سعيدة وابتسام.. في الدفاع عن اقصى درجات الحرية

سعيدة وابتسام يضعان المجتمع والدولة على المحك. قليلة هي الأصوات التي تدافع اليوم على هاتين السيدتين المسلوبتين للحرية فقط لكونها عبرتا عن رأي سياسي بالنسبة لسعيدة ورأي متهكم ومستفز من الذات الإلهية بالنسبة لابتسام. افتتاحية الناس.
في الظاهر لا شيء يجمع بين سعيدة العلمي وابتسام لشكر. سعيدة وهي المعتقلة بسجن عكاشة بمدينة الدار البيضاء على خلفية التعبير عن آراء سياسة عبر تدوينات على الفايسبوك وابتسام لشكر، المعتقلة بسجن العرجات قرب الرباط، على إثر نشر صورة لها على نفس منصات التواصل الاجتماعي وهي ترتدي “تيشورت” كتبت عليها عبارة ” الله…مثلي الجنسية”. كل التصنيفات تفرق بين الناشطتين عبر منصات التواصل.
فسعيدة تنتمي لطبقة متوسطة فقيرة في مقابل ابتسام تنتمي لطبقة برجوازية صغيرة. اللغة المستعلمة من طرف سعيدة في نضالها الرقمي أو الميداني هي العربية الدارجة في مقابل لشكر تتقن لغات لاتينية متعددة وخاصة الفرنسية. مواضيع نضال سعيدة هي مواجهة الاستبداد وقمع الحريات السياسية والمدنية. وفي مقابل تواصل لشكر نضالها الفردي منذ إطلاق حركة “مالي”( الحركة البديلة للدفاع عن الحريات الفردية في المغرب) في 2009 من أجل الحريات الفردية والحق في حرية المعتقد وحرية الجسد. الجمهور المستهدف من طرف سعيدة هو في غالبيته “الجماهير” المحلية التي تحاول التأثير فيها من خلال خطاب سياسي بسيط وجذري. خطاب يجد صداه أيضا خارج المغرب، لدى جزء من مغاربة العالم الذي أصبحوا يتلقفون كثيرا من الخطاب المعارض لسياسات الدولة.
أما ابتسام فجزء من جمهورها هو أكيد محلي من الأقليات الدينية والجنسية والعدد القليل من المناضلين العلنيين من أجل الحريات الفردية، ولكن يبقى المستهدف الأول من نضالها موجه للمراكز الغربية التي تدعم هذا النوع من النضالات لأسباب ثقافية أو مصلحية أو أيدولوجية (صراع الحضارات بين عالم إسلامي ” متخلف” ونخب “حداثية” قليلة بهاته الدول تستحق حسبها الدعم). ورغم الكم الهائل من الاختلافات بين سعيدة وابتسام لكنهما يلتقيان في شيء أساسي وجوهري: رفعهن لسقف الحرية والتعبير عن الرأي في مجتمع الدين الواحد-الشامل والخطاب السياسي الواحد-المستبد.
لا معنى للحرية بدون تقبل أقسى وأقصى ممارسات حرية التعبير والرأي السلمية.
سعيدة وابتسام يضعان المجتمع والدولة على المحك. قليلة هي الأصوات التي تدافع اليوم على هاتين السيدتين المسلوبتين للحرية فقط لكونها عبرتا عن رأي سياسي بالنسبة لسعيدة ورأي متهكم ومستفز من الذات الإلهية بالنسبة لابتسام. هاتين المناضلتين ورغم الفوارق المذكورة في الفقرة السابقة يضعان خطاب الدفاع عن حرية الرأي والتعبير على المحك. لا نقاش ولا جدال أن خطابهما صادم ومستفز. ولكن لا معنى لحرية بدون تقبل أقسى وأقصى ممارسات حرية التعبير والرأي السلمية. والدفاع عن حرية التعبير والرأي يتطلب الدفاع عن حاملي مثل هاته الخطابات وان كانت هامشية وغير ذات إجماع داخل المجتمع. هنا التحدي الحقيقي في ممارسة الحرية. غير ذلك سنكون نمارس رقابة عن المجتمع من أجل التعبير عن مختلف الآراء والتوجهات وإن كانت لا تروق للأغلبية الساحقة من المغاربة. وهنا تكون مسؤولية الفاعلين في المجتمع الحقوقي والمدني وكذا في الفاعلين في الحقل القضائي.
الدفاع عن حرية التعبير والرأي يتطلب الدفاع عن حاملي مثل هاته الخطابات وإن كانت هامشية وغير ذي إجماع داخل المجتمع.
المجتمع المدني الحقوقي تفاعل مع مختلف القضايا التي توبعت فيها سعيدة العلمي بكثير من البرود والجبن. باستثناء الجمعية المغربية لحقوق الإنسان و”مجموعة شابات من أجل الديموقراطية” وعدد من المناضلين الميدانيين بمدن مختلفة، يواصل ” المجتمع المدني” المغربي ممارسة “سياسة النعامة” في موضوع الاعتقال السياسي وفي حالة سعيدة العلمي ورغم كونها امرأة فلم تقم الجمعيات النسائية بالدفاع عن هذه المعتقلة على خلفية التعبير عن أراء سياسية.
غير ذلك سنكون نمارس رقابة عن المجتمع من أجل التعبير عن مختلف الآراء والتوجهات وإن كانت لا تروق للأغلبية الساحقة من المغاربة.
في حالة ابتسام لشكر الوضع مختلف. مؤسسة حركة “مالي” لها علاقات وكذا صراعات مختلفة مع عدد من الفاعلين في الساحة الحقوقية والإعلامية. جزء من هؤلاء “الحقوقيين” وجدوا في سلب حرية لشكر فرصة لتصفية الحساب معها من خلال خطابات تتسم بالجبن وتقطير الشمع على شخص مسلوب الحرية والقدرة على الدفاع عن نفسه. نفس الممارسات تعاني منها سعيدة العلمي من طرف “صحافة التشهير” من خلال مقالات قذرة تحاول النيل من مواقفها.
القضاء يبقى مقيد بنص قانون جامح لكل أنواع حرية التعبير والرأي، إنه القانون الجنائي.
ويبقى القضاء آخر ملجأ للمعتقلتين والمتابعتين. لكن القضاء مقيد بنص قانون جامح لكل أنواع حرية التعبير والرأي، إنه القانون الجنائي. هذا النص القانوني الذي أصبح خارج زمن دستور 2011 وما يتضمنه من حدود دنيا بسمو المواثيق الدولية على القوانين الوطنية.
الممارسة القضائية أيضا تتسم بنزعة منهجية نحو قراءة محافظة لحرية التعبير والرأي منتصرة دائما لرأي الأغلبية و” حق المجتمع” (أي النيابة العامة) عضو حماية الأقليات.
الممارسة القضائية أيضا تتسم بنزعة منهجية نحو قراءة محافظة لحرية التعبير والرأي منتصرة دائما لرأي الأغلبية و”حق المجتمع” (أي النيابة العامة) عوض حماية الأقليات. ولعل اختيار تدبير الاعتقال الاحتياطي لهن دليل آخر على هذا التوجه رغم وضعهن الصحي الصعب. خلال هذا الخريف ستكون سعيدة العلمي على موعد مع محاكمة جديدة ومستمرة في حقها وستنطلق محاكمة ابتسام لشكر في جو مشحون ضدها. من خلال هاتين المحاكمتين سيكون القضاء المغربي على المحك مرة أخرى من خلال تدبير وحماية الأقليات السياسية والدينية في التعبير عن رأيها وإن كان صادما.









