خريبكة: تحقيق حول طوفان سام من أحواض الفوسفاط   

WhatsApp Image 2026 05 20 at 16.30.44

تعتبر جماعة “الفقراء” منطقة معزولة عن العالم. فمنذ الثاني عشر من ماي 2026، تسببت تسربات كبرى ناتجة عن تصدعات وتدفقات في أحواض الترسيب والتصريف التابعة للموقع الصناعي لـ “المجمع الشريف للفوسفاط” بخريبكة، في غمر أراضي هذه الجماعة القروية. وتكبد الفلاحون خسائر جسيمة. في قلب كارثة بيئية تسببت فيها مخلفات الفوسفاط

يقف محمد سلوم وحيداً في مواجهة تدفق جارف من النفايات الكيميائية عالية الخطورة. منذ أسبوع، يطلق محمد رفقة مزارعي جماعة “الفقراء” نداءات استغاثة، لكن صرخات هؤلاء السكان تذهب أدراج الرياح، وسط تجاهل شبه تام من السلطات المحلية ومسؤولي المجمع الشريف للفوسفاط. وفي هذا الإقليم الذي بات معزولاً ومتروكاً لمصيره إثر هذا الحادث الصناعي الخطير، شحت المساعدات، ليجد السكان أنفسهم في حالة ضياع تام أمام كارثة لا تزال أبعادها الحقيقية غير محددة بدقة بعد.

آبار ملوثة

نحن نسير على الطريق رقم 312، حيث تلوح في الأفق من جهة اليسار مناجم فوسفاط خريبكة، بينما تظهر محطة أنبوب ضخ الفوسفاط التابعة للمجمع على اليمين. وخلف هذه الواجهة التي تمثل مفخرة الصناعة الوطنية، تختبئ كارثة بيئية واسعة النطاق: أراضٍ اختنقت بالمخلفات السائلة، وماشية نفقت بالمئات، وآبار تلوثت لعقود قادمة، ومزارعون عاجزون عن الكلام. إن ما كان يُتوقع أن يكون موسماً فلاحياً استثنائياً تحول إلى كابوس حقيقي، بعد أن ابتلعت الأوحال السامة المواشي، وتلوثت المياه بشكل لا رجعة فيه.

تقع جماعة “الفقراء” فوق هضبة الفوسفاط في الجزء الشمالي الغربي من إقليم خريبكة، وتتميز بمناخ شبه جاف، يتسم بقلة التساقطات المطرية وبصيف شديد الحرارة. إن الطبيعة قاسية بطبعها في هذه الأراضي الغنية بالمعادن، والفقيرة في مؤشرات التنمية البشرية.

«لقد خسرت جزءاً كبيراً من محصول السنة، نحو عشرين هكتاراً من القمح، لكن الأهم من ذلك أنني خسرت الأرض نفسها. ماذا تساوي هذه الأرض الآن؟».

يعمل عبد الرحيم راعياً للمواشي، ويعيش مع أسرته في دوار “لمليكات”. يشتغل كـعامل “رباع” لدى محمد، الذي يشاركه في تربية الماشية وتربية النحل. ويقول بحسرة: «لأول مرة منذ سنوات، كنت أنتظر موسماً فلاحياً يتيح لي التقاط الأنفاس، لكنني فقدت كل شيء». ولم تتوقف خسائر عبد الرحيم عند هذا الحد، بل كان أيضاً من بين جرحى هذا الفيضان الكيميائي الذي اجتاح الأراضي، ويسترجع تلك اللحظات قائلاً: «كدت أن أموت، وتم نقلي بواسطة سيارة إسعاف تابعة للجماعة نحو المركز الصحي». وقد فقد عبد الرحيم ومحمد معاً اثنين وأربعين رأساً من الأغنام، بالإضافة إلى تدمير نشاطهما في إنتاج العسل بالكامل.أما محمد، وهو صاحب أرض ومزارع، فلا يزال عاجزاً عن تقدير حجم خسائره بدقة، ويتساءل بمرارة أمام هذا المشهد المأساوي: «لقد خسرت جزءاً كبيراً من محصول السنة، نحو عشرين هكتاراً من القمح، لكن الأهم من ذلك أنني خسرت الأرض نفسها. ماذا تساوي هذه الأرض الآن؟». ويضيف مقارناً بين مفارقات واقعه: «من جهة، تقدم لنا وزارة الفلاحة الدعم، ومن جهة أخرى، ترسل لنا شركة مغربية متعددة الجنسيات هذا الطوفان السام الذي يقتل ماشيتنا». وفي الدوار، يتساءل السكان الذين التقيناهم بقلق عما إذا كان العيش في هذا المكان ممكناً بعد الآن.

