في قلب الرباط، يخيّم شبح الإخلاء على “دوّار العسكر”

أثار الإعلان عن هدم “دوّار العسكر” في حي العكاري بالرباط موجة من القلق في صفوف سكان الحي. وتندرج هذه العملية ضمن مشروع واسع يهدف إلى إفراغ وسط مدينة الرباط من فئاتها الشعبية. روبرتاج.
في زوال يوم الاثنين 3 فبراير، نظّم سكان حي العكاري الشعبي، المعروف باسم “دوّار العسكر”، وقفة احتجاجية للتعبير عن رفضهم لقرار هدم منازلهم وإعادة إسكانهم في مدينة تامسنا.
يقول أحد السكان المسنين، وهو جندي متقاعد: “هذا حي عسكري، ومن دشنه؟ الملك هو من منحنا هذه المنازل كعربون تقدير لتضحيات العسكريين. هذه ليست أحياء صفيحية. ربما هناك 2% فقط من المساكن غير نظامية، أما الباقي فهي منازل قائمة وحي منظم”.
هذا القرار، بحسب السكان، يبعدهم عن محيطهم التاريخي والبيئي، ويثير في نفوسهم مشاعر الغضب والحيف.
هذا القرار، بحسب السكان، يبعدهم عن محيطهم التاريخي والبيئي، ويثير في نفوسهم مشاعر الغضب والحيف.
“لن نرحل!”
منذ اللحظات الأولى التي تطأ فيها قدماك دوّار العسكر، تلوح لك بوضوح علامات الهدم. أشغال تدمير المنازل قد انطلقت بالفعل، جرافات ضخمة تعمل دون توقف، ومجموعات من العمّال ينشطون في حي سكني تحوّل إلى ورشة مفتوحة.
في قلب الحي، غير بعيد عن نقطة التدشين التاريخية، تجمّع عدد من السكان من بينهم عسكريون متقاعدون، أرامل، نساء مطلّقات، أمهات مع أطفالهن، وشباب، للتعبير عن “سخطهم تجاه هذا القرار” الذي يعتبرونه “تهديداً مباشراً لحياتهم ومستقبلهم”.
نحن لا نرفض أن تُنظم الدولة المجال العمراني. نحن لسنا متطفلين. من يحدثكم هو بطل من أبطال المغرب، بطل منسي
يقترب منا شيخ غاضب ويحتج بصوت مرتفع، مذكّراً بأهمية هذا الحي من الناحية التاريخية، بعيداً عن الصورة النمطية لحيّ صفيحي. وبعيداً عن رفضهم للمشاريع العمرانية الجديدة في الرباط، يؤكّد السكان على حقهم في البقاء في الحي الذي بنوا فيه حياتهم.
يقول نفس المتحدث: “نحن لا نرفض أن تُنظم الدولة المجال العمراني. نحن لسنا متطفلين. من يحدثكم هو بطل من أبطال المغرب، بطل منسي”.
ويضيف، مشيراً إلى الضغط العقاري المتزايد: “الذين يطمعون في هذه الأرض لا يرون سوى قيمتها السوقية: خمسة ملايين للمتر المربع. يريدون طردنا لبناء مشاريعهم على أنقاضنا”.
مشاريع البنية التحتية المرتبطة بكأس العالم 2030 تغذي شعورًا بالظلم
لا يعارض السكان تطوير المدينة، ولكنهم يطالبون بحلول عادلة. يقول الشيخ المسن: “ما نطلبه هو أن يجدوا لنا حلاً. هذا كل ما نطلبه”.
إضافة إلى ذلك، فإنّ مشاريع البنية التحتية المرتبطة بكأس العالم 2030 تغذي شعورًا بالظلم: “إنهم يريدون جلب أناس من الخارج، أجانب، وتركنا نحن في الخارج، رغم أن هذا وطننا. لقد حاربنا من أجل المغرب