اعتداءات جنسية على لاجئين قاصرين في كنيسة بالدار البيضاء

خلف جدران مركز الإيواء الطارئ للمهاجرين بالدار البيضاء، كاهن متهم بالتحرّش الجنسي يهرب من العدالة، وستة أطفال ضحايا تُركوا وحيدين لمصيرهم.. صمت وتواطؤ يكتنف المكان. منصة الناس تكشف الستار عن شبكة استغلال وتحريض جنسي تحت إدارة أبرشية نوتردام. تحقيق
في الخامس من يوليوز 2024، أصدر رئيس أساقفة الرباط، الكاردينال كريستوبال لوبيز روميرو، بلاغًا بعنوان «البلاغ رقم 45». بلاغ مقتضب، بارد، يحمل بين سطوره الكثير من الالتباس. يخبر فيه رئيس الكنيسة الكاثوليكية في المغرب أتباعه قائلًا: «لقد نبهني البعض إلى سلوك الأب أنطوان إكسلمانس في عمله مع المهاجرين الشباب، مما يشير إلى أنه قد تكون هناك إساءات ضد أشخاص في وضع هشّ». كلمات حذرة، مدروسة بعناية، تختبئ وراءها محاولة لتلطيف الفعل وتخفيف وطأته. وبعد هذا التنبيه المزعوم، الذي صيغ بلغة تحفظية، أعلن رئيس الأساقفة أنه «قبل بضعة أسابيع، أُبلغ هو وأسقفه بفتح تحقيق قانوني ضد أنطوان». في ظاهر الأمر، يبدو الأمر كإجراء داخلي روتيني، لكن في العمق، هو تحقيق كنسي مغلق، يُدار في الصمت، بعيدًا عن القضاء وعن أعين الضحايا. في هذا البلاغ، غابت الحقائق الجوهرية: ما طبيعة «الإساءة»؟ كم استمرت؟ من هم الضحايا؟ ما أعمارهم؟ وما الخطوات التي اتخذتها كنيسة الدار البيضاء لحمايتهم؟ لا شيء من ذلك ورد في نص البيان. كل ما جاء كان جملًا مبهمة تُساوي بين الجاني والمجني عليه: «نرفع في صلواتنا الذين ربما كانوا ضحايا، ونرفع فيها أيضًا أنطوان.»
في الرابع والعشرين من ماي 2024، وُضعت شكاية رسمية لدى النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء
بهذه العبارة، وضعت الكنيسة المعتدي والضحايا في كفة واحدة، محوَلة الفعل الجنسي الإجرامي إلى مجرد “سلوك” يحتاج إلى صلاة. لكن الواقع مختلف تمامًا.
أصل الحكاية، شكاية شجاعة
ففي الرابع والعشرين من ماي 2024، وُضعت شكاية رسمية لدى النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، كانت بمثابة الشرارة التي كشفت المستور وأنهت منظومة من الاستغلال الجنسي مارسها هذا «الكاهن المنقذ» داخل مركز الإيواء الطارئ للمهاجرين واللاجئين القاصرين غير المصحوبين بذويهم. أربع سنوات على الأقل من الانتهاكات، من الصمت، من الخضوع لسلطة روحية مزيفة. وفي تلك اللحظة بالذات، انكشفت القصة. سقط القناع، وانفضح النظام.
احمد*شاب غيني المولد، واحد من بين ستة ضحايا يُرجَّح أنهم تعرضوا للاستغلال على يد الأب أنطوان. “كان يمارس معه علاقات جنسية بشكل منتظم، استمرت لأشهر طويلة…
30 أكتوبر، الدار البيضاء. أحمد* لم يتجاوز 17 ربيعًا بعد، لكنه يحمل على كتفيه ثقل قصة قاسية. قبعة تغطي ملامحه، وسترة تحميه من أنظار المارة. شاب غيني المولد، واحد من بين ستة ضحايا يُرجَّح أنهم تعرضوا للاستغلال على يد الأب أنطوان. “كان يمارس معه علاقات جنسية بشكل منتظم، استمرت لأشهر طويلة… أحمد كان آخر ضحاياه قبل أن يغادر الأب نحو فرنسا، موطنه الأصلي”، هكذا فجّر مصدرنا القنبلة. ليضيف: “أحمد كان أول من تجرأ على الكلام وكشف كل شيء… انهار باكيا في المرة الأولى,, “.
