عمال بلا حقوق.. واقع تشغيل المهاجرين-ات بالمغرب

WhatsApp Image 2026 07 07 at 11.11.10 (4)

في قلب العاصمة الرباط، حيث تتقاطع أصوات الحافلات بضجيج الحياة الإدارية والسياسية، تبدأ “ماري” (اسم مستعار) رحلتها اليومية في السابعة صباحا. داخل مطبخ أحد المطاعم، تنزوي الشابة القادمة من دولة ساحل العاج خلف “كومة من الأواني المتراكمة”.

*تقرير معمق من إنجاز: محمد الخبري/ محمد فارس

وسط بخار الماء الساخن ورائحة المنظفات النفاذة، تقضي ماري ثماني ساعات من العمل، مساهمة بجهدها العضلي في دوران عجلة الخدمات بالعاصمة، لكنها تظل بالنسبة للنظام الوظيفي “مجرد شبح” لا أوراق له ولا حقوق.

“ماري”.. “شبح” المطبخ 


“أغسل الأواني، وأنظف الأرضيات”، تقول ماري مضيفة: “أعمل من السابعة صباحا حتى الثالثة بعد الزوال، أبذل مجهودا يضاهي -بل يفوق أحيانا- ما يبذله زملاء لي، لكن الفارق يظهر في نهاية الشهر؛ 2800 درهم فقط، ودون عقد عمل”. 

هذا الراتب، الذي يقل عن الحد الأدنى القانوني للأجور، ليس مجرد رقم، بل هو سقف لطموحاتها؛ إذ تعتمد 26.8% من أسر المهاجرين واللاجئين على هذه “الأعمال المؤقتة” كمصدر رئيسي للدخل بمتوسط لا يتجاوز 3155 درهما شهريا، وفقا لبيانات المندوبية السامية للتخطيط، وهو ما يفسر عجز ماري عن تلبية أبسط الاحتياجات، حيث تعترف بمرارة: “الوضعية تؤثر على ابنتي، لأنه يحدث أحيانا ألا أستطيع حتى توفير الحليب لها بهذا الراتب”.

أرقام صادمة.. واقع هش 

المفارقة في قصة ماري تكمن في الوعود المؤجلة؛ فربُّ العمل يعد بالوثائق، والأيام تمضي دون جديد، وهو ما يعكس هوة واسعة تؤكدها الأرقام الرسمية؛ إذ لا يتوفر سوى 56% من المهاجرين على بطاقة إقامة صالحة، بينما يمثل غياب “عقد العمل” عائقا بنيويا أمام 28.7% منهم لتسوية وضعيتهم الإدارية. 

هذا الارتباك القانوني يترجم مباشرة إلى هشاشة في سوق الشغل، حيث يعمل 87.3% من الأجراء في هذه الفئة دون عقود رسمية حسب تقرير المندوبية الصادر سنة 2022، مما يضع ماري وأقرانها خارج مظلة الحماية، ويحول المرض من عارض صحي إلى “أزمة مالية” قاصمة، ففي ظل غياب التغطية الصحية التي يفتقر إليها 94.5% من المهاجرين، يصبح الولوج للعلاج عبئا يستنزف الرواتب الهزيلة.

خارج أسوار المطبخ، تصطدم ماري بجدران من نوع آخر؛ فالمعاناة هنا لا لغة لها والوثيقة هي “صك الأمان” المفقود. تروي بمرارة حادثة إصابة أخيها التي توقفت فيها رحلة العلاج عند حاجز التواصل، حيث تصف لحظة العجز تلك قائلة: “طردونا من الشرطة فقط لأننا لا نتحدث العربية، رغم أنه كان ينزف”. 

ومع تعذر الحصول على بطاقة الإقامة، يتحول يوم ماري إلى ارتياب دائم من الحملات التفتيشية، لتجد نفسها محاصرة بين صمت إجباري وتهميش قانوني يجعل الاستقرار شبحا بعيد المنال.

هذا الشعور بالإقصاء دفعها لوصف وضع المهاجرين في سوق الشغل بكلمات قاسية تعكس عمق الجرح الإنساني: “لا أرى أي أمل في أن يتغير الوضع، لأنك لا تستطيع العيش في بلد لا ينظر إليك كبشر، بل ينظر إليك كأنك حيوان.. كحيوان. لماذا يحصل المغاربة على عقود ووثائق، بينما نحن الذين نقوم بأعمال أكثر منهم لا نحصل على شيء؟”. 

