المغربي. الخبراء والممارسون يقدمون إجاباتهم في هذا المقال

أتاح اللقاء الذي عُقد في 8 نوفمبر 2024 تحت شعار ” نادي قراء موقع الناس” فرصة لإلقاء نظرة نقدية وتحليلية على المحاصيل التي تستهلك الكثير من المياه، ولاسيما البطيخ والأفوكادو، وذلك في إطار عرض الفيلم الوثائقي المصغر “الأفوكادو في المغرب: تصدير الماء واستيراد العطش”، الذي شارك في إنتاجه كل من  موقع الناس ومؤسسة هاينريش بول، مكتب الرباط.  

اتفق جميع المتحدثين على “كون الخيارات الزراعية في المغرب غير مستديمة”. وهي ملاحظة تستند إلى واقع يتعلق بخسائر اجتماعية وبيئية واقتصادية وسياسية فادحة. دعت الناس كل من رشيد البلغيتي، وهو صحفي ومنتج من طاطا، ونجيب أقصبي، وهو محاضر جامعي وخبير اقتصادي زراعي،  إضافة إلى محمد الطاهر الصرايري، وهو محاضر جامعي متخصص في هذه القضايا.

“النار تشتعل في الواحات”

1

إن مخطط المغرب الأخضر وبال على القطاع الفلاحي المغربي وعلى إقليمنا. لقد أنتج هذا المخطط جغرافية من العطش من طاطا إلى زاكورة

يقوم رشيد البلغيتي، وهو صحفي وفاعل في المجتمع المدني في إقليم طاطا من خلال مبادرة “نداء طاطا”، بتشريح مراحل تطور زراعة البطيخ في منطقته، وكذلك في زاكورة في الجنوب الشرقي. 

يبدأ تحليله بنظرة كلية على السياسة الزراعية العامة. “إن مخطط المغرب الأخضر وبال على القطاع الفلاحي المغربي وعلى إقليمنا. لقد أنتج هذا المخطط جغرافية من العطش من طاطا إلى زاكورة”، كما جاء في ملاحظاته التي استقاها من خلال مهامه الصحفية العديدة في هذه المناطق. 

أنا ابن هذه المنطقة. تابعت كيف اشتعلت النيران في أرضنا، بالمعنى الحرفي والمجازي. جغرافيتنا الواحاتية تحترق بسبب البطيخ

وبالإضافة إلى معرفته كصحفي وناشط، يتحدث البلغيتي عن منطقته بعاطفة جياشة. “أنا ابن هذه المنطقة. تابعت كيف اشتعلت النيران في أرضنا، بالمعنى الحرفي والمجازي. جغرافيتنا الواحاتية تحترق بسبب البطيخ”

يتطلب إنتاج هكتار واحد فقط من هذا الصنف من القرعيات ما معدله 8000 لتر من المياه، أو 200 لتر للكيلو الواحد من البطيخ

قبل المضي قدمًا، دعونا نلقي نظرة على بعض الحقائق حول إنتاج البطيخ وتصديره إلى دول الاتحاد الأوروبي. يتطلب إنتاج هكتار واحد فقط من هذا الصنف من القرعيات ما معدله 8000 لتر من المياه، أو 200 لتر للكيلو الواحد من البطيخ. لكن يظل المغرب ثاني أكبر مورد للاتحاد الأوروبي، متقدماً على هولندا. فحتى عام 2024، صدّر المغرب 85 مليون كيلوغرام من البطيخ إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمثل 13.34% من إجمالي وارداته، بقيمة 75 مليون يورو. انخفضت هذه الكميات بشكل حاد بنسبة 50% خلال عام واحد. ومنذ عام 2022، خضع هذا المحصول لقيود الإنتاج بفضل قرارات الحكومة والمقاطعات في سياق الجفاف. لكن هناك سؤال يطرح نفسه: هل جاء هذا الإجراء متأخرًا، بعد أن بدأ الحريق بالفعل في واحات طاطا وزاكورة؟

ثلاثة تغيرات اجتماعية

2

لقد حطمت ثقافة البطيخ الهندسة والمعرفة والمساعدة المتبادلة والتجانس والتناغم في الواحات. لقد حطمت أيضا هذا المجتمع من النحل والنمل البشري

يذكّر البلغيتي، الذي يدير فضاءً للحوار التشاركي في طاطا يسمى “أمشاور”، بجوهر الواحات كفضاء جغرافي ولكن أيضًا كفضاء أنثروبولوجي: “الواحات ليست إبداعًا طبيعيًا بل اختراع بشري ذكي قائم على التنظيم البشري والرصانة والتضامن”.  

