كأس الأمم الأفريقية 2025 وكراهية الأجانب: تقييم لكارثة

Screenshot 2026 01 27 at 16.06.51

تقع مسؤولية النهاية الكارثية لكأس الأمم الأفريقية 2025 على عاتق عدة جهات. دعونا نحاول ترتيب هذه المسؤوليات حسب الأهمية: الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، والحكومة المغربية واللجنة المحلية المغربية، ثم المجتمع المدني المغربي، بما في ذلك وسائل الإعلام. هذه محاولة لتحليل الوضع.

 بعد أسبوع من الأحداث (المأساوية)، هدأت حدة المشاعر. وحلّت الأصوات الحكيمة والعقلانية محل الأصوات الغاضبة. بعد سبعة أيام من حملة تضليل إعلامي مكثفة، بدأت خوارزميات الأخبار الزائفة تتباطأ. لكن الضرر قد وقع بالفعل. 

سيستغرق الأمر وقتًا لالتئام جراح جميع الأطراف المعنية. كما سيتطلب الأمر شجاعة لتحليل ما حدث خلال كأس الأمم الأفريقية هذه بهدوء، من حيث خطاب الهوية والعلاقة مع الآخر. بين الأفارقة، وبين المناطق الفرعية لقارتنا، وبين شقيقين أصبحا عدوين: الجزائر والمغرب. دعونا نحاول أن نبتعد خطوة إلى الوراء عن “الحدث” ونحلل كيف قمنا، على مدار الأسابيع، بإنتاج تسلسل قائم على التمييز والصور النمطية.

مسؤولية الاتحاد الأفريقي لكرة القدم: 

“لقد أولى االاتحاد الأفريقي لكرة القدم الأولوية للربح على حساب المسؤولية الاجتماعية لكرة القدم.”


تتحمل الجهة المنطمة لهذه التظاهرة الرياضية وهي الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، المسؤولية الرئيسية عن هذه الكارثة. فقد أعطى هذا الاتحاد الأولوية للجانب التجاري للرياضة على حساب الأبعاد الرياضية والاجتماعية. وعلى صعيد الخطاب، يدّعي الاتحاد الأفريقي لكرة القدم اتباع “سياسة عدم التسامح مطلقا مع العنصرية”. إلا أن الواقع مختلف تمامًا. فخلال البطولة، لم تُوجّه سوى رسائل قليلة إلى الفُرق والمشجعين لجعل كأس الأمم الأفريقية 2025 لحظة حوار واحترام ومناهضة كراهية الأجانب التي تُعاني منها قارتنا ومناطقها. 

تواصل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم – أو بالأحرى صمته – انعكس في المؤتمرات الصحفية لقادته (الأمين العام والرئيس)، والتي صُممت كوصلات دعائية، دو ن من أي مساحة للنقد. كانت الرسالة الرئيسية واضحة: “كأس الأمم الأفريقية هذه مربحة. هذه البطولة نجاح مالي وتجاري“. لقد طغت المصالح الربحية للشركات الاستعمارية الجديدة-القديمة مثل “توتال إنيرجيز “و”أورانج” وغيرها على الأبعاد الاجتماعية والثقافية لكرة القدم. تصاعدت التوترات بشكل متتالي، وانفجرت في نهاية المطاف أمام العالم. وبذلك يؤكد الاتحاد الأفريقي لكرة القدم ضعف رؤيته في مواجهة التحديات العالمية التي تواجه مجتمعاتنا الأفريقية.

 “حملة إعلامية محمومة ارتدت سلبا على منظميها.” 

مسؤولية المغرب: 

يتحمل المغرب المسؤولية الكاملة، ولا سيما اللجنة المنظمة والجامعة الملكية لكرة القدم. فمن خلال هاتين الجهتين – اللتين تفتقران إلى الشفافية في تواصلهما مع الجمهور المغربي – تم اختيار نبرة محددة: “يجب أن نترك بصمة قوية، ونبهر إفريقيا والعالم”، “يجب أن نرد على خصومنا وجيراننا”، “يجب أن ننظم أفضل بطولة كأس أمم أفريقية في التاريخ”. تحولت هذه الرسائل الضمنية إلى رسائل صريحة من خلال التكرار المستمر من قبل وسائل الإعلام والمحللين وغيرهم من الشخصيات المؤثرة التابعة للجامعة الملكية  لكرة القدم في الإذاعة والتلفزيون. حتى أن اللجنة استعانت بحوالي مئة من “المؤثرين”، مغاربة وأجانب، لترسيخ هذه الرسالة عبر جميع المنصات. وبلغت هذه الحملة الإعلامية ذروتها مع ظهور المؤثر “سبيد”، الذي حوّل المباراة النهائية إلى حدث يُبث مباشرة. لقد كان الأمر مبالغا فيه.

“أصبحت الضيافة المباعة مصدرًا للإذلال.”

اعتبرت فئات من شعوب القارة الافريقية أن هذا التواصل كان مفرطا، بل ومتعجرفا، بالرغم من أن النيات الأولية كانت مختلفة. لم تكن الرسالة التي تم إيفادها هي المقصودة. وتحوّلت “الضيافة المغربية”، التي روّج لها مؤثرون غير متمرسين بانتهازية سافرة، إلى “إهانة”. في المقابل، كانت الضيافة المغربية الأخرى، الشعبية والعفوية، حقيقية وصادقة للغاية. لم يكن المغاربة بحاجة إلى الترويج لصورتهم، بل كانوا ببساطة يرحبون بمن يأتي إليهم. 

