تسييس الأرقام وصناعة الإعاقة: نقد المرتكزات الفردانية في الرصد الإحصائي الوطني

Screenshot 2026 01 30 at 17.46.36

أطلقت كتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي مؤخرا البحث الوطني الثالث حول الإعاقة، وذلك في إطار شراكة مؤسساتية وطنية ودولية تشمل وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والمندوبية السامية للتخطيط، والمرصد الوطني للتنمية البشرية، وصندوق الأمم المتحدة للسكان

| منير خير الله : حاصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع

 وقد حدد القائمون على هذه العملية أربعة أهداف للبحث الوطني الثالث تتمثل في توفير قاعدة معطيات إحصائية محينة حول انتشار الإعاقة، وتحديد حاجيات الأشخاص المعاقين على المستوى الوطني والجهوي، بالإضافة إلى تقييم ولوجهم إلى الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وتشغيل مع تحديد الحواجز التي تحول دون ذلك. غير أن إنتاج المعطيات الإحصائية حول الإعاقة لا يمكن التعامل معه بوصفه تمرينا تقنيا محايدا، لأن  الأرقام لا تكتفي بوصف الواقع الاجتماعي، بل تساهم في تشكيله وتأطير طرق التدخل العمومي فيه. فاختيارات التعريف، وأدوات القياس، وأنماط تصنيف الإعاقة، كلها عناصر تحمل في طياتها منطلقات مفاهيمية تحدد مسبقا ما يحتسب إعاقة وما يستبعد من الإحصاء، وما يعرف كحاجز اجتماعي وما يعاد إرجاعه إلى خصائص فردية.

قراءة نقدية في منطق الأرقام حول الأشخاص ذوي الإعاقة

وانطلاقا من هذا المنظور، تسعى هذه المساهمة إلى تقديم قراءة نقدية في الأرقام المتوفرة اليوم حول الأشخاص ذوي الإعاقة بالمغرب، لا بهدف الطعن في ضرورتها، بل من أجل مساءلة المنطق الذي يحكم إنتاجها، والكشف عن الكيفية التي قد تتحول بها الإحصائيات، حين تبنى على مرتكزات فردانية، إلى أداة لتسييس الإعاقة عبر تقليص حجمها العددي، وتطبيع أشكال الإقصاء المرتبطة بها. كما تهدف هذه القراءة إلى إبراز أثر ذلك على فهم تجارب الأشخاص ذوي الإعاقة، وعلى توجيه السياسات العمومية المتعلقة بالولوج إلى الخدمات، وعلى إمكانات بناء سياسات دامجة قائمة على تفكيك الحواجز البنيوية لا على قياس العجز الفردي.

فعلى الرغم من التوفر المضطرد للمعطيات الإحصائيات الرسمية حول الأشخاص المعاقين في دول الجنوب خلال العقدين الأخيرين، تشير العديد من الدراسات إلى أن هذه البيانات لا تزال تطرح إشكالات عميقة وتفتقر إلى الدقة السوسيولوجية. ومن أجل إدراج 80 في المائة من حاجيات الأشخاص ذوي الإعاقة في برامج التنمية الدولية، شهدت العقود الأخيرة إطلاق مجموعة من المبادرات لمواكبة الدول ذات الموارد المحدودة في إحصاء الأشخاص ذوي الإعاقة. إلا أن انتشار نسبة الإعاقة ظلت تعد من الموضوعات شديدة التعقيد سواء في الدول المتقدمة أو تلك السائرة في طريق النمو. ويرجع سبب هذا التعقيد إلى اختلاف الأطر المفاهيمية والمقاربات المنهجية التي تشكل المدخلات الأساسية في عملية الإحصاء. إذ يؤدي هذا الاختلاف إلى تباين عميق ليس فحسب في طبيعة المعطيات المحصل عليها بل كذلك في تأويلها وبالتالي في الأجوبة السياسية المقدمة من سياسات وبرامج عمومية.