أرقام المندوبية السامية للتخطيط تشير إلى انخراط واضح للاجئين في النسيج الإنتاجي الوطني، لاسيما في قطاع الخدمات الذي يستقطب 28% منهم، يليه قطاع الفلاحة بنسبة 25.1%، ثم التجارة والبناء، ورغم أن 42.8% منهم يُصنفون كنشيطين مشتغلين، إلا أن طبيعة هذا العمل تتسم بعدم الاستقرار؛ إذ تعتمد 26.8% من الأسر اللاجئة على “الأعمال المؤقتة” كمصدر رئيسي للدخل.

أمام هذا الأفق المسدود، لم تعد ماري ترى في الرباط مكانا للاستقرار، بل محطة أرهقتها تبعاتها النفسية والمادية، مختتمة حديثها برؤية قاتمة للمستقبل: “نحن مضطرون للعمل من أجل العيش، وإذا لم نعمل فلن نستطيع الأكل.. لكنني لا أرى أي أمل، والبيئة هنا لم تعد مغرية للاستقرار”. 

بنية “خفض الكلفة”

وفي قراءة تحليلية لهذه الأرقام، يرى الخبير الاقتصادي، بدر زاهر الأزرق، أن المفارقة بين مساهمة المهاجرين وهشاشة أوضاعهم ليست مجرد “صدفة” عابرة، بل هي انعكاس لبنية نمط إنتاجي يعتمد على خفض الكلفة بأي ثمن.

ويؤكد الأزرق في تصريح له أن أرقام الهشاشة (87% بدون عقود) تكشف طبيعة الطلب في سوق الشغل المغربي، خاصة في قطاعات الفلاحة والبناء والخدمات التي تقوم على “المرونة المفرطة”. ويضيف: “المهاجر هنا لا يمثل فقط عاملا إضافيا، بل يمثل يدا عاملة أكثر قابلية للهشاشة، وهو ما ينسجم مع منطق اقتصادي يعتمد على ميزة تنافسية قائمة على انخفاض كلفة العمل بدل رفع الإنتاجية”.

واعتبر الخبير الاقتصادي، أن وجود هذه اليد العاملة المرنة يسهل استمرار المقاولات خارج الإطار القانوني، مما يخلق حلقة تغذية ذاتية للاقتصاد غير الرسمي. وينبه إلى أن النتيجة هي “خسارة متعددة الأبعاد”، تبدأ بتدني الإنتاجية لغياب التكوين، وتمر بخسارة الدولة لموارد ضريبية واشتراكات اجتماعية، وصولا إلى خلق “تنافس غير عادل” يشوه قواعد السوق بين المقاولات التي تحترم القانون وتلك التي تستفيد من انخفاض كلفة العمل غير المهيكل.

ورغم ضعف الدخل (متوسط 3155 درهم)، يشدد الأزرق على القيمة الهيكلية لهذه الفئة، فهم يلعبون دور “صمام أمان” يسد الفجوات الناتجة عن عزوف اليد العاملة المحلية في أنشطة شاقة، مشيرا إلى أن مساهمتهم تظهر بشكل غير مباشر في “استقرار الأسعار، واستمرار الإنتاج في قطاعات حيوية، وتفادي ارتفاع كلفة الخدمات”. فالمساهمة هنا ليست هامشية، بل ضرورية للحفاظ على توازن سلاسل الإنتاج.

وخلص بدر زاهر الأزرق، إلى أن عدم الإدماج الكامل يخلق “خسارة مزدوجة” للدولة والاقتصاد؛ فبجانب فقدان الموارد المالية، يحبس الاقتصاد في نموذج منخفض القيمة المضافة، ويرى أن الإدماج الرسمي -عبر العقود والحماية الاجتماعية- سيحقق ثلاثة مكاسب: “توسيع الوعاء الجبائي، رفع الإنتاجية عبر التأهيل، وتحسين مناخ المنافسة”.

ويختم الأزرق تحليله بتساؤل جوهري يضع الأصبع على الداء: “ربما السؤال الحقيقي ليس لماذا يعيش المهاجر في الهشاشة؟ بل لماذا يحتاج جزء من الاقتصاد إلى هذه الهشاشة ليستمر؟ هنا يكمن جوهر الإشكال”.

