الصحة، التعليم، التقاعد: إصلاحات متنازع عليها

بعدما تم ” انتخابها” على تعهد ب”بناء الدولة الاجتماعية”، تماطل الحكومة في تنفيذ إصلاحاتها الرئيسية: التعليم، والصحة، ونظام الضمان الاجتماعي. في حديثهما مع منصة ” الناس”، يكشف نقابيان، سياق هذا الدخول الاجتماعي الصعب على هذه الحكومة.
اعتقدت الحكومة أن عودة “هادئة “” إلى العمل هو ما ستدشن به سنتها الأخيرة في هذه الولاية الحكومية. ظهر رئيسها على التلفزيون بهدوء وحذر في حوار مسجل تم بثه على القناتين الرسميتين، ومن حديثه كان يحاول أن يُظهر واقعا لا تعرفه الغالبية العظمى من المغاربة. فالوزراء أداروا وزاراتهم براحة بال تامة. هكذا تحدث عن الأمور. لكن سرعان ما أظهر الواقع القاسي في هذا البلد الحقيقة المختبئة خلف حديثه الوردي، وهم عالقون الآن في حبال هذه الحقيقة: ثمانية نساء تفقدن حياتهن في مستشفى عمومي في ظروف مزرية.
هناك ثلاثة منها على الأقل: إصلاح نظام التقاعد، وإصلاح قطاع الصحة، والإصلاح الذي لا ينتهي لقطاع التعليم. المواطنون يحتجون . والحكومة، التي كانت واثقة من نفسها في السابق، هي الآن تتعثر .
في أكادير، المدينة التي عمدتها هو رئيس الحكومة بل وابنها، تظاهر مواطنون في شهر شتنبر هذا ضد الموت الذي يترصدهم في ردهات مستشفى أطلقوا عليه “مستشفى الموت”. الحكومة، التي كانت واثقة جدا، هاهي الآن تتعثر. و يجد وزير شاب عديم الخبرة نفسه في موقف حرج. يتغير الجو العام. تطفو على السطح قضايا حارقة، ثلاث منها على الأقل: إصلاح نظام التقاعد، وإصلاح قطاع الصحة، والإصلاح الذي لا ينتهي لقطاع التعليم.
الصحة في غيبوبة: هل فشل إصلاح جديد؟
يجري الإصلاح الحالي واللامتناهي لقطاع الصحة، والذي شمل إعادة هيكلة شاملة للهيكل التنظيمي للوزارة، وإنشاء وكالة جديدة (للأدوية، والدم، إلخ)، وتفكيك الخدمة العامة المركزية، ودمجها مع المجموعات الصحية الإقليمية (GTS)، في ظل توتر اجتماعي متزايد.
بين خطاب الإصلاح، والواقع على الأرض، وخصخصة القطاع مع دخول عمالقة المال، لم يتعافى قطاع الصحة من مرضه المزمن.
ورغم هذه الإصلاحات “الاستراتيجية”، فإن داء العطب قديم بقطاع الصحة وأعراضه تاريخية: نقص الموارد البشرية وندرة الموارد في المناطق المعزولة. وتظهر وضعيتان حديثتان مدى الأزمة التي يمر بها القطاع خلال الفترة المسماة ب “الإصلاح”: الوضع في أكادير والوضع الذي لم يتم تداوله بشكل واسع على وسائل الإعلام في إقليم زاكورة. فقد توفيت امرأة مؤخرا في المستشفى الإقليمي بسبب نقص الرعاية الصحية الكافي، مما أجج الغضب في المدينة. نظمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH) وقفة احتجاجية في المدينة مطلع شهر شتنبر على تدهور خدمات الرعاية الصحية. و شهد جنوب المغرب، وتحديدا في تزنيت، وقفة احتجاجية ثانية. احتشدت الفعاليات الاجتماعية في هذه المدينة الواقعة في منطقة سوس احتجاجا على تدهور الخدمات التي يقدمها المستشفى الإقليمي. في هذا السياق، بدأت الأطر الصحية و العاملون في مجال الرعاية الصحية عملهم هذا السنة، وأول من بدأ الاحتجاج من أجل التعافي الاجتماعي هم طلاب التمريض المطالبون بوظائف مالية إضافية في القطاع العام. وبين خطاب الإصلاح، والواقع الميداني، وخوصصة القطاع مع دخول عمالقة المال، لم ينهض قطاع الرعاية الصحية من سباته بعد.
التعليم الوطني: مدرسة بسرعتين، بين الريادة والفقر!
“يتميز العام الدراسي الحالي بالارتباك والصعوبات والتأخر في ولوج عدد من التلاميذ للمؤسسات التعليمية .”
