يفتح في علامة تبويب جديدة

سبتة: تسعون قتيلاً… وصمت الدولة

شهدت سبتة المحتلة هذا الأسبوع موجة غير مسبوقة من الحريك، خلّفت وراءها حصيلة مأساوية. وأمام هول هذه الفاجعة، اختارت الدولة المغربية الصمت. 

ها هو «الموسم الثالث» يحلّ محمّلاً بمزيد من المآسي، والمشاهد الصادمة، ونظريات المؤامرة، والقمع، وضجيج وسائل التواصل، وتجار الأزمات. ومرة أخرى، نقف مذهولين ونحن نرى آلاف الشباب المغاربة يغادرون نحو مدينة سبتة المحتلة. وبعد مشاهد عامي 2021 و2024 المؤلمة، يجد المغاربة أنفسهم أمام صور تكاد تشبه مشاهد الحروب: شعبٌ شاب يفرّ من بلده، وعائلات كاملة، نساءً وأطفالاً، تخوض البحر مخاطرةً بحياتها. وحدها هذه الصور تكشف حال بلد يسير نحو المجهول، ودولة تخلّت نهائياً عن شبابها. .

كان الوعد المركزي للحكومة المنتهية ولايتها هو توفير فرص الشغل للشباب واستعادة الثقة في السياسة والشأن العام. وبعد خمس سنوات، بلغ البلد أدنى مستوياته. والشباب يعبّر عن ذلك بوضوح قائلاً:” سنغادر جميعاً، وعلى آخر من يبقى أن يطفئ الأنوار” وهي عبارة ساخرة تحولت إلى شعار يردده أبناء الجيل المغربي الجديد

ولا يزال من المبكر تحديد الجهات التي تقف وراء هذه الموجة الجديدة بدقة. فشتى الفرضيات، بما فيها أكثرها غرابة، تُتداول وكأنها تفسيرات مؤكدة. لكن ما يفرض نفسه اليوم هو الوقوف عند الوقائع كما هي، بكل وضو

على مستوى الأرقام، نحن أمام أكبر موجة حريك في تاريخ المغرب وإسبانيا. ففي غضون ستة أيام فقط، تمكن ستون ألف مغربية ومغربي من الوصول إلى مدينة سبتة المحتلة. وقد أعادت السلطات الإسبانية ثمانيةً وأربعين ألفاً وثلاثمائة شخص إلى المغرب (إلى غاية 31 يوليوز، الساعة السادسة مساءً). أما الرقم الأكثر فداحة فهو وفاة تسعون مغربياً – على الأقل-  أثناء محاولات العبور منذ بداية الأسبوع. وجميع هذه المعطيات صادرة عن وزارة الداخلية الإسبانية. 

ويُضاف إلى هؤلاء السبعة والخمسين أكثر من ألف حالة وفاة سُجلت منذ بداية سنة 2026 خلال محاولات السباحة بين الفنيدق وسبتة، وهو رقم صادم مرّ في صمت. أما مستودعات الأموات في سبتة، فقد امتلأت بجثث شباب مغاربة ابتلعهم البحر. 

أما على مستوى التواصل، فقد اختارت الدولة المغربية صمتاً مطبقاً. فلا تصريح، ولا أرقام، ولا توضيحات. ففي سنة 2021، خرج وزير الشؤون الخارجية للدفاع عن الموقف المغربي. وفي سنة 2024، تولّت المصالح الأمنية والسلطات الإقليمية بشمال المملكة تدبير التواصل خلال الأزمة. أما في سنة 2026، فقد كان الخيار هو الصمت الكامل، أو ما يمكن وصفه بسياسة «صفر تواصل.».

لقد وضع العالم المغرب في صدارة الأحداث، بينما اختار المسؤولون المغاربة التزام الصمت. أهو صمت نابع من الحرج؟ أم صمت يكشف أكثر مما يخفي؟ يصعب تبرير هذا الموقف. فستون ألف مرشح ومرشحة للهجرة هم مواطنون مغاربة، والأرض التي انطلقوا منها هي المغرب. ومن ثم، فإن مسؤولية الدولة المغربية قائمة، أولاً تجاه مواطنيها، ثم تجاه «حليفتها» إسبانيا، التي تواجه بدورها حملة انتقادات من تيارات اليمين المتطرف، من دونالد ترامب إلى جورجيا ميلوني مروراً بجوردان بارديلا. 

وفي المقابل، يبدو أن الدولة المغربية تراقب هذه الأزمة بصمت المنتصر. وإن كان هذا بالفعل جزءاً من حساباتها، فإنه حساب بالغ الخطورة، لأن المغرب هو الخاسر في نهاية المطاف. فقد غرق ألف وسبعة وخمسون مواطناً، ودفعوا حياتهم ثمناً لصراعات النفوذ وشهوة القوة

رحم الله أبناءنا الذين تحولوا إلى حراكة. . خالص التعازي والمواساة لعائلاتهم. والحقيقة والعدالة حق لكل المفقودين

مقالات أخرى
  • تحدّي عرشان: نعم، ولكن أمام القضاء!

    في سن السابعة والثمانين، يتحدى عميد الشرطة السابق محمود عرشان متهميه ويدعوهم إلى مناظرة تلفزيونية. لكنه يستحق ما هو أفضل من ذلك: محاكمة عادلة، باعتبارها الإطار الوحيد الذي يمكن أن تتحدث فيه الوقائع والشهادات والوثائق. الجلادون لا يموتون أبدا. إنهم يعيشون حيوات متعددة. ويواصلون البقاء في مستنقع الحياة السياسية المغربية، أو بالأحرى في مستنقع اللاحياة-سياسية.…

    Edito FR AR visuel

    بكل جذرية

    22 أكتوبر 2026
  • البوحسيني: نتائج الانتخابات أكدت أزمة السياق السياسي بالمغرب

    نظم الحزب الاشتراكي الموحد في إطار سلسلة "حلقات النقاش الديمقراطي" حلقة أولى تمحورت حول "قراءات متقاطعة في انتخابات 23 شتنبر "، وذلك يوم الخميس 8 أكتوبر الجاري بدار المحامي بالرباط، وهو اللقاء الذي ضم وجوها أكاديمية ويسارية وحقوقية لتقديم مقاربات مختلفة حول الموضوع. البوحسيني: "السياق السياسي يتسم بأزمة حقيقية وبأزمة كبيرة، والانتخابات زادت أكدت بعض…

    مع الناس

    12 أكتوبر 2026
  • الرفع من درجة التطبيع يلهب حركية الاحتجاج المغربي

    احتشد العديد من الغاضبين(ات) من الرفع من درجة التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، في وقفة احتجاجية يوم الأحد 27 شتنبر الجاري بمدينة الدارالبيضاء دعت لها السكريتارية الوطنية للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع.  "نقول للدولة أن تتراجع عن هذا القرار الذي لن نجني منه سوى الويلات، وقد سبقتنا له الأردن ومصر ونرى ما يجري فيهما"…

    مع الناس

    28 سبتمبر 2026