موت في المغرب واحتفال بـ” موروكو”

بين «لمغرب» و«موروكو» لا توجد سرعتان. هذه عبارة منمّقة، زائفة، جرى تسويقها بعناية لإخفاء أكثر مما تكشف واقع التفاوتات الطبقية والمجالية والحضرية العميقة في المغرب. داخل البلد نفسه، يتعايش عالمان، بلدان في بلد واحد، ورؤيتان متناقضتان للتنمية وللمستقبل. مقال رأي.
” المغرب “، أو بالأحرى «لمغريب» أو «الموغريب»، ليس مفهومًا تجريديًا، بل هو واقع معاش يتجسد في مدن وقرى وأحياء هامشية داخل كبريات الحواضر المغربية، عالقة في أزمات تنموية وعمرانية لا تنتهي. هو فقر غير مدقع، لكنه خانق؛ فقر لا يقتل مباشرة، لكنه يُبقي الناس في حالة اختناق دائم، تحت وطأة الهشاشة وغلاء المعيشة، وإحساس مستمر بـ«الحكرة».
” لمغرب” هو سكان حي المسيرة بفاس، الذين لقوا حتفهم بالعشرات إثر انهيار منزلين.
” لمغرب” هو ساكنة آسفي وتزنيت وغيرها، التي تموت بالعشرات جراء الفيضانات كل سنة.
“لمغرب” هو ساكنة آسفي وتزنيت وغيرها من المدن، التي تحصد الفيضانات أرواحها كل سنة.
“لمغرب” هو سكان المدن العتيقة بالدار البيضاء وفاس ومراكش، الذين تتداعى منازلهم مع كل تساقط مطري.
“لمغرب” هو الأطلس الكبير والمتوسط والصغير؛ عالم قروي جبلي لا يُنظر إليه كمجال مهمش أو منسي فقط، بل كـ«عائق في طريق التنمية». فلاحون صغار، في غالبيتهم أمازيغ، يُلامون لأنهم «اختاروا» فلاحة معيشية ضعيفة الإنتاج بدل التخلي عن أراضيهم للفلاحة التصديرية التي يهيمن عليها «موروكو» وشركاؤه.
«لمغرب» هو عشرات المدن التي تعيش كل صيف بدون ماء صالح للشرب.
وهو أيضًا مدن متوسطة الحجم نمت بلا تخطيط حقيقي، أو بتخطيط لم يُنفذ، ففقدت القدرة على التحكم في توسعها العمراني، مثل سلا وتمارة وإنزكان وشيشاوة والرحمة وليساسفة بالدار البيضاء… مدن يسكنها «لمغاربة» خُلقوا عمليًا لخدمة مدن «موروكو» المجاورة: الرباط، أكادير، البيضاء–أنفا.
” لمغرب” هو المئات من المعتقلين اليوم في سجون النظام لأنهم عبّروا عن رأي، أو كتبوا تدوينة، أو نشروا أغنية. منهم سعيدة العلمي، وسجناء حراك الريف، ومحمد زيان.
«لمغرب» هو مئات المعتقلين اليوم في سجون النظام بسبب رأي، أو تدوينة، أو أغنية. من بينهم سعيدة العلمي، معتقلو حراك الريف، ومحمد زيان.
وهو أيضًا شباب جيل «Z» الذي يرفض «مونديالًا» يُقام على حساب أي أمل حقيقي في إصلاح الصحة والتعليم.
هذا هو “المغرب”… الذي ينظر إليه «موروكو» بامتعاض واشمئزاز.
هذا هو «لمغرب»… الذي تنظر إليه «موروكو» بازدراء واشمئزاز.
أما «موروكو» فهو بلد متخيَّل، صنعته نخبة هجينة عابرة للطبقات والتيارات؛ تضم يساريين وإسلاميين ومخزنيين قدماء، بل وحتى شرائح من طبقة وسطى جرى إفقارها. ما يجمعهم هو كره مستجد لـ«لمغرب»، واعتقاد راسخ بأن «لمغاربة» هم سبب تخلف بلدهم المتخيَّل.