شهد العام الدراسي 2024-2025 رسميا مشاركة 8.11 مليون تلميذ في جميع المراحل الدراسية (مرحلة ما قبل المدرسة، والابتدائية، والإعدادية، والتكوين المهني). ويقدم عبد الله غميمات، الأمين العام للاتحاد الوطني للتعليم (التوجه الديمقراطي)، تقييما صارما لوضعية القطاع: “يتميز العام الدراسي الحالي بارتباك وصعوبات وتأخير في ولوج عدد من التلاميذ للمؤسسات التعليمية. يمر التعليم العمومي في بلادنا بأزمة عميقة منذ عقود، ونواجه اليوم تدميرا ممنهجا للتعليم العمومي بسبب خيارات الدولة غير الشعبية وغير الديمقراطية. ورغم شعارات “الإصلاح”، يمر قطاع التعليم بمرحلة صعبة ومثيرة للقلق”، كما يوضح.
جملة قصيرة نطقت بها مديرة الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين (AREF) بطنجة-تطوان-الحسيمة، خلال لقاء تلفزيوني أجرته، تلخص الطموح الحقيقي للقطاع العمومي. قالت المسؤولة بفخر: “تلميذ واحد من مدارس الريادة يعادل 80 تلميذا من المدارس العمومية الأخرى!”. يهدف هذا النموذج الجديد، الذي نفذه، الوزير السابق، شكيب بنموسى، إلى إصلاح القطاع من خلال إنشاء مدارس نموذجية. لا يزال المشروع في مرحلته التجريبية، ويشهد تقدما ملحوظا هذه السنة، إذ تعمل الوزارة على توسيع نطاقه ليشمل 2500 مؤسسة، بدلا من 626 مدرسة. ويكمن الخطر الرئيسي في التخلي عن بقية المدارس العمومية، التي لن تصنف ك”مدارس ريادة”.
ومع ذلك، لا يزال الاكتظاظ في أقسام الدراسة سائدا: وهو يؤثر على 4% من الصفوف الابتدائية، و20% في المدارس الإعدادية، و10% في المدارس الثانوية، التي يزيد عدد تلاميذها عن 40 تلميذا في القسم الواحد.
ويتابع غميمات، الأمين العام للاتحاد الوطني للتعليم: “من سمات أزمة التعليم استمرار الاكتظاظ في المدارس، وتفاقم مشكلة الأقسام المشتركة في المناطق القروية”. علاوة على ذلك، شهد القطاع توظيف 18 ألف معلم. ومع ذلك، لا يزال الاكتظاظ في الفصول الدراسية شائعا: فهو يؤثر على 4% من أقسام المرحلة الابتدائية، و20% في المدارس الإعدادية، و10% في المدارس الثانوية، حيث يتجاوز عدد التلاميذ في القسم الواحد 40 تلميذا. ويندد ممثل النقابة بعدم وفاء الحكومة بالتزاماتها قائلا: “ظروف عمل المعلمين(ات) صعبة. الاستقرار المهني ضعيف. يضطر بعضهم إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مدارسهم. ويتفاقم الوضع بسبب عدم وفاء الحكومة بعدد كبير من الالتزامات التي تعهدت بها بين عامي 2011 و2024”.
ووضعت وزارة التربية الوطنية، للعام الدراسي الجديد، ثلاثة أهداف متواضعة، لكنها تُعبر بوضوح عن تأخر التعليم العمومي: “تحسين مهارات التعلم الأساسية في نهاية المرحلة الابتدائية (القراءة والكتابة والرياضيات)؛ ومكافحة الهدر المدرسي؛ وتطوير الأنشطة المدرسية (الرياضة والثقافة).
وما يزيد الطين بلة لهذا العام الدراسي الجديد، هو استمرار تراجع ترتيب المغرب الدولي. وهذا ما يشير إليه تقرير مؤشر العدالة العالمي لعام2024 ، الصادر في 3 شتنبر عن معهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بجامعة في شنغهاي. حيث يحتل المغرب المرتبة 110 عالميا في مجال التعليم، من أصل 182 دولة شملها التقييم.