دور المجتمع المدني.

من الصعب على أي جهة فاعلة في المجتمع المدني (الجمعيات ووسائل الإعلام) التأثير على حدث بهذا الحجم. لكن المبادرات التي تم إنجازها قبل وأثناء بطولة كأس الأمم الأفريقية (AFCON) بشأن التماسك الاجتماعي ومكافحة التمييز كانت محدودة، إن لم تكن معدومة. أطلقت المنظمة الدولية للهجرة في المغرب، بالتعاون مع منظمة TIBU Africa، مبادرة لبطولة كرة قدم محلية. أما بالنسبة للمنظمات الأخرى العاملة في مجال الهجرة – ومنها ENASS – فلم نُهيئ الجماهير المغربية والأفريقية بشكل كافٍ لما تنطوي عليه بطولة AFCON بمشاركة 24 جنسية وثقافات متنوعة. شاهدنا عاجزين حملات الكراهية ضد مشجعي الجزائر ومصر والمغرب. انتشرت المناوشات الإلكترونية البغيضة. وتصاعدت التوترات طوال البطولة. وبالنظر إلى الماضي، كانت المباراة النهائية الكارثية متوقعة، نظرًا للتوترات الحقيقية وتلك التي غذّاها المتصيدون من الجزائر ودول غرب أفريقيا الأخرى.

سردية ضد “تبييض كرة القدم”: 

 “مبادرات قليلة جدًا للاستعداد للعيش المشترك.”


كان البيان “CAN yama CAN، حقوق المهاجرين في المغرب؟”، الذي أعده عالم الأنثروبولوجيا سيباستيان باشيليت والناشطة الثقافية دنيا بن سليمان، ووقّعته بشكل خاص المدرسة الوطنية للدراسات الاجتماعية (ENASS) والمنظمة المغربية للعدالة الاجتماعية (RMJM)، أحد النصوص العامة القليلة التي كسرت السردية السائدة حول بطولة كأس الأمم الأفريقية 2025 قبل انطلاقها. وقد حذّرت هذه المبادرة، التي وقّعتها نحو عشر منظمات غير حكومية ونحو عشرين جهة فاعلة في المجتمع المدني (أكاديميون، ووسائل إعلام، ونشطاء)، مبكراً من خطر تصاعد الخطاب العنصري واستخدام بطولة كأس الأمم الأفريقية للتغطية على حقائق الهجرة التي تبدو أقل إشراقاً مما تدّعيه السردية الرسمية. 

 “الكارثة ليست حادثًا، بل هي نتيجة سلسلة من الأحداث.”

مقتطف:

 “مع اقتراب بطولة كأس الأمم الأفريقية، يجب على المغرب أن يرقى إلى مستوى خطابه الفاضل، وألا يكتفي بالتركيز على تلميع صورته. يجب ألا تكون البطولة مجرد ستار دخاني أو أداة للعلاقات العامة؛ بل يجب أن تُظهر التزاما حقيقيا بالتخلي عن السياسات الأمنية العدائية السائدة في أماكن أخرى، وخاصة في أوروبا. (…) لقد استغلت السلطات البطولة بالفعل كذريعة لفرض قيود جديدة على المواطنين الأفارقة في شكل تأشيرة إلكترونية خاصة بالبطولة.” 

لم تتناول هذه المقالة الافتتاحية جميع جوانب كارثة ليلة 18 يناير 2026. مازال الحديث يطول حول الموضوع…

مقالات أخرى
  • الإسلاميون المغاربة وأحداث سبتة: بين مطلب التحقيق وتشخيص أزمة الانسداد

    دخل أكبر مكونين في المعارضة الإسلامية، حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، على خط موجة الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، التي خلفت عشرات الضحايا والمفقودين. وبينما اختلفت لغة البيانين وسقفهما السياسي، فقد التقيا في تحميل السلطات مسؤولية تدبير الأزمة، وانتقاد الصمت الرسمي، والدعوة إلى كشف حقيقة ما جرى.  العدالة والتنمية: لجنة تحقيق وتحذير من أزمة…

    مع الناس

  • الداخلية تقدم روايتها الرسمية لأحداث سبتة

    في أول تفاعل رسمي للسلطات المغربية مع أحداث الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، أكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية أن مختلف المعطيات التي تم تجميعها وتحليلها أبانت أن هذه الأحداث "لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية، وإنما جاءت نتيجة تفاعل عدة عوامل متداخلة، في مقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضلَلة، ودور عصابات…

  • المنسيون..هدم بدون تعويض بالمدينة القديمة للدار البيضاء 

    تجددت بداية هذا الأسبوع الجاري د ساكنة المدينة العتيقة بالدارالبيضاء ب"المحج الملكي" سابقا، ممن تعرضت بيتوهم للهدم، حيث اجتمعوا أمام مقر الولاية رافعين شعارات ويافطات تطالب بإنصاف ممن لم يستفيدوا من التعويض عن ترحيلهم من بيوتهم، وتعددت الحالات واتفقت على ما تلقته من جواب إداري حول عدم ظهور أسماء حوالي 120 مواطنا ومواطنة في قوائم…

    IMG

    مع الناس