أرقام مثيرة للجدل

يشير الكثير من الدارسين إلى أن الإحصائيات الرسمية تتسم بكونها غير دقيقة ومثيرة  للجدل. ففي المغرب في الوقت الذي يسجل فيه العالم ارتفاعا في معدلات الإعاقة بسبب الأمراض غير المعدية وشيخوخة السكان، تسجل أرقام المندوبية السامية للتخطيط انخفاض ملحوظ في نسبة انتشار الإعاقة. فبينما تحدد منظمة الصحة العالمية نسبة انتشار الإعاقة عبر العالم في سنة 2023 في 16%، حصرته المندوبية السامية سنة 2024 بـ 4.8%، وهو أقل من المعدل الذي تم تسجيله قبل عشر سنوات في الإحصاء العام لسنة 2014 المتمثل في 5.1% ، بل وذهبت أبعد من ذلك وهو معدل يقل حتى عما تم تسجيله في أول بحث وطني حول الإعاقة عام 2004.

وعلى نقيض الأرقام العامة للمندوبية السامية للتخطيط، يقدم البحث الوطني حول الإعاقة الذي قامت بإنجازه وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية سنة 2014 تفاصيل أكثر عمقا، حيث يحدد نسبة انتشار الإعاقة في 6.8% وهو ما يعادل حوالي 2.264.672 شخصا). وتكشف نتائج هذا البحث عن حقائق سوسيولوجية هامة:

حيث تشير نتائج البحث الوطني إلى أن واحدة من كل أربع أسر مغربية تضم فردا معاقا على الأقل، وهو ما يعني أن 25% من المغاربة معنيون مباشرة بالإعاقة.

كما تعيد نتائج هذا البحث التأكيد على الارتباط القوي بين الجنس والإعاقة الذي تشير إليه المعطيات الإحصائية عبر العالم، حيث تشكل النساء 52.5% من الأشخاص ذوي الإعاقات الحادة، بل يذهب البحث الوطني إلى التأكيد على أن النساء هن الأكثر حرمانا من الولوج إلى الخدمات الأساسية.

وبغض النظر عن تضارب أرقامها، ترسم التقارير الرسمية صورة قاتمة للظروف المعيشية للأشخاص ذوي الإعاقة، ويتجلى ذلك في التباين الذي ينكشف لنا عند مقارنتها مع الأرقام المسجلة في صفوف باقي فئات المجتمع بمختلف المجالات:

فبينما تقدر نسبة تمدرس الأطفال غير المعاقين في 94%، نجد أن 73% من الأشخاص المعاقين لا يحصلون على أي مستوى تعليمي، وفقط 1.5% منهم ينجحون في الحصول على شهادة جامعية.

أما بخصوص سوق الشغل، تؤكد الأرقام الرسمية إلى أن شخصان فقط من كل عشرة أشخاص ذوي إعاقة يتمكنون من الحصول على عمل، مع تسجيل شعور عام بالتهميش لدى أغلب الأشخاص ذوي الإعاقة الذين تم توظيفهم  في السنوات الأخيرة.

الإحصاء وجدل المقاربات المفاهيمية

في اعتقادي، يكمن جوهر المشكلة في “المنطلقات المفاهيمية” التي تؤطر هذه الإحصائيات. فبينما يميل معظم النشطاء في حركة حقوق الإعاقة إلى الاعتقاد بأن أرقام البحث الوطني هي الأكثر صدقية في قراءة أوضاع الأشخاص المعاقين لكونها تعتمد نظريا “منهجية مجموعة واشنطن للإحصائيات في مجال الإعاقة” المبنية بدورها على “التصنيف الدولي للوظائف والإعاقة والصحة”، أو ما يسميه خطأ معظم هؤلاء الخبراء النموذج الاجتماعي. وفي الواقع، فإن الاعتقاد بصدقية إحصائيات البحث الوطني للإعاقة لمجرد أنه يعتمد منهجية دولية محكمة وموضوعية هو اعتقاد سطحي، حيث أن المندوبية السامية للتخطيط تدعي هي الأخرى أنها تعتمد تعريف الأمم المتحدة لما تسميه “المعاق”. ومن هذا المنطلق يمكن القول أن المندوبية السامية تهدف إلى قياس انتشار الإعاقة الحادة بينما يهدف البحث الوطني إلى قياس الأثر الاجتماعي للعجز؛ فقياس “الأثر” هنا لا يعني تحليل البنيات الاجتماعية، بل رصد حدود الأداء الفردي في التفاعل مع المحيط، دون مساءلة هذا المحيط نفسه، فهو الآخر يقوم على مقدمات النموذج الفردي للإعاقة وبالتالي ينبغي تسميته بالبحث الوطني للعجز بدل البحث الوطني للإعاقة.