أراضٍ غير صالحة للعيش


يؤكد عبد الواحد، وهو مزارع شاب يقاوم إغراء الهجرة التي استقطبت العديد من أبناء عمومته، أنه خسر بدوره عشرة هكتارات من محصول القمح. وتأتي هذه الكارثة في أسوأ وقت ممكن بالنسبة لمربي الماشية الذين كانوا يراهنون على موسم عيد الأضحى، حيث يوضح بقلق: «نحن في ذروة فترة بيع الأغنام للعيد، لكننا لم نعد قادرين على تسويق ماشيتنا، كما أن زبائننا المعتادين عاجزون عن القدوم لاستلام مشترياتهم».

«من أجل التبضع، أو شراء مياه الشرب، أو التوجه إلى المستشفى، يتعين علينا قطع نحو عشرة كيلومترات عبر مسلك وعر. أما الأطفال، فلم يعد بإمكانهم الذهاب إلى المدارس».

وخلال زيارتنا للدوار في الثامن عشر من ماي 2026، كان الطريق الرئيسي المؤدي إلى المنطقة ما يزال مقطوعاً. ورغم أن فرق المجمع الشريف للفوسفاط قامت بفتح مسلك ثانوي لفك العزلة، إلا أن السكان يرون أن هذه الجهود تظل محدودة وغير كافية. ويوم زيارتنا، كانت هناك جرافة واحدة تحاول تمهيد الطريق، ولم يكن في الموقع سوى عامل واحد يبذل قصارى جهده لمساعدة الأهالي، لكن دون جدوى أمام كارثة تمتد على طول عشرات الكيلومترات من خريبكة وصولاً إلى الفقيه بن صالح. ويشرح محمد الوضع قائلاً: «من أجل التبضع، أو شراء مياه الشرب، أو التوجه إلى المستشفى، يتعين علينا قطع نحو عشرة كيلومترات عبر مسلك وعر. أما الأطفال، فلم يعد بإمكانهم الذهاب إلى المدارس».

يعبر عبد الواحد أيضاً عن مخاوفه من التداعيات الصحية لهذه التسربات قائلاً: «بالإضافة إلى الأضرار المادية الجسيمة، لقد أصبنا بالمرض جراء هذه الكارثة. الهواء أصبح خانقاً وغير قابل للاستنشاق، كما طالبتنا السلطات المحلية بشكل حازم بعدم استخدام مياه الآبار. فكيف يمكننا الاستمرار في العيش فوق أراضينا والماء غير صالح للاستهلاك؟».هذا الطرح زكاه فرع “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” بخريبكة، والتي حذرت في بيان لها جاء فيه: «مما لا شك فيه أن الفرشة المائية قد تلوثت نتيجة تسرب المواد الكيميائية والمعدنية. فالعديد من الآبار، التي يعتمد عليها السكان للتزود بالماء وسقي ماشيتهم، غمرتها هذه المياه والأوحال المشبعة بالمواد الكيميائية، مما جعلها غير صالحة تماماً للاستهلاك البشري أو الحيواني».

مطالبات بالتعويض وفتح تحقيق

تشير المعطيات إلى أن هذه الكارثة قد تسببت في تضرر أزيد من أربعمائة هكتار، من بينها مائة وعشرون هكتاراً تعود لخواص، فيما تعود باقي المساحات لملكية المجمع الشريف للفوسفاط. ورغم عدم صدور حصيلة رسمية تحدد حجم الخسائر بدقة، إلا أن معلوماتنا تفيد بأن المياه الملوثة قد امتدت لتصل إلى مسافة تبعد أربعة وعشرين كيلومتراً فقط عن نهر أم الربيع. وإلى حدود الساعة، لم يصدر المجمع الشريف للفوسفاط أي بلاغ رسمي حول الموضوع، في حين ذكرت وسائل إعلام محلية أن المؤسسة تدخلت خلال الأربع وعشرين ساعة الأولى للحد من الأضرار. غير أن منظمات المجتمع المدني المحلية ترى أن الوضع يتطلب تدخلاً عاجلاً وبأبعاد أخرى.

«المسؤولية الكاملة للمجمع الشريف للفوسفاط، الذي أبان عن تقصير واضح في صيانة ومراقبة الحوض المائي المخصص لغسل الفوسفاط” 

وفي هذا الصدد، حملت “جمعية مغرب المستقبل”، ومقرها خريبكة، «المسؤولية الكاملة للمجمع الشريف للفوسفاط، الذي أبان عن تقصير واضح في صيانة ومراقبة الحوض المائي المخصص لغسل الفوسفاط، ولم يتخذ التدابير اللازمة والمستمرة لحماية الساكنة من الأضرار التي لحقت بها». ودعت الجمعية إدارة المجمع إلى تعويض المتضررين بشكل فوري، وتمويل عملية إعادة تأهيل الأراضي المنكوبة لمدة تصل إلى عشر سنوات، لضمان استعادة التربة لخصوبتها.