سكان «موروكو» مهوسون بالوطنية وكرة القدم. منذ إنجاز قطر 2022، لا أحد يستطيع أن يحدّ من شعورهم المتباهي.
سكان «موروكو» ينظمون حملات موسمية للنظافة والتضامن والتوعية في الجبال، ومع ضحايا الفيضانات وأطفال الشوارع، فقط كي لا يضطروا لرؤية انعكاس صورتهم في مرآة قاسية اسمها «لمغرب».
تجار «موروكو» هم أصحاب «موروكو مول» وباقي الفضاءات التجارية الكبرى و«مرجان» وأخواتها. نشاطهم الأساسي ريعي: استنزاف جيوب فقراء «لمغرب».
سكان «موروكو» يحبون «مغرب 2030» لأنهم هواة «الهمزة». اشتروا شققًا وفيلات من أجل كرائها خلال كأس إفريقيا وكأس العالم.
فلاحو «موروكو» هم إقطاعيون مغاربة وأجانب، استولوا على الأرض والماء والبذور من أجل فلاحة تصديرية موجهة للأسواق الخارجية.
سكان «موروكو» هم المستفيدون من ثمار تنمية خادعة. يتنقلون بسلاسة على محور طنجة–مراكش بفضل القطارات الفائقة السرعة والطرق السيارة، وعندما يضيقون بـ«المغاربة المتخلفين»، يقضون عطلة قصيرة في «أوروبا» بتذكرة منخفضة الثمن من شركة «لوكوست».
«موروكو» بلد مهووس بالوطنية وكرة القدم. منذ إنجاز قطر 2022، صار التقدم يُقاس بعدد المباريات التي فاز بها المنتخب.
بلد «إنستغرامي» يتناسى أن أغلب صناع الإنجازات الرياضية هم أبناء مغرب الهامش، سواء داخل الوطن أو في صفوف الجاليات الهاربة من البطالة والفقر.
سكان «لمغرب» يعشقون الكرة بدورهم؛ لحظة فرح جماعي نادرة. لكن حكّام «موروكو» لا يريدون جمهور «لمغرب» في الملاعب لأنه «مشاغب». لذلك رُفعت أثمنة التذاكر إلى مستويات خيالية، وأُغلقت الأبواب أمام الطبقات الشعبية، خاصة مع تفشي السوق السوداء التي تتحكم فيها مافيات مرتبطة بـ«موروكو».
سكان «موروكو» يعشقون «مغرب 2030» لأنهم مولعون بـ«الهمزة». اشتروا شققًا وفيلات لكرائها خلال كأس إفريقيا وكأس العالم، غير مبالين بأن هذا الجنون العقاري عمّق أزمة السكن لدى ساكنة «لمغرب»، خصوصًا في طنجة والرباط ومراكش.
بين «لمغرب» و«موروكو»، كان من المفترض أن تكون الدولة حكمًا عادلاً. دولة تحمي الجميع، وخاصة الفئات الهشة. لكن الدولة، في تركيبتها، جزء من «موروكو». تحمي وتُشجّع اغتناء «المغرب الصاعد» مقابل تفقير وتهجير «المغرب الخاسر».
ولمنع «لمغرب» من الانتفاض، شدد «المخزن الأمني» قبضته. صار الحكم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بيد الولاة والعمال والقياد والباشوات والكوميسيرات، مدعومين بأجهزة استخبارات وإعلام تشهير وتضليل.
أما «موروكو» فيحكمه شكليًا «باطرون كبير» وحكومة من أصحاب الشركات، وبعض الانتهازيين و«الخبراء» المكلّفين بمهام تدبير واستنزاف ثروات «لمغرب» لصالح حكام «موروكو” الحقيقيون.
أما «موروكو»، فيُحكم شكليًا من طرف «باطرون كبير» وحكومة رجال أعمال وانتهازيين و«خبراء»، مهمتهم إدارة النهب وتضارب المصالح، في خدمة الرأسمال الكبير المحلي والأجنبي.
فليذهب «موروكو» إلى الجحيم.
وعاش المغرب… ولا عاش من خانه.