ويمكن استنباط اعتماد البحث الوطني على مسلمات النموذج الفردي بشكل واضح في المحور المخصص للإحصائيات المتعلقة بالمعينات التقنية. إذ يمكن تسجيل ملاحظة محورية تتعلق بغياب تعريف دقيق للمعينات التقنية، يبدو أن البحث الوطني يميل بشكل حصري نحو اعتبارها أدوات تعويضية بدل معينات مساعدة خصوصا عند الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية. وهكذا يصبح الفهم الطبي أيديولوجية مؤسسة للبحث الوطني حول الإعاقة. وهو ما يتجلى عند تأويل المعطيات المحصل عليها، فمثلا نقرأ في البحث إلى أن “حوالي 37.5 في المائة من الأشخاص ذوي الإعاقة المتوسطة إلى العميقة يحتاجون إلى معينات تقنية”.  في الواقع، إن حصر التركيز على الحاجة إلى المعينات التقنية عند الأشخاص ذوي الإعاقة المتوسطة والعميقة وإغفال حاجيات الأشخاص ذوي الإعاقة الخفيفة هو مؤشر على مفارقة عجيبة تتمثل في استدماج القائمين على إنجاز البحث الوطني مثلهم في ذلك مثل فئات عريضة من المجتمع لاستعمال المعينات التقنية عند الأشخاص ذوي العجز الخفيف من قبيل ضعف البصر باعتبارها وسائل حيوية للقيام بالأنشطة اليومية. وهو ما يعني أن الأرقام الحقيقية للمعينات التقنية تفوق بكثير ما تم التصريح به.

شرعنة الإقصاء 

ومن جهة أخرى، يفسر البحث حرمان الأطفال من التعليم كنتيجة لـ “للوضع الصحي” وليس بسبب غياب إمكانية الوصول أو السياسات التعليمية الإقصائية. هذا التأويل لا يكتفي بوصف الإقصاء، بل يشرعنه، ويحول فشل السياسات التعليمية الدامجة إلى خاصية فردية ملازمة للطفل المعاق.

“إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تحسين دقة الأرقام فحسب، بل في إعادة توجيه وظيفة الإحصاء العمومي”. 

يظهر تحليل المعطيات الإحصائية الوطنية حول الإعاقة في المغرب أن التباين القائم بينها لا يمكن اختزاله في اختلافات تقنية أو منهجية معزولة، بل يعكس في عمقه اختيارات إبستيمولوجية وسياسية تؤطر طريقة تعريف الإعاقة وقياسها، وبالتالي طريقة التدخل العمومي في معالجتها. فحين يتم حصر الإعاقة في القصور الوظيفي الفردي، وتختزل في درجات طبية قابلة للقياس، فإن الإحصاء لا يكتفي بوصف الواقع، بل يساهم فعليا في إعادة إنتاج إعاقة مخففة عدديا ومفرغة اجتماعيا.

” من عد الأجساد إلى قياس الحواجز، ومن إحصاء العجز إلى تشخيص شروط الإقصاء البنيوي”.