من جانبها، تقاسمت “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” فرع خريبكة نفس المخاوف، مذكرة بالماضي وبعلاقة التوتر التاريخية بين العملاق الفوسفاطي والساكنة المجاورة لمواقعه، وجاء في بيانها: «إن المتضررين، وبناءً على تجاربهم السابقة المريرة مع إدارة المجمع الشريف للفوسفاط، يتخوفون اليوم من تملص المؤسسة من التزاماتها في جبر الأضرار الجسيمة التي لحقت بهم».

وطالب عبد الله حسبي، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بخريبكة، «الدولة بإعلان المنطقة “منطقة منكوبة”، وممارسة ضغط حازم على إدارة المجمع الشريف للفوسفاط لإصلاح الأضرار الجسيمة التي تسببت فيها». كما طالبت الجمعية بـ«فتح تحقيق محايد وشفاف في الوقائع المقترفة، من أجل تقييم مختلف المخاطر والآثار على الساكنة والبيئة، وتحديد المسؤوليات، وترتيب العقوبات اللازمة، مع تنفيذ إجراءات تصحيحية على مستوى البنيات التحتية للمجمع لضمان عدم تكرار مثل هذه الكوارث مستقبلاً».

يخوض أغلبهم نزاعات قضائية سابقة ضد المجمع بسبب مساطر نزع الملكية ــ حالة من الصدمة العميقة جراء الصمت المطبق الذي تلجأ إليه إدارة المؤسسة.

وسط جماعة “الفقراء”، يخيّم بؤس شديد ويبدو المستقبل قاتماً. فإلى جانب الخسائر المادية الفادحة، يعيش المزارعون ــ الذين يخوض أغلبهم نزاعات قضائية سابقة ضد المجمع بسبب مساطر نزع الملكية ــ حالة من الصدمة العميقة جراء الصمت المطبق الذي تلجأ إليه إدارة المؤسسة.وقد ربطت هيئة تحرير موقع “الناس” الإخباري الاتصال بمصلحة التواصل للمجمع الشريف للفوسفاط، وسنعود لنشر رواية المؤسسة فور توصلنا بردها حول هذه الكارثة البيئية.

مقالات أخرى
  • المغرب: اليسار الجذري يتضامن مع إيران ضد الحرب الأمريكية الإسرائيلية

    نظمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، يوم أمس الثلاثاء 17 مارس، ندوة رقمية تحت عنوان «تغوّل الإمبريالية وأزمة النظام الدولي: تحديات الشرعية الأممية وحقوق الشعوب»، بحضور متدخلات ومتدخلين سياسيين وحقوقيين، ناقشوا خلالها التحولات الجيوسياسية العالمية، تصاعد النزعة العدوانية الإمبريالية، والأزمات البنيوية للنظام الرأسمالي، إلى جانب انعكاساتها على الشرعية الدولية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.

    United States and Iran political conflict concept with cracked flags background

    مع الناس

    19 مارس، 2026
  • لا للحرب! 

    في هذا الزمن الموصوم بالحروب والابادة الجماعية، بات من الصعب إعلان صرخة «لا للحرب!» أو الجهر بها في الساحات العامة والفضاءات الإعلامية والرقمية في المغرب. ومع ذلك، فهاتان الكلمتان هما "الدرجة الصفر" وأدنى مستويات الإنسانية التي يجب التعبير عنها في مواجهة الحروب الإمبريالية الأمريكية والإبادة الجماعية الجارية في فلسطين؛ وهو ما ذكّر به خافيير بارديم…

    Screenshot 2026 03 18 at 22.37.21

    بكل جذرية

    18 مارس، 2026
  • الوطن لا يُحمى بتخوين أبنائه 

    منذ بدأ العدوان الصهيو امريكي على إيران في 28 فبراير 2026، برزت أصوات في الفضاء العمومي المغربي تتهم كل من يرفض الحرب، أو يتحفظ على الاصطفاف فيها، بأنه "متأيّرن" أو "طابور خامس" أو "خائن للوطن". هذه ليست مجرد مبالغة بلاغية، بل انزلاق خطير نحو الإقصاء السياسي والتحريض الاجتماعي. مقال رأي لحمد الغفري.

    1200x680

    بكل حرية

    18 مارس، 2026