جغرافيا الإقصاء 

بحث ميداني حديث، أنجزه مركز الهجرة المختلطة بالتعاون مع جمعية الهجرة الدولية، كشف عن واقع معقد يواجه المهاجرين الشباب (18-24 سنة) في المغرب، التقرير الذي استند إلى عينة من 369 مهاجرا، يرسم صورة قاتمة للعقبات التي تحول دون اندماج هذه الفئة، حيث يظل “الاقتصاد الهش” هو الملاذ الوحيد للاستمرار.

وأظهرت النتائج أن 59% من الشباب المستجوبين لديهم مصدر دخل، لكن هذا الرقم يخفي تفاوتا حادا تفرضه الجغرافيا، فبينما تقفز نسبة التشغيل في الدار البيضاء إلى 85% باعتبارها قطبا اقتصاديا، تنهار في وجدة لتصل إلى 13% فقط، وهو ما يعزوه التقرير إلى طبيعة وجدة كـ “مدينة عبور” يغيب فيها الاستقرار المهني لصالح هاجس الرحيل.

وحسب المصدر نفسه فإن المهن الشاقة وغير النظامية تهيمن على خيارات الشباب المهاجر، حيث يعتمد 82% منهم على العمل العرضي أو المؤقت، ويتصدر قطاع البناء قائمة المشغلين بنسبة 45%، تليه المقاولات الصغرى والمطاعم بنسبة 31%، ثم العمل المنزلي بـ 15%، وهو ما يكرس واقعا منخفض القيمة المضافة، حيث تغيب العقود الرسمية وتتلاشى الحماية الاجتماعية مقابل أجور زهيدة.

وأمام انغلاق أبواب العمل النظامي، يبرز “التسول” كإحدى آليات الصمود؛ إذ تلجأ إليه نسبة 22% من المهاجرين غير النظاميين لسد الرمق وتغطية النفقات الأساسية، وتنخفض هذه النسبة إلى 16% عند دمج اللاجئين وطالبي اللجوء، مما يشير إلى أن الوضع القانوني هو الفاصل الحاسم بين الولوج للشغل أو اللجوء للشارع.

ويرى التقرير أن العجز عن العثور على وظيفة لا يعود فقط لنقص الفرص، بل لغياب “تصاريح العمل” وضعف الوصول للمعلومات، ويضاف إلى ذلك تدني المستوى التعليمي؛ حيث أن 17% لم يتلقوا تعليما قط، و2% فقط هم خريجو جامعات، هذا الواقع يجعل من التكوين المهني، وتعلم اللغات، والمهارات الرقمية ضرورة ملحة لتحويل هذه الفئة من عبء “الاحتياج” إلى قوة “إنتاج”. 

صمام أمان اقتصادي


الباحث في الاقتصاد السياسي، فاروق النوري، قدم بدوره قراءة بنيوية لمفارقة مساهمة المهاجرين مقابل هشاشة أوضاعهم، معتبرا أن الأمر ليس تناقضا بل هو “آلية اشتغال معروفة” في الاقتصاديات التي تعتمد على سوق عمل مقسم. 

وأوضح النوري في تصريح له أن الاقتصاد لا يستوعب العمال بالطريقة نفسها؛ فالمهاجرون يدفعون نحو “القطاع الثاني” الأكثر مرونة والأقل حماية، معتبرا أن وجودهم في قطاعات كالخدمات والتجارة والبناء ليس هامشيا، بل هو في صلب بنية إنتاجية تطلب العمل في المواقع التي تكون فيها “القدرة التفاوضية للعامل أضعف، وإمكانات الالتفاف على القانون أكبر”، فالهشاشة هنا لا تنفي المساهمة، بل تكشف الشكل الذي تطلبه هذه البنية الإنتاجية لخفض التكلفة الاجتماعية.

المتحدث رفض الفهم الشائع بأن المهاجرين هم من يصنعون الاقتصاد غير الرسمي، مؤكدا أنه سابق عليهم، لكن هشاشتهم تجعلهم أكثر قابلية للامتصاص داخله، ويشرح الأثر السلبي لهذا النمط قائلا: “المقاولة التي تعتمد على عمل غير مصرح به لا تستثمر في التكوين أو الاستقرار المهني، مما يرسخ نمطاً هشاً من التنافسية يعتمد على ضغط الكلفة الاجتماعية بدل رفع الإنتاجية والصعود في سلاسل القيمة”.