إن هذا المنظور الفرداني، الذي يطبع جل الإحصائيات الرسمية، يفضي إلى سياسات عمومية انتقائية، تستهدف فقط فئات محدودة تصنف ضمن الإعاقة “المتوسطة أو العميقة”، وتقصي شريحة واسعة من الأشخاص ذوي الإعاقة الخفيفة أو غير المرئية، رغم كونهم يواجهون حواجز بنيوية يومية في التعليم، والتشغيل، والنقل، والولوج إلى الفضاءات والخدمات. وهكذا تتحول الأرقام إلى أداة لإعادة ترتيب الأولويات العمومية، لا انطلاقا من حجم الإقصاء الاجتماعي، بل وفق ما تسمح به مقاييس العجز الفردي.

” وهو ما يستدعي ملاءمة أدوات الرصد الإحصائي مع التزامات المغرب الدستورية والدولية، خاصة اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وربط البحث الوطني حول الإعاقة مباشرة بتصميم السياسات العمومية”. 

كما أن ربط حرمان الأطفال من التمدرس أو إقصاء البالغين من سوق الشغل بوضعهم الصحي، بدل ربطه بغياب الولوجيات والسياسات الدامجة، يسهم في إزاحة المسؤولية من الدولة إلى الأفراد، ويضفي طابعا “طبيعيا” على الإقصاء الاجتماعي، بما يحد من مساءلة السياسات التعليمية والتشغيلية والعمرانية. وفي هذا السياق، تصبح الإحصائيات نفسها جزءا من آليات إنتاج اللامساواة، بدل أن تكون أداة لتفكيكها.إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تحسين دقة الأرقام فحسب، بل في إعادة توجيه وظيفة الإحصاء العمومي من قياس الأجساد إلى قياس الحواجز، ومن إحصاء العجز إلى تشخيص شروط الإقصاء البنيوي. وهو ما يستدعي ملاءمة أدوات الرصد الإحصائي مع التزامات المغرب الدستورية والدولية، خاصة اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وربط البحث الوطني حول الإعاقة مباشرة بتصميم السياسات العمومية، لا باعتباره تمرينا تقنيا محايدا، بل كأداة سياسية حاسمة في توجيه اختيارات الإدماج الاجتماعي والعدالة المجالية

مقالات أخرى
  • الإسلاميون المغاربة وأحداث سبتة: بين مطلب التحقيق وتشخيص أزمة الانسداد

    دخل أكبر مكونين في المعارضة الإسلامية، حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، على خط موجة الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، التي خلفت عشرات الضحايا والمفقودين. وبينما اختلفت لغة البيانين وسقفهما السياسي، فقد التقيا في تحميل السلطات مسؤولية تدبير الأزمة، وانتقاد الصمت الرسمي، والدعوة إلى كشف حقيقة ما جرى.  العدالة والتنمية: لجنة تحقيق وتحذير من أزمة…

    مع الناس

  • الداخلية تقدم روايتها الرسمية لأحداث سبتة

    في أول تفاعل رسمي للسلطات المغربية مع أحداث الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، أكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية أن مختلف المعطيات التي تم تجميعها وتحليلها أبانت أن هذه الأحداث "لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية، وإنما جاءت نتيجة تفاعل عدة عوامل متداخلة، في مقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضلَلة، ودور عصابات…

  • المنسيون..هدم بدون تعويض بالمدينة القديمة للدار البيضاء 

    تجددت بداية هذا الأسبوع الجاري د ساكنة المدينة العتيقة بالدارالبيضاء ب"المحج الملكي" سابقا، ممن تعرضت بيتوهم للهدم، حيث اجتمعوا أمام مقر الولاية رافعين شعارات ويافطات تطالب بإنصاف ممن لم يستفيدوا من التعويض عن ترحيلهم من بيوتهم، وتعددت الحالات واتفقت على ما تلقته من جواب إداري حول عدم ظهور أسماء حوالي 120 مواطنا ومواطنة في قوائم…

    IMG

    مع الناس