ويمضي في التذكير بعواقب هذه الزراعة على هذا الفضاء الحي: “لقد حطمت ثقافة البطيخ الهندسة والمعرفة والمساعدة المتبادلة والتجانس والتناغم في الواحات. لقد حطمت أيضا هذا المجتمع من النحل والنمل البشري، إذا كان بإمكاني إجراء هذه المقارنة. لقد حطم البطيخ كل شيء”. 

بالخوض في تفاصيل ما جاء في كلام البلغيتي، يرى أنه هناك ثلاثة تحولات اجتماعية وبيئية سببها هذا المحصول. التغيير الأول والأكثر وضوحًا هو فقدان الموارد المائية، وهي سلعة نادرة في هذه المنطقة الصحراوية. “كانت لدينا في السابق مياه سطحية وفرشة مائية ناتجة عن الينابيع التي كانت تأتي من جبال الأطلس الصغير منذ قرون. وفي فترة زمنية قصيرة جدًا، استنزف مزارعو البطيخ كل هذه المياه الثمينة. لقد جلبوا العطش إلى الواحات. كان المزارعون يحصلون على المياه في صنابيرهم ومياه الري بفضل نظام الخطارات العبقري، لكن كل ذلك توقف”، كما يصف هذا الصحفي الاستقصائي. 

ولقد أدى هذا الوضع إلى تسريع وتيرة هجرة السكان في الإقليم الذي شهد انخفاضًا مطردًا في عدد سكانها منذ عام 2004، وهو ما تؤكده نتائج التعداد العام للسكان والمساكن. 

الإجهاد المائي أصبح القوة الدافعة وراء الهجرة إلى الأقاليم الأخرى

تعد مقاطعة طاطا واحدة من بين الأقاليم المغربية التي شهدت انخفاضًا في عدد السكان، على عكس الوتيرة الوطنية العامة. فقد انخفض عدد سكان الإقليم بنسبة 2.6% من 114758 إلى 111757 نسمة خلال عشر سنوات. وفي المناطق القروية، كان الانخفاض أكبر في المناطق الريفية بنسبة 6.2% بين عامي 2014 و2024. انخفض عدد سكان الريف في طاطا بمقدار 4777 نسمة. 

ويصرح البلغيتي أن “الإجهاد المائي أصبح القوة الدافعة وراء الهجرة إلى الأقاليم الأخرى”. هناك نتيجة أخرى لهذا التغيير وهي تلوث المياه الجوفية، وهي حقيقة أكدها المسئولون في الإقليم سنة 2014، بسبب الاستخدام غير المعقول للمبيدات الحشرية. 

أما التغيير المجتمعي الثاني فيتعلق “بالتغييرات الاجتماعية الأنثروبولوجية التي أحدثها هذا المحصول. فالنموذج الزراعي ليس اقتصاديًا فقط؛ بل إن مخطط المغرب الأخضر أسس نموذجًا سياسيًا واجتماعيًا جديدًا في مناطقنا”. ويعتقد البلغيتي أنه “تم إدخال قيم جديدة فالواحات لم تكن جنة والناس لم يكونوا ملائكة، ولكن في الوقت نفسه، كان لسكان هذه المناطق يحملون قيمًا متوارثة تلهمهم. أما اليوم، فقد تجدر الفساد والاختلاس في دائرة البطيخ.”  

ولتوضيح وجهة نظره، يعطي البلغيتي مثالاً على تطور الأراضي الجماعية بعد وصول مستثمري البطيخ: “تم استغلال الأراضي الجماعية من قبل مزارعي البطيخ بطرق ملتوية. في السابق، كان الأشخاص المسئولون عن الأراضي الجماعية أشخاصًا شرفاء إلى حد ما. أما الآن، يتم بيع وشراء كل شيء، بما في ذلك التراخيص والتصاريح حتى أن النظرة إلى الأرض قد تغيرت

التفاوتات الاقتصادية والجنسانية

3

لا يزال البطيخ غريبًا عن منطقة زاكورة، ويجري استثماره من قبل مستثمرين زراعيين يبحثون عن الربح غير المحدود مع إلحاق الضرر بالبيئة.