ونبه الباحث إلى ضرورة التمييز بين انخفاض الأجر والقيمة الاقتصادية الحقيقية؛ فالمهاجر يضمن استمرارية خدمات وسد خصاص في مهن قد تعزف عنها العمالة المحلية، مقترحا تقييم قيمتهم من خلال “الكلفة المضادة للغياب”، أي: “ما مقدار النشاط الذي يتعذر تشغيله أو يختل تنظيمه في حال اختفاء هذه اليد العاملة؟”.

ووصف النوري الوضع الحالي بـ “الخسارة المزدوجة”؛ حيث تضيع على الدولة اشتراكات اجتماعية (في ظل ضغط أنظمة التقاعد) ومداخيل جبائية، فضلا عن ضياع فرص رفع الإنتاجية، ويخلص إلى أن الإدماج الرسمي ليس مجرد خيار أخلاقي، بل هو “عقلانية اقتصادية” ستحقق أربعة مكاسب: توسيع قاعدة الاشتراكات، تحسين المطابقة بين المهارات والوظائف، رفع جودة المنافسة، وتجويد السياسات العمومية بناء على رصد إحصائي دقيق.

جدار الحقوق الغائب

هذه الهشاشة البنيوية التي تحكم القطاعات غير المهيكلة، لا تتوقف عند حدود الأرقام، بل تمتد لتطال الجانب الحقوقي والقانوني. وفي هذا الصدد، يضع الصحفي المختص في قضايا الهجرة، صلاح الدين لمعيزي، الأصبع على الجرح، معتبرا أن وضعية العمال الأجانب ما هي إلا “انعكاس مكثف” لهشاشة القطاع الخاص المغربي ككل.

ويرى لمعيزي أن سوق الشغل المغربي “سوق مغلق” عملياً أمام الأجانب بسبب الأولوية القانونية للعمال الوطنيين. ويؤكد أن مساطر الترخيص بالتوظيف، التي تمر حتما عبر الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، تجعل ولوج الأجنبي عملية طويلة ومعقدة. 

ويضيف: “هذا الوضع يخلق نوعا من عدم التناسق بين الالتزامات الدولية للمغرب وبين الممارسة الوطنية، فربط بطاقة الإقامة بعقد عمل رسمي خاص بالأجانب يجعل العامل رهينا بإجراءات إدارية متسلسلة قد تطول وتعيق استقراره المهني”.

وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، سجلت في تقرير لها حول وضعية سوق الشغل بالمغرب لسنة 2022، منح ما مجموعه 6.011 عقد عمل مؤشر عليه لفائدة الأجراء الأجانب، بارتفاع يناهز 10% مقارنة بسنة 2021. وتشير المعطيات إلى أن النساء يمثلن حوالي ثلث هؤلاء الأجراء، فيما تبلغ نسبة من تقل أعمارهم عن 40 سنة نحو 56,8% من إجمالي المستفيدين.

وحسب خصائص هذه العقود، فإن 52,1% منها تهم أول توظيف، مقابل 36,9% تخص تجديد العقود، بينما تمثل حالات تغيير المشغل حوالي 8,7%. كما أن 35,4% من هذه العقود هي عقود غير محددة المدة. وعلى المستوى الجغرافي، تم التأشير على نحو 50% من هذه العقود بجهة الدار البيضاء-سطات، تليها جهة الرباط-سلا-القنيطرة بنسبة 22,6%، ثم جهة مراكش-آسفي بنسبة 9,5%.

أما من حيث الجنسيات، فقد تصدر الفرنسيون قائمة العمال الأجانب الذين تم التأشير على عقودهم بنسبة 21% من الإجمالي، يليهم الصينيون بنسبة 8,6%، ثم الفلبينيون بنسبة 4,3%، وذلك وفق المصدر.

هذا الوضع اعتبره لمعيزي “ازدواجية” في التعامل؛ فبينما تحظى الكفاءات الأوروبية في الشركات متعددة الجنسيات بمرونة تنظيرية، يواجه العامل الأجنبي العادي ظروفا غير مستقرة في قطاعات الفلاحة والمطاعم ومراكز النداء، حيث يشتغل الكثيرون ضمن شروط تفتقر لأدنى معايير الأمان الوظيفي.