أحمد كان آخر ضحاياه قبل أن يغادر الأب نحو فرنسا، موطنه الأصلي
منذ انكشاف القضية، يرفض أحمد الحديث لأي أحد.رفض جلسات الدعم النفسي التي عرضها عليه البعض.
شاب محطّم، سحقته الحياة. خاصة بعدما تبخّر حلم الهجرة إلى أمريكا مع وصول ترامب للبيت الأبيض. عالق اليوم في الدار البيضاء، يُصارع من أجل لقمة العيش بين وظائف هشّة ومساعدات هزيلة من المفوضية السامية للاجئين بالرباط.
خمسة من الضحايا من غينيا، والسادس كاميروني. جميعهم تعرّضوا للاعتداء وهم قاصرون (دون 18 سنة). أعمارهم اليوم: الضحية الأولى (21 سنة)، الثانية (20 سنة)، الثالثة والرابعة والخامسة (19 سنة)، والسادسة (17 سنة).
باقي الضحايا؟ مُختفون بين الدار البيضاء والرباط. يتقاسمون نفس الألم والخيبة. التزموا الصمت المطبق. خمسة منهم من غينيا، والسادس كاميروني. جميعهم تعرّضوا للاعتداء وهم قاصرون (دون 18 سنة). أعمارهم اليوم: الضحية الأولى (21 سنة)، الثانية (20 سنة)، الثالثة والرابعة والخامسة (19 سنة)، والسادسة (17 سنة).
حسب ما روي لمنصة الناس ثلاثة من الضحايا الستة استمعت إليهم الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء. خضعوا لفحوصات طبية بتعليمات من الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف ,لكن السؤال المُحيّر: كيف تحوّل الأب أنطوان، صاحب الجوائز والسمعة، إ لى وحش جنسي يُهاجم القاصرين؟
منظومة “الأب أنطوان”
القصة انطلقت بتاريخ شتنبر 2021. الأب أنطوان إكسلمانس يُغادر أبرشية وجدة نحو الدار البيضاء. ست سنوات كاملة أمضاها بالجهة الشرقية، من 2016 حتى 2022. دخل العاصمة الاقتصادية بسمعة لامعة، يُلقّبونه بـ”سيد المهاجرين”، حسب وصف ناشط مدني خَبِره جيداً داخل الكنيسة المغربية.
في 2020 ، نال جائزة “إيكس لاشابيل” للسلام. “هذه الجائزة تُمنح كل سنة منذ 1988 لشخصين أو مجموعتين يُقاومان الظلم ويُناضلان من أجل السلام، ويُظهران شجاعة استثنائية بمواجهة مخاطر جسيمة”، كما أكّد منظمو الجائزة في المدينة الفرنسية. وفي نفس السنة، عُيّن نائباً عاماً لأبرشية الرباط.
الأب أنطوان؟ رجل بشخصية حديدية، كاريزما طاغية تفرض رأيها بالقوة. ما بين 2020 و2022، تمكّن من إغلاق كل الخدمات الاجتماعية التابعة للكنيسة: مركز استقبال المهاجرين بطنجة (TAM)، مركز استقبال المهاجرين بالرباط (CAM)، وخدمة استقبال المهاجرين بالدار البيضاء (SAM). الكنيسة طردت الموظفين، وبمشورة من الأب أنطوان، قرّرت تسيير الخدمة داخلياً بواسطة متطوعين، موجّهة بالأساس للمهاجرين واللاجئين العابرين أو المستقرين بالدار البيضاء وطنجة والرباط. “الأب أنطوان أراد التحكم في كل شيء بمفرده”، هكذا كشف ناشط جمعوي عاصر تلك الحقبة. وفي هذه العملية، تلاشت القواعد الضئيلة المعمول بها في حماية ومراقبة القاصرين غير المرافقين. ومن هناك، صار الأب أنطوان هو صاحب القرار المطلق.