يؤكد هذه الملاحظات العربي الحافظي، أحد أبناء منطقة زاكورة وعضو سكرتارية جمعية “أطاك المغرب”: “لا يزال البطيخ غريبًا عن منطقة زاكورة، ويجري استثماره من قبل مستثمرين زراعيين يبحثون عن الربح غير المحدود مع إلحاق الضرر بالبيئة.” تتماشى ملاحظة هذا الناشط مع ملاحظة العلماء الدوليين الذين عملوا في المنطقة. يقول الأستاذ الجامعي محمد الطاهر الصرايري، وهو محاضر جامعي: “أظهرت دراسة حديثة قامت بها جيمي فيكو، وهي عالمة أنثروبولوجية أمريكية، أن هذه الزراعة شوهت جميع جوانب الواحات.” 

المقال العلمي الذي أنجزته منشور في مجلة دراسات شمال أفريقيا بعنوان “حدود الثروة: تعبئة الأرض والماء والهوية الجماعية لإنتاج البطيخ في جنوب شرق المغرب.” وخلصت الكاتبة إلى أنه: “[…] بدلاً من المساهمة في التنمية الشاملة للمنطقة، أدى إنتاج البطيخ إلى تعميق الفوارق الاقتصادية والجنسانية داخل المجتمع المحلي من خلال منح امتيازات لمجموعة صغيرة من المزارعين الذين لديهم إمكانية الوصول إلى رأس المال. وعلى الرغم من أن السلطات فرضت قيودًا على إنتاج البطيخ في عام 2023، إلا أن كبار المستثمرين نقلوا الإنتاج ببساطة، تاركين صغار المزارعين يواجهون سوقًا متقلبة في الوقت الذي يحاولون فيه الحفاظ على الأرض والمياه والهوية الجماعية للمنطقة.” 

النتيجة الثالثة هي التحول من الزراعة المحلية إلى العمل الزراعي غير المستقر. “لقد ظهرت هذه الهشاشة الجديدة بسبب البطيخ، فقد أصبح الفلاحون قوة عاملة موسمية، حيث تعمل النساء على وجه الخصوص مقابل 50 درهمًا في اليوم. وقد يفقد بعضهنّ حياتهنّ في حوادث السير، مثل تلك التي نشهدها منذ سنوات في شتوكة آيت باها في منطقة سوس.”  

ويخلص البلغيتي إلى الدعوة إلى مزيد من البحث والتحقيق: “إن الأفوكادو و البطيخ هما نتاج عطش بيئي وأيضًا اجتماعي وسياسي وثقافي، ولهذا السبب يجب متابعة العمل الصحفي والبحث العلمي حول هذه الظاهرة

مقالات أخرى
  • “جيران الفوسفاط”…كارثة بيئية وفلاحية

    يوم 12 ماي وقع تسرب من أحواض مياه غسل الفوسفاط بإقليمي خريبكة والفقيه بن صالح. مئات الهكتارات تضررت بسبب السيول الكيميائية والمحملة بالمواد السامة.

    Screenshot 2026 05 20 at 00.22.34

    في الميدان

    19 مايو، 2026
  • كيف نصل لسياسة تصنيعية عمومية وسيادية تكون ركيزة التحول الأخضر ؟

    في دراسة مشتركة بين ATTAC المغرب وTNI، يتم تقديم عناصر لسياسة تصنيعية عمومية تكون ركيزة التحول الأخضر، ولا تتحمّل المجتمعات المحلّية والشغّيلة كلفته، وتكون تحت رقابة مواطنية (عُمّالية وشعبية)، مموَّلة بآليات لا تزيد تبعية البلد للمراكز الإمبريالية (قديمها وحديثها). الجزء الأخير من الملخص للتنفيذي للدراسة من انجاز علي أموزاي.

    Screenshot 2026 04 24 at 00.16.23

    أفكار الناس

    23 أبريل، 2026
  • الانتقال الأخضر في المغرب: بين الخطاب الرسمي و واقع التبعية

    في دراسة مشتركة بين ATTAC المغرب وTNI، يُقدَّم منظور نقدي جذري للسياسات الصناعية في المغرب و يرفض التصنيعَ المرتبط بالتبعية للمراكز الرأسمالية، ويدعو إلى سياسات سيادية وعادلة وخضراء فعلاً، تضع الطاقة والغذاء والتشغيل والمال في يد المجتمع لا السوق. الجزء الثاني من الملخص التنفيذي للدراسة: "التصنيع الأخضر بالمغرب: مطامح كبيرة وعوائق أعظم". من انجاز علي…

    88045158

    أفكار الناس

    22 أبريل، 2026