كما أن “تفتيش الشغل” والمراقبة الميدانية حسب المتحدث ما زالا دون المستوى المطلوب، خاصة في الأوراش التي تغيب فيها شروط السلامة، مبرزا نقطة حساسة تتعلق بـ “التنافس أو التوتر الصامت” بين الشباب المغاربة والعمال الأجانب، معتبرا أن بعض المقاولات قد تفضل الأجانب لتعويض عزوف جزء من الشباب المحلي عن وظائف معينة في قطاعات الخدمات والمطاعم.

واعتبر صلاح الدين لمعيزي أن غياب حركة نقابية قوية تدافع عن المهاجرين هو أحد أكبر العوائق، مستذكرا تجارب دولية (إيطاليا) انتزع فيها المهاجرون حقوقهم بالضغط الميداني، بينما في المغرب “تظل الجهود النقابية في بداياتها وبلا تأثير فعلي”. ويخلص إلى أن عدم توفر الوثائق القانونية يفتح الباب على مصراعيه أمام ما وصفه بـ “الاستغلال الممنهج”، حيث تضيع الحقوق الأساسية في غياب قوة ضغط قادرة على حماية هذه الفئة داخل الواقع العملي.

قصة أخرى ومعاناة مستمرة

 تأبط حقيبته باكرا وهو يمني النفس برزق أفضل اليوم.  يسير أحمد (اسم مستعار) القادم من إحدى الدول العربية بخطى مسرعة نحو وجهته، مثقلا بهموم الحياة وتكاليفها التي أضحت تنوء بها وضعيته الصعبة. بالأمس، كان يدرس بالجامعة ولديه ما يسد به حجاياته بفضل توفره على منحة دراسية ينعش بها اقتصاد البلد من العملة الصعبة .لكن الأحوال بدأت تسوء بعد انتهاء الدراسة و ولوجه سوق الشغل من بوابة المقاول الذاتي.

“المقاول الذاتي ليس عملا قارا و أعتبره عملا موسميا منقطعا” ، يقول أحمد بنبرة سخط تمتزج مع صوته ، مضيفا بأن المعضلة الأكبر بالنسبة للمقاول الذاتي تكمن في ارتباط الأجر بنظام الفواتير مما يجعل من الصعب ضمان مدخول مادي منتظم”. وبمرارة لا تفارق لسانه، يقر أحمد بأنه، في حال المرض، لا تكفي التغطية الصحية كمقاول ذاتي لتحمل تكاليف العلاج.

طبقا للقانون رقم 114-13، المقاول الذاتي نظام قانوني مبسط يسمح بممارسة نشاط تجاري أو حرفي أو خدماتي بدون تعقيدات الشركة التقليدية. يُدار هذا النظام من خلال السجل الوطني للمقاول الذاتي (RNAE). يؤدي المقاول ضريبة جزافية على المعاملات لكن أن له ذلك في حال تعذرت الفرص؟!

يبلغ عدد المهاجرين المقيمين بالمغرب من فئة التلاميذ والطلبة نسبة 17% حسب الإحصاء العام للسكان 2024 .أثناء دراسته بالجامعة ، لم يكن  حلم العودة لبلده  مطروحا إلى وقت قريب بسبب ويلات الحرب الأهلية. بيد أن أحمد يفكر في العودة بعدما تقطعت به السبل ،وأضحى الحصول على عمل قار صعب المنال. وما يزيد وضعيته تعقيدا الصعوبات المرتبطة بإقامته في المملكة بعد انتهاء الدراسة. 

الانتقال من محطة عبور إلى محل استقرار: ما التكلفة؟ 

الإحصائيات الحديثة تؤكد أن المغرب لم يعد يُنظر إليه فقط كبلد عبور في مسارات الهجرة، بل بات يتجه بشكل متزايد إلى لعب دور بلد استقرار وإقامة، في سياق التحولات التي تعرفها ديناميات الهجرة على المستويين الإقليمي والدولي.

وفي هذا الإطار، أفاد الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، المنجز من قبل المندوبية السامية للتخطيط، أن عدد المقيمين الأجانب بالمغرب بلغ 148.152 شخصا، أي ما يمثل حوالي 0,4 في المائة من مجموع السكان، حيث يقيم نحو 95 في المائة منهم في الوسط الحضري. كما تشير المعطيات إلى أن 80,1 في المائة من هؤلاء الأجانب تتراوح أعمارهم بين 15 و64 سنة، فيما صرح 53,3 في المائة بأن سبب قدومهم إلى المغرب يعود إلى العمل، في حين تمثل فئة الوافدين من إفريقيا جنوب الصحراء 59,9 في المائة من مجموع المقيمين الأجانب.

