بين القانون و الفقه : ما مصير ضحايا الاغتصاب الزوجي ؟

حينما تصبح اللحظة التي من المفروض أن تكون متعة و اتحاد الزوجين في نفسٍ واحدة مفعمة بالودّ وطواعيةً ، لحظة إيذاء و سيطرة ، يصبح الفراش مسرحا لجُرم يُرتكب في حق جسد الكثيرات من النساء اللاّواتي يتألمن في صمت تحت أضواء خافتة و أسقف لا تدركها عين المجتمع ، خوفا من ثقافة (الحْشومة و العار…
ينشر هذا المقال في إطار سلسة “قصص من أجل المساواة” الذي أنجزتها دار النشر المغربية “أُنْ توت ليتر” بتعاون مع المعهد الفرنسي بالمغرب. ويتكون البرنامج من حصص تدريبية من شباب وشابات حول مواضيع النوع الاجتماعي والمساواة. بالإضافة لتجارب ميدانية حول الكتابة الصحفية.
المقالات المنشورة بالتعاون مع منصة ” الناس هي ثمرة هذا البرنامج الفريد من نوعه في المغرب.
| بقلم اميمة التهامي : طالبة قانونية في سلك ماستر جامعة عبد المالك السعدي بجامعة عبد المالك السعدي طنجة / تخصص: الدراسات العقارية والتوثيق الرقمي. مشاركة في مدرسة التفكير النقدي. وسيطة عقارية
زينب امرأة متزوجة تبلغ من العمر53 سنة ، وأم لثمانية أبناء ، و إلى الآن تعاني جرح الزواج التقليدي و إن هي مستمرة في خوض دور الزوجة بضرورة التقاليد و الأعراف التي تجرّم الطلاق ، و تحرّم صوت المرأة من طلب حقها ، ليصبح طلب الرجل للواجب في المقابل طاعة لا قيود لها . هكذا وجدَت نفسها في مأزق بين طلب النفقة كونها حق شرعي على الأبناء ، و رفض أن يكون جسدها هو الوسيلة للحصول على ذلك كونه حُرمة مقدسة و ليست وسيلة جنس .
عِشرة مضروبة في صفر
تحت سفوح التضاريس الجبلية الشّونية بقبائل غمارة المهمّشة و المنسية حيث تدفن حقوق النساء باسم الطاعة ، تفتح زينب عينيها على سلطة أبيها ، و من ثم تغمضهن في سن 16 سنة حزناً و نكراناً للواقع حينما نطقت “بنعم ” تحت وطء التهديد بالسخط ، بينما الزغاريد تتوالى خارجاً فرحاً قبولا لها على زواج من ابن عمها ، و دفنت منذ ذاك الكثير من أحلامها بفستان أبيض الذي تحول في مخيلاتها إلى كفَن ؛ “ألبسوني الكفن في ليلة زواجي “.
“لم تكن على استعداد لما ستكونه بعد زواجها ، لكنها كانت المرأة الحادكَة _ الزوجة المصونة الجميلة التي توقظ الرغبة ، الأم المتفانية ، كانت تماما صورة متشكلة على مقاس العادات و التقاليد و الدين ، لا عيب فيها سوى أنها أرادت أن تتحرر من قبضة الطاعة في أيام بلغ فيه الصّبر منتهاه”
لم تكن على استعداد لما ستكونه بعد زواجها ، لكنها كانت المرأة الحادكَة _ الزوجة المصونة الجميلة التي توقظ الرغبة ، الأم المتفانية ، كانت تماما صورة متشكلة على مقاس العادات و التقاليد و الدين ، لا عيب فيها سوى أنها أرادت أن تتحرر من قبضة الطاعة في أيام بلغ فيه الصّبر منتهاه ، تقول بنبرة تثير الشفقة في أحد تصريحاتها : ” كنت أفعل كل ما يريد ، لكنه أدار عليّ ظهره بين ليلة و ضحاها و ضرب عِشرة سنين عرض الحائط حينما رفضتُ أن أظل خاضعة له في كل حين ، بينما هو لا يؤدي واجبه كزوج مُحترم يخاف الله . نتيجة ذلك أمسك يده عن النفقة دون اكتراث لمسؤوليته كأب على الأقل ، علاوة على كل هذا يرفض أن يمنحني حقي من ثمن بيع المحصول الموسمي من زراعة الكيف، الذي أجاهد نفسي فيه و أنا حامل لأسانده في ذلك ، و ينكسر ظهري في حمل الحطب لتربية المواشي وكل هذه الأشغال لا تعفيني من كوني ربت بيت .