من الإجراءات الإدارية إلى المتابعة النفسية، “الأب المُنقذ” متواجد على كل الجبهات. في نص مؤرخ بـ3 نونبر 2021، كتب لأبناء رعيته في كنيسة القديس أوغسطين برين: “أرافق بشكل خاص في الدار البيضاء 4 شباب جاؤوا من وجدة ليسكنوا معي في دار الكهنة بالدار البيضاء، نظراً لهشاشتهم الشديدة (وضعية صدمة ما بعد الصدمة مع أعراض جسدية مُعيقة لاستئناف حياة عادية، اكتئاب، ضغط نفسي… باختصار، حاجة للرعاية ليلاً ونهاراً)”. الكلمة قيلت: “ليلاً ونهاراً”. ماذا يعني مرافقة شباب “في هشاشة شديدة” و”جعلهم يسكنون معي”؟ صحيح أن هذه التصريحات من الكاهن لا يمكن أن تكون مُدينة بذاتها… لكن الضحايا يكشفون ممارسات “الليل والنهار”.
منظومة الأب أنطوان” كانت تستهدف القاصرين، وبالخصوص الأضعف
حسب شهادات جمعتها منصة “الناس”، “منظومة الأب أنطوان” كانت تستهدف القاصرين، وبالخصوص الأضعف بينهم. كان يسعى بكل قوة لعزلهم، ويريد التحكم المطلق في كل شيء. مصدر عرفه عن قُرب لسنوات طويلة يحكي: “كلما رافق لاجئاً شاباً للجمعية، كان يرفض أن أجلس معه منفرداً. الأب أنطوان كان يُصرّ على الحضور دائماً. مرة طلبت مقابلة المهاجر لوحدي، بدون الأب أنطوان. الطلب أثار غضبه. وافق على مضض أن يتركني وحدي مع المهاجر. لكن كان من الصعب جداً الحصول على ذلك”.
هذا الكاهن، المشهور بـ”التزامه الصلب”، كان يُقدّم دعماً شخصياً مباشراً. استضاف بعض المهاجرين القاصرين المرضى في سكنه الخاص بدير الرعية في الدار البيضاء. الكاهن كان يُبرر هذا التصرف بـ”الوضعية الصحية الهشة للمهاجر”. الضحية كانت تستطيع المكوث عدة أيام وحدها معه. مصدر جمع شهادات بعض الضحايا فجّرها: “الاعتداءات تراوحت بين لمس جسد الضحية وتجريدها من ملابسها وممارسة الجنس الكامل بالإيلاج. بعض الضحايا رفضوا، وآخرون استسلموا لمحاولاته المتكررة”.
تساؤلات حول استغلال الصحة النفسية
كان الأب أنطوان يحرص في كل مرة على الحصول على علاج طبي نفسي لضحاياه
الأب كان يُولي اهتماماً خاصاً للصحة النفسية لـ”ضحاياه”. حسب معلومات تقاطعت لدينا من عدة مصادر، كان الأب أنطوان يحرص في كل مرة على الحصول على علاج طبي نفسي لضحاياه. في البداية، كانت هذه العلاجات تُحصّل من مصلحة الأمراض النفسية، رقم 36 بالمستشفى الجامعي بالدار البيضاء. بعد سنوات من هذه الممارسات، في 2023، بدأت المصلحة النفسية ترفض تسليم وصفات طبية للأب أنطوان. معلومة تعمل منصة الناس على الحصول على تأكيدها من هذه المصلحة. بعد ذلك، توجّه الأب أنطوان نحو طبيبة نفسية كانت قد أسست جمعية للمساعدة الإنسانية. الطبيبة كانت تثق تماماً في “الأب المُنقذ” وستُسلّمه وصفات طبية لضحاياه. لكن ما الهدف من هذه الوصفات والعلاجات طوال سنوات؟ هنا القضية تنتقل من مجرد اعتداء جنسي لتُصبح احتمال اتجار بالبشر.