التقاعد: إصلاح أم تراجع اجتماعي؟
عام قبل موعد إجراء الانتخابات، تعيد الحكومة إطلاق إصلاح نظام التقاعد. وتعتمد السلطة التنفيذية على الاتفاقية الاجتماعية المبرمة في أبريل 2023 لإضفاء الطابع الرسمي على هذا الإصلاح، وهي قضية شائكة ومعقدة. في 17 يوليوز، اجتمعت اللجنة الوطنية المسؤولة عن متابعة ملف التقاعد مع مكتب رئيس الحكومة، والأعضاء المعنيين في حكومته (وزارة المالية والتشغيل)، بالإضافة إلى ممثلي النقابات العمالية (الاتحاد المغربي للشغل، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد العام للشغالين بالمغرب)، وممثلي أرباب العمل (الاتحاد العام لمقاولات المغرب، ونقابة عمال الزراعة). وتهدف الحكومة إلى “التوصل إلى اتفاق حول آليات العمل والنهج الذي سيتم اعتماده بالتوافق، بهدف وضع إطار عمل مناسب لهذه القضية”. ولتحقيق هذه الغاية، من المقرر عقد اجتماع جديد للجنة في 18 شتنبر. ويتضمن جدول أعمال هذا الاجتماع أربعة بنود: أولها عرض لوضع أنظمة التقاعد المختلفة، والمؤشرات المتعلقة بالوضع الديمغرافي والمالي. ويمكن تلخيص الإصلاح الذي اقترحته الحكومة في ثلاثة إجراءات:
الإجراء الأول، والذي يوصف بإنه الأكثر إثارة للجدل، يتعلق بالزيادة التدريجية في سن التقاعد القانوني إلى 65 عاما لموظفي القطاعين العام والخاص. وقد أثار هذا الخيار، الذي تم اختباره جزئيا منذ إصلاح نظام التقاعد المدني لعام 2016، انتقادات لاذعة من النقابات، لا سيما في المهن الشاقة أو غير المستقرة. أما الإجراء الثاني، فيهدف إلى زيادة معدلات الاشتراكات، التي تعتبر حاليا “غير كافية” لضمان التوازن المالي للأنظمة. ورغم أن هذه الزيادة ستزيد المداخيل على المدى القصير، إلا أنها ستشكل عبئا إضافيا على أصحاب العمل والموظفين، في ظل مناخ اقتصادي متوتر.
الإجراء الثالث، الذي قد يثير انتقاد النقابات بشدة، يتعلق بالتجميد المؤقت أو التخفيض في إعادة تقييم المعاشات السنوية، بهدف احتواء الإنفاق. وهنا أيضا، تُشير النقابات إلى “هجوم على القدرة الشرائية للمتقاعدين الأكثر تواضعا”. ويؤكد البيان الصحفي الأخير للاتحاد المغربي للشغل معارضته لهذه الإجراءات. وأخيرا، تقترح الحكومة الانتقال إلى نموذج ثنائي القطب، يجمع في نهاية المطاف الأنظمة في قطبين رئيسيين: قطب عام وقطب خاص. وتدافع الحكومة عن “إصلاحها” لأنه سيحقق “توازنا ماليا لنظام المعاشات المدنية، الذي وفرت له له موارد مالية إضافية، مما يمكن من تأجيل تاريخ استنفاد احتياطياته المالية لمدة ثلاث سنوات، أي عام 2031 بدلا من عام 2028”. ومن المتوقع أن تسهم المفاوضات، التي بدأت للتو، في توضيح مصير هذا الإصلاح بشكل أكبر.
قانون العمل: هل تريد الحكومة تفكيك القانون؟
يرى حميد مجدي، منسق شبكة”تقاطع”، الناشط في الدفاع عن حقوق العمال في المغرب، أن هناك قضايا أخرى مطروحة على جدول الأعمال: “بالإضافة إلى استعداد الحكومة لتنفيذ مشروع ما يسمى ب “إصلاح نظام التقاعد”، بهدف تحميل الطبقة العاملة تكلفة هذا الإصلاح، فإن حكومة أرباب العمل هذه لا تذكر النهب الذي عانت منه صناديق التقاعد لعقود” على حد اتهامه.
الأدهى في المسألة هو دخول قانون الإضراب حيز التنفيذ في 25 شتنبر ، وهو ما يثير كذلك قلق شبكة ” تقاطع” وأعضائها. ويختتم مجدي قائلا: “إنه عمل خطير. لقد حاولنا، بكل ما أوتينا من قوة، التصدي لهذا الهجوم. ولكن مع إقرار قانون الإضراب هذا، الذي يجرد هذا الحق الدستوري من الشرعية القانونية وغير قابل للتطبيق على أرض الواقع، فإن الخطوات التالية تتمثل في مراجعة قانون الشغل وتكييفه مع ما يدعى أنه “سوق العمل”، ولكن الهدف الرئيسي هو تقويض حرية تكوين الجمعيات والاستقرار الوظيفي”.