“تقول بجرأة كان يعاشرني رغما عني و إن كنت حائضا و يبتزني نفسيا لفعل ذلك و إلا يتزوج ب امرأة أخرى و الطرد من بيت الزوجية ، و لا يعي بمدى مسؤلية ذلك إن نتج عن العلاقة حملا أم لا، ، في جميع الحالات هو لا يكترث لتربية الأبناء وامتنع كثيرا عن تسجليهن في الحالة المدنية”
إن النفقة في القانون المغربي هي واجب شرعي و قانوني يتحمله الزوج تجاه زوجته و أولاده ، و تشمل كل ما يلزم لضمان العيش الكريم، أي هي التزام مالي يتحمله الزوج في إطار علاقة زواج أساسها ميثاق غليظ و لا يحق للزوج الامتناع عن النفقة و لم يذكر القانون صراحة أسباب سقوطها، غير أنه تكفل الفقه بالحديث عن ذلك و منها إذا كانت الزوجة “ناشزا” طبقا لما جاء في الصحيحين البخاري و مسلم في باب النّكاح ؛ عن أبي هريرة، قال: قال النبيُّ ﷺ: «إذا باتتِ المرأةُ مهاجرةً فراش زوجها لعنتْها الملائكةُ حتى ترجع». و في لفظ مسلم: «حتى تصبح».لم تخجل زينب على قول الحقيقة، تقول بجرأة كان يعاشرني رغما عني و إن كنت حائضا و يبتزني نفسيا لفعل ذلك و إلا يتزوج ب امرأة أخرى و الطرد من بيت الزوجية ، و لا يعي بمدى مسؤلية ذلك إن نتج عن العلاقة حملا أم لا ، ، في جميع الحالات هو لا يكترث لتربية الأبناء وامتنع كثيرا عن تسجليهن في الحالة المدنية ، و لا أنكر أنه رغم ذلك كنت أرضيه جنسيا من أجل إرضاء الله تعالى وفي نفس الوقت تحقيق راحة مادية وهمية من أجل مصلحة أبنائي، إذ أستطيع مصاحبته للسوق و اختيار ما أشاء من الأغراض الضرورية لنا و للبيت ،غير أن ذلك لم يستمر لوقت طويل حيث أصرّيتُ على التخلص من مأزق النفقة و الابتزاز النفسي هذا حيث ذهب عمري و صحتي سدى ، فقررت الهروب إلى مدينة طنجة أنا و أبنائي و قد فعلت .
الاغتصاب الزوجي بين عمق الواقع و الهامش
“لا توجد إحصائيات دقيقة بخصوص الاغتصاب الزوجي و إن كانت زينب واحدة من الكثير من الحالات التي اعترفت بهذا النوع من الاعتداء و الابتزاز و إن كان تحت مسمّى آخر..”
لا توجد إحصائيات دقيقة بخصوص الاغتصاب الزوجي و إن كانت زينب واحدة من الكثير من الحالات التي اعترفت بهذا النوع من الاعتداء و الابتزاز و إن كان تحت مسمّى آخر على أمل أن يعترف بها المجتمع ، لكن هناك إحصائيات التي تعترف بالعنف الزوجي الذي تتعرض له المرأة كمفهوم عام ، و نستحضر في هذا الاطار التقرير السنوي حول العنف ضد النساء لسنة 2024 من الفترة الممتدة من 10 يوليو 2023 إلى يونيو 2024 على صعيد ثمانية مدن بالمغرب ، تحت إشراف شبكة نساء متضامنات و فدرالية رابطة حقوق النساء FLDF ” حيث توجد 57 % من النساء اللواتي تعرضن للعنف على يد أزواجهن . ”
و في أطار البحث الذي أجريته داخل المحكمة الابتدائية بطنجة / قسم قضاء الأسرة في التحري وراء أي أحكام قضائية حول هذا الموضوع الذي كان بمثابة نقطة ضوء حمراء أمام الموظفين و موضوع حساسية و بعد زيارة عدة مكاتب دون تفاعل ، منها مكتب تنفيذ الأحكام الخاص بالنفقة ، فإنه لا يوجد أي ملف يتعلق بدعوى امتناع الزوج عن النفقة باعتبارها وسيلة ابتزاز لمعاشرة الزوجة و إن كرهت، حيث يستخدم في أغلب الحالات العنف ضد الزوجة ، غير أن إعادة تأكيدي على عبارة “الاغتصاب الزوجي ” باعتباره جريمة موجودة في واقع زينب و مثيلاتها من النساء في المجتمع كان يبعدني أكثر على الوصول إلى حالة استمع إليها القانون بحكمة و عقلانية .