كما يبرز المصدر ذاته أن عدد الأجانب المقيمين بالمغرب سجل ارتفاعا بـ 64.151 شخصا مقارنة بإحصاء سنة 2014، أي بزيادة إجمالية بلغت 76,4 في المائة خلال الفترة الممتدة بين الإحصاءين 2014 و2024.

وحسب تقرير آخر صادر سنة 2025 عن المرصد الإفريقي للتنمية والتأهيل حول ديناميات الهجرة في القارة فالمغرب يعد ثاني بلد أفريقي –بعد جنوب أفريقيا – من حيث استقبال المهاجرين غير النظاميين، إذ كشف التقرير أن عدد المهاجرين غير النظاميين المقيمين حاليا بالمملكة يتجاوز 87 ألف شخص، من بينهم أزيد من 6 آلاف قاصر، في حين بلغ عدد طلبات اللجوء المسجلة رسميا خلال سنة 2023 أكثر من 12 ألف ملف.

وبالتالي، فإن العامل الأجنبي، من حيث المبدأ، يتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها العامل المغربي، سواء من حيث الأجر أو ظروف العمل أو الحماية القانونية في حالة الطرد التعسفي أو الاستفادة من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.  بيد أن هذه المقتضيات القانونية تقيد بمجموعة من الضوابط الواجب توفرها خصوصا بالنسبة لضرورة وجود عقد عمل قانوني بحيث تنص المادة 516 من مدونة الشغل على وجوب إبرام عقد عمل وفق شكليات محددة؛ في حال عدم التقيد بهذه الشكليات “فإن القانون المغربي لا يعترف بوجود العلاقة الشغيلة بالنسبة للعامل الأجنبي، على خلاف العامل المغربي الذي يمكنه إثبات العلاقة المهنية بوسائل متعددة، مثل التحويلات البنكية أو شهادة الشهود أو غيرها من وسائل الإثبات” حسب ما أفاد به المحامي بهيئة الرباط الأستاذ مهدي الودي.

ويضيف المحامي ذاته بأن الوضعية القانونية هي العامل المحدد لمدى تمتعه بالحماية من عدمها ؛ لأن القانون المغربي يعترف فقط بالمهاجرين الحاصلين على بطائق الإقامة بشل قانوني ، و في حال اندماجهم في سوق الشغل يكفل لهم القانون الضمانات التي يستفيد منها العامل المغربي، سواء من حيث التصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أو التغطية الصحية، أو الحماية في حالة الطرد أو إنهاء علاقة الشغل-هناك اختلافات شكلية على الإجراءات المتبعة لإنجاز العقد مثل  التأشيرة، والعقد النموذجي، وإجراءات إدارية تُنجز على مستوى وزارة الشؤون الخارجية – على سبيل المثال لا الحصر.

أما تشغيل المهاجرين غير النظاميين -طبقا للمحامي نفسه- فلا أساس قانوني له، و يعتبر من وجهة نظر القانون المغربي غير ملزم. كما تنص مدونة الشغل على جزاءات تترتب عن تشغيل الأجانب بشكل غير نظامي أو غير قانوني، من بينها المادة 121 التي تنص على فرض غرامات على المشغل في حالة المخالفة، حيث يتم تغريمه بسبب تشغيل أجنبي دون احترام المساطر القانونية المعمول بها.

ترسانة قانونية وحقوق مهضومة


على المستوى القانوني، يمتلك المغرب ترسانة قانونية تؤطر مجال حقوق المهاجرين المقيمين بالمملكة. فالدستور المغربي ينص على تمتع الأجانب بالحريات الأساسية المعترف بها للمواطنات والمواطنين المغاربة، وذلك بموجب الفصل 30 الذي يُرسخ الحقوق المدنية والسياسية للمهاجرين، كما يكفل الفصل 9 حرية التجول والاستقرار بجميع أرجاء المملكة، حيث يحق للمهاجرين النظاميين التنقل والإقامة بحرية.