الأب أنطوان كان يدفع ضحاياه لتناول هذه الأدوية بحجة محاربة ما كان يصفه شخصياً بـ”حالات صدمة نفسية، اكتئاب، توتر” ما هي تبعات هذه العلاجات على الضحايا؟ كم عدد الضحايا الذين تناولوا هذه العلاجات؟ أسئلة تبقى بدون أجوبة حالياً. التحقيق الجاري، المفتوح من طرف نيابة الدار البيضاء، منذ ماي 2024، قد يُقدم إجابات أكثر حول تشعبات منظومة الأب أنطوان… هذا الأخير الذي لاذ بالفرار.
رحيل مشوب بالغموض
فرّ الأب أنطوان إكسلمانس يوم الأحد 16 يونيو 2024، أي قبل عيد الأضحى بيوم واحد. مباشرة التحقيق القضائي ضده عجّلت برحيله. من أبلغه بهذا التحقيق، الذي يُفترض أن يخضع للسرية المهنية؟ لا يزال الغموض يلف هذا الهروب.
مصدر ثانٍ داخل إحدى الجمعيات يُؤكد فراره: “بمجرد علمنا بتقديم الشكوى، اتصلنا رسمياً برئيس أساقفة الرباط لمعرفة المزيد. كان الرفض قاطعاً. في الرباط، تظاهروا بعدم المعرفة”، هكذا صرّح عضو الجمعية.
“هذا هروب للتملّص من أي إجراءات قانونية في المغرب. حسب معلوماتنا كان من المفترض أن تنتهي مهمته في المغرب حتى يوليوز 2025”
رسمياً، وحسب أبرشية الرباط، كان الأب أنطوان “مُرهقاً” و”أُصيب بإنهاك مهني وغادر إلى فرنسا ليستريح”، وفق الرواية التي تلقاها مصدر من الجمعية. عضو الجمعية ينفي هذه الرواية: “بعد أيام قليلة من مغادرته، أخبرتنا رعية الدار البيضاء أنه في إجازة. بالنسبة لي، هذا هروب للتملّص من أي إجراءات قانونية في المغرب. حسب معلوماتنا كان من المفترض أن تنتهي مهمته في المغرب حتى يوليوز 2025. غادر المغرب فجأة هارباً من العدالة، تاركاً وراءه العديد من الضحايا“.
تواصلت منصة الناس مع رئيس رعية الدار البيضاء، الأب أندريه كيوماليو، الذي رفض التعليق على الأمر واقترح علينا “التواصل مع الرباط”. أمام إصرارنا، انزعج رئيس الكنيسة في الدار البيضاء من أسئلتنا. المسألة حساسة، والكنيسة تتعامل معها بحذر شديد. أكّد الكاهن إغلاق مأوى الطوارئ الذي كان يُديره الأب أنطوان…
يتبع,,.
ملاحظة خاصة بهيئة التحرير: تلقت نمصة الناس معلومات منذ مطلع سنة 2025 بشأن حالات اعتداء داخل رعية الدار البيضاء. قررنا احترام سرية التحقيق. في هذه الأثناء، جمعنا شهادات وبيانات عديدة لتعزيز هذا التحقيق، وهي حقائق أكدتها مصادر متعددة. مؤسستنا الإعلامية تحترم مبدأ البراءة. أرسلنا أسئلة إلى الأب أنطوان إكسلمانس ورئيس أساقفة الرباط، كريستوبال الكاردينال لوبيز روميرو. وسننشر أي ردود نتلقاها. التحقيق بدأ للتو…