و قد استمعت لتصريح آخر لموظف أخبرني أنه ” اشتغل أربع سنين في قضايا العنف ضد المرأة ولا ملف واحد اشتغل عليه يتضمن هذه الجريمة ” أي الاغتصاب الزوجي بالتحديد .
و في تصريح آخر أفاد به موظف :” لقد تلقيتُ ملفا حول قضية (الاغتصاب الزوجي ) والنفقة وقد أحيل على محكمة الاستئناف باعتباره جناية ، ثم تم الحكم استئنافيا بعدم الاختصاص و تحويله إلى جنحة و إعادة إحالته على المحكمة الابتدائية و قد حُكم الزوج بالبراءة و ظلت جنحة النفقة قائمة و الملف الان في جلسة تأمل”.
جرأة مُغتصبة في مقابل ” حكم يُندى له الجبين“
بينما زينب وجدت في الهروب إلى طنجة نجدةً لما تبقى منها من نفس ثكلى و جسد متهالك ، تجد (ك .ن ) نفسها تضع نزيف عذريتها في ملفات قضائية و شهادات طبية .
بتاريخ 30/06/2018 انتقلت الضابطة القضائية فرقة الشرطة القضائية بالعرائش إلى مستشفى المدينة حيث صرحت الضحية أنه تم نقلها على متن سيارة الإسعاف الى المستشفى و هي تنزف دما من فرجها …
“و قام بوطئها غصبا عن إرادتها حيث أدخل ذكره بعنف ووحشية في فرجها رغم توسلها إليه للكف عن ذلك ، و تمكن من افتضاض بكراتها بشكل غير طبيعي و تركها تنزف دما ثم تم نقلها للمستعجلات و أدلت بشواهد طبية تفيد تعرضها لعنف جنسي”
قبل حدوث المأساة بيوم ، رحبت الضحية بزيارة زوجها لها بمفردها في بيت والديها رغما من الخلاف الدائم بينهما ، إلا أن ذلك انتهى بكارثة في حق كرامتها الإنسانية ، بعد نقاش حاد دار بينهما حول هذه الخلافات ، خصوصا أنها قررت فسخ الارتباط الذي دام حوالي سنة ، كونها لم يكن مرغوب فيها من قبل عائلته ، الأمر الذي جعله يفقد صوابه و شرع في الصراخ في وجهها و اقترب منها و هددها بالقتل و قتل نفسه أيضا في حال تركته ، و أخذ يقترب منها شيئا فشئيا حتى أسقطها أرضا حينما لم يعد لها قوى لتوقفه عن ارتكاب جرمه ، و قام بوطئها غصبا عن إرادتها حيث أدخل ذكره بعنف ووحشية في فرجها رغم توسلها إليه للكف عن ذلك ، و تمكن من افتضاض بكراتها بشكل غير طبيعي و تركها تنزف دما ثم تم نقلها للمستعجلات و أدلت بشواهد طبية تفيد تعرضها لعنف جنسي .
و في المقابل قد أكد المشتكى به لدى ضابطة الشرطة القضائية في تصريح له أن المشتكية زوجته على سنة الله و رسوله لولا ضائقة مادية حالت دون إقامة حفل الزفاف ، و بأنه سبق لهما أن مارسا علاقة جنسية برضاها بشكل سطحي ، و أنه يوم الحادث لم يضبط نفسه و أدخل ذكره في فرجها و لم يكن مستوعبا أنها تنزف دما ، ثم أنه غادر البيت بعد ذلك بطلبها .
و بمتابعة الدعوى و استنادا إلى الوقائع المذكورة في الملف الجنائي حول موضوع الاغتصاب الزوجي الذي صدر عنه قرار رقم 232 عن غرفة الجنايات الاستئنافية بطنجة بتاريخ 04/09/2019. و الذي يعتبر سابقة في تاريخ القضاء المغربي ، حيث أصدرت محكمة الاستئناف بطنجة حكما قضي بشكل صريح بتجريم الاغتصاب الزوجي ، و ألغت حكما ابتدائيا سابقا كان قد كيف فعل الاغتصاب الزوجي على الايذاء العمدي في حق الزوجة و هذا ما كان باعتباره علامة مضيئة تم تناولها في مشروع حقوق المرأة الإنسانية _علامات مضيئة في أحكام القضاء العربي الدراسة التحليلية لعينات من الأحكام القضائية المختارة الصادرة عن محاكم المغرب ، في الفترة الممتدة ما بين سنة 2010 إلى غاية سنة 2020 .
و قرار المحكمة هذا ا يضع حدا لاجتهاد قضائي متواتر يقضي بعدم تجريم الاغتصاب الزوجي من منطق قراءة تأويلية للنص المجرم للاغتصاب ، كانت تستثنى العلاقة الزوجية من إمكانية تطبيق هذا النص ، استنادا إلى الاعتقاد بكون عقد الزواج يجعل الزوجة في حالة رضى مفترض بخصوص أي علاقة جنسية مع زوجها ،
إلا أنه هذا القرار تم إحباطه من طرف محكمة النقض بطنجة ، حيث قضت بإحالة القضية على محكمة الاستئناف بنفس المدينة ، التي كانت قد حكمت على المشتكى به بالسجن عامين ، و دفع غرامة مالية و تعويض للضحية .
وفي هذا الإطار قالت سميرة موحيا ، رئيسة فيدرالية رابطة حقوق النساء لموقع هسبريس _انتقاد لإلغاء حكم بالاغتصاب الزوجي ، إن ” الحكم الذي صدر تزامنا مع اليوم الوطني للمرأة المغربية يندى له الجبين. “
وأبرزت أن حكم محكمة النقض “ينتصر للفقه والرؤية النكوصية أو الدونية فيما يتعلق بالنساء وحتى بالمنظور الفقهي للأسرة، إذ يتم اعتبار النساء في مرتبة ثانية بعد الرجال”، مشيرة إلى أن : ” هذا الحكم يكرس التطبيق الظالم للقانون”.
و هكذا يقفل ملف الضحية (ك.ن )على انتصار الثقافة الاجتماعية الحاضرة بقوة حتى في القضاء ، ويترك ملف زينب في نفس القضية مفتوحا على مصراعيه ، يُروى قصة إنسانية على الأوراق .
“و في جميع الحالات قد مزقت بكارات على الشراشيف لكن القانون غض عنها النظر بشكل او بآخر حينما تحفّظ عن وضع مفهوم واضح لهذه الجريمة ؛ الاغتصاب الزوجي”
و في جميع الحالات قد مزقت بكارات على الشراشيف لكن القانون غض عنها النظر بشكل او بآخر حينما تحفّظ عن وضع مفهوم واضح لهذه الجريمة ؛ الاغتصاب الزوجي ، بحيث أنه انطلاقا من مجموعة القانون الجنائي المغربي في الفصل 486 يعرف “الاغتصاب ” بأنه: “مواقعة رجل لامرأة بدون رضاها” . على اعتبار أن مفهوم الاغتصاب في هذا النص لم يستبعد الزوجين من التطبيق و إن كان لا ينص على ذلك صراحة ، في حين أن في الواقع العملي للقضاء يظل تجريم الاغتصاب الزوجي في المغرب متوقفا على الاجتهاد القضائي ، و لم يتم حسم هذا الاختلاف أيضا في قانون 103.13 المتعلق بمناهضة العنف ضد النساء الصادر سنة 2018 الذي استخدم فيه المشرع في المادة الأولى منه : …”العنف الجنسي باعتباره”: كل قول أو فعل أو استغلال من شأنه المساس بحرمة جسد المرأة لأغراض جنسية أو تجارية، أيا كانت الوسيلة المستعملة في ذلك”. حيث لم يحدد بدوره مفهوم جريمة الاغتصاب الزوجي بدقة ، و عليه الأمر الذي ترك فراغا في التطبيق عند وقوع الجريمة ، بين الفقه الذي فيه تضارب الآراء و أغلبها لا تعترف بهذه الجريمة في إطار عقد النكاح و القانون الذي كان غير واضحا في تأسيس المفهوم و يعود إلى الاجتهاد القضائي و حتى ثقافة المجتمع التي تخجل من وضع هذه الجريمة على عاتق الزوج باعتباره حقه المشروع ، حتى يؤخذ في نهاية المطاف بما من شأنه الحفاظ على العلاقة الزوجية و لو على حساب كرامة المرأة .