فضلا عن ذلك، ينص القانون 65.00 المتعلق بالتغطية الصحية الأساسية على مجموعة من المبادئ الأساسية تهم المواطنين والأجانب المقيمين، مثل مبدأ المساواة وعدم التمييز وعدم التشغيل على أساس العرق أو الجنس، وهي مبادئ تستمد مشروعيتها من المنظومة الدولية، بما في ذلك المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب. 

ماري وأحمد حالتان ليستا معزولتين عن واقع يزداد سوء وينذر بتبعات سلبية على الأمن والاستقرار، إذ لا يمكن إنكار ما حققه المغرب من مكتسبات على مستوى الحماية الاجتماعية المنصوص عليه في الدستور، فضلا عن نتائج الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء كمقاربة إنسانية وحقوقية وتنموية، لكن في المقابل هناك فئات لم تنعم بعد بفضائل هذه المكتسبات.

لم يصل بعد عدد العاملين من المهاجرين في “السوق السوداء ” لأرقام تثير المخاوف، إلا أن الصحفي المختص في قضايا الهجرة، صلاح الدين لمعيزي يجزم بأن العدد في تزايد مضطرد، وتنتشر العمالة الإفريقية في مدن مختلفة.

التوقف عن إيجاد حلول ناجعة ليس حلا مناسبا في ظل تنامي ظاهرة تشغيل المهاجرين في قطاعات متعددة بدون سند قانوني، حيث أن أغلب القطاعات المستقطبة للمهاجرين مثل البناء يترتب عن الاشتغال بها مخاطر جمة، وعليه يجد العمال أنفسهم عرضة للضياع في حال وقوع حوادث مرتبطة بطبيعة العمل.

وحسب الفاعلين في مجال الهجرة فإن الإجراءات المتبعة في حال ضبط المخالفات من خلال تغريم المشغلين لا تجدي نفعا في الحد من الظاهرة، وينبغي على الجهات الحكومية وضع استراتيجية واضحة المعالم لضمان حقوق العاملين عبر إصلاح المنظومة القانونية لضمان حقوق هذه الفئة من المهاجرين والقطع مع الممارسات السائدة.

**“تم إنجاز هذا العمل في إطار مشروع «حقوق ومساواة» لمنظمة المادة 19.”

تنويه: الصورة المستخدمة في هذا المقال جرى توليدها بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي .

مقالات أخرى
  • بمليلية: الحدود تحتجز المهاجرين المفقودين أيضاً

    دعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع الناظور، السلطات المغربية إلى التحرك العاجل لمعالجة معاناة أسر القاصرين والشباب المغاربة الذين لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مدينة مليلية المحتلة. وفي رسالة مفتوحة، طالبت بتنسيق مغربي-إسباني يضمن التعرف السريع على الجثامين وتمكين العائلات من استعادتها ودفنها بكرامة. وجه فرع الناظور للجمعية المغربية لحقوق الإنسان نداءً إلى وزيري…

    مع الناس

    17 يوليو، 2026
  • التمييز العقاري: الوجه الآخر لمعاناة المهاجرين بطنجة

    يسلط المقال الضوء على "التمييز العقاري" الذي يواجه المهاجرين النظاميين من دول إفريقيا جنوب الصحراء في مدينة طنجة، كاشفاً عن التناقض الصارخ بين وضعياتهم القانونية والمهنية السليمة والرفض الميداني لتمكينهم من السكن. كما يفكك التحقيق الأبعاد القانونية، والسوسيولوجية، والاقتصاديّة للأزمة، محذراً من انعكاسات الشروط التعجيزية التي تدفع الوافدين نحو العزلة واللانظامية الإدارية.

    WhatsApp Image 2026 07 02 at 11.42.11

    في الميدان

    2 يوليو، 2026
  • هند.. أم بين نار الهجرة وزواج السراب

    يرصد هذا المقال المعاناة المركبة للمرأة الريفية من خلال قصة "هند" التي وقعت ضحية لـ "زواج السراب" والمهجر، لتجد نفسها معلقة بين زوج غائب ومجتمع لا يرحم. ويصوّر التحقيق رحلتها التراجيدية من التهميش والاعتداء الجسدي إلى ركوب أمواج الهجرة السرية المنتهية بحريق مأساوي، كاشفاً عن عمق الندوب النفسية والجسدية التي تخلفها النجاة القاسية.

    Une nouvelle zone industrielle verra le jour a Fkih Bensalah

    ولاد وبنات الشعب

    1 يوليو، 2026