حرب الريف: رسالة مفتوحة الى رئيس الجمهورية الفرنسية

بمناسبة الذكرى المئوية لنهاية حرب الريف، يوجه الكاتب الدكتور محمد لشقر رسالة مفتوحة إلى الرئيس الفرنسي يدعو فيها إلى كسر الصمت الذي يحيط بهذه الحرب في الذاكرة الفرنسية. وتطالب الرسالة بفتح الأرشيفات والاعتراف بالحقيقة التاريخية، باعتبار ذلك مدخلًا لإنصاف الذاكرة المشتركة. نص الرسالة.

د. محمد لشقر
طبيب، كاتب وباحث في تاريخ حرب الريف
رسالة مفتوحة الى رئيس الجمهورية الفرنسية بمناسبة الذكرى المئوية لنهاية حرب الريف
السيد رئيس الجمهورية الفرنسية،
تحل هذه الأيام الذكرى المئوية لنهاية حرب الريف، تلك الحرب التي شكّلت إحدى أكثر الحروب الاستعمارية عنفًا في القرن العشرين، والتي خُتمت باحتفالات رسمية كبرى شهدتها باريس في الرابع عشر من يوليو 1926، بحضور الرئيس الفرنسي، والجنرال بريمو دي ريفيرا، وسلطان المغرب، بعد أن تقاسمت فرنسا وإسبانيا نتائج الانتصار، واتفقتا على نفي الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى منفى بعيد.
وبهذه المناسبة، أجد نفسي، بصفتي مثقفًا ريفيًا وكاتبًا يكتب باللغة الفرنسية، وقد كرّست أربعة مؤلفات لدراسة هذه المرحلة من تاريخنا، مدفوعًا إلى مخاطبتكم، ليس بدافع الخصومة، وإنما باسم الحقيقة التاريخية، وباسم ذاكرة آلاف الرجال والنساء الذين دفعتهم تلك الحرب إلى الموت أو التهجير أو المنفى.
لقد تدخلت فرنسا في حرب الريف سنة 1925 بعد أن عجزت إسبانيا عن القضاء على المقاومة الريفية بقيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي. ولم يكن ذلك التدخل مجرد عمل تضامني مع حليف أوروبي، بل كان دفاعًا عن المشروع الاستعماري الفرنسي في المغرب وشمال إفريقيا بأكمله.
وعندما تقدمت قوات عبد الكريم نحو الجنوب، ووصلت إلى مشارف فاس وتازة، قررت الحكومة الفرنسية تعبئة إمكانات عسكرية هائلة. فأُرسلت عشرات الآلاف من الجنود، واستُخدمت المدفعية الثقيلة والطيران، وأسندت قيادة الحملة إلى المارشال فيليب بيتان، الذي ما يزال يُحتفى به في الذاكرة الفرنسية باعتباره أحد أبطال الحرب العالمية الأولى.
لقد خلفت تلك الحرب قرى مدمرة، وآلاف الضحايا، وسكانًا اقتُلعت جذورهم من أرضهم. كما ترك استعمال الأسلحة الكيميائية جرحًا لم يندمل في الذاكرة الجماعية لسكان الريف، الذين ما زال كثير منهم يربطون بين تلك الهجمات وبين الانتشار المقلق لبعض الأمراض الخطيرة، وفي مقدمتها السرطان.
اقرأ المزيد :الحسيمة.. تسع سنوات بعد الحراك: الجرح الذي لم يلتئم
ومع ذلك، ما تزال حرب الريف غائبة إلى حد كبير عن النقاش العمومي في فرنسا.
لماذا ؟
ولماذا خضع تاريخ نظام فيشي لنقاش واسع، وهو أمر مشروع، بينما بقيت الحرب التي قادها المارشال بيتان ضد شعب كان يناضل من أجل حريته خارج دائرة المساءلة التاريخية ؟
ولماذا استطاعت فرنسا أن تفتح، وإن متأخرة، باب النقاش حول حرب الجزائر، بينما لا تزال حرب الريف تكاد تكون غائبة عن الوعي الجماعي الفرنسي ؟
“الصمت لا يمحو التاريخ، بل يؤجل مواجهته.”
إن هذه الأسئلة لا تستهدف إثارة الأحقاد، بل تسعى إلى فهم أسباب هذا الصمت الطويل. فالصمت لا يمحو التاريخ، بل يؤجل مواجهته.
إنني لا أطالب باعتذار رمزي، ولا بإلقاء عبء الماضي على الأجيال الحالية، ولا بتعويضات مادية. ما نطالب به هو أمر أبسط وأكثر عدلًا: الاعتراف بالحقيقة التاريخية، والمساواة بين الذاكرات، استرجاع أو على الأقل فتح الأرشيفات المتعلقة بحرب الريف أمام الباحثين والمؤرخين، حتى تُكتب هذه الصفحة من التاريخ كتابة علمية مشتركة، بعيدًا عن الانتقاء والنسيان.
“إن الذكرى المئوية لحرب الريف تمثل فرصة تاريخية لفرنسا كي تنظر إلى هذا الماضي بشجاعة وموضوعية.”
إن الذكرى المئوية لحرب الريف تمثل فرصة تاريخية لفرنسا كي تنظر إلى هذا الماضي بشجاعة وموضوعية، وأن تعترف بدورها في حرب تركت آثارًا عميقة في ذاكرة سكان الريف، كما تركت أثرها في تاريخ الاستعمار الفرنسي.
“إن الأمم لا تُقاس بعظمة انتصاراتها العسكرية، بل بقدرتها على مواجهة صفحاتها المؤلمة بشجاعة وصدق.”
إن الأمم لا تُقاس بعظمة انتصاراتها العسكرية، بل بقدرتها على مواجهة صفحاتها المؤلمة بشجاعة وصدق. فالاعتراف بالحقيقة لا ينتقص من مكانة الدول، بل يعزز احترامها لنفسها، ويقوي الثقة بينها وبين الشعوب التي تقاسمت معها تاريخًا مثقلًا بالجراح.
اقرأ المزيد : قافلة تضامن مع أمهات المعتقلين تعيد قضية حراك الريف للواجهة
“ولعل الذكرى المئوية لحرب الريف تكون بداية حوار تاريخي جديد، قوامه الحقيقة والإنصاف والاحترام المتبادل
ولعل الذكرى المئوية لحرب الريف تكون بداية حوار تاريخي جديد، قوامه الحقيقة، والإنصاف، والاحترام المتبادل، حتى لا يبقى الماضي عبئًا على المستقبل.
د. محمد لشقر
طبيب، كاتب وباحث في تاريخ حرب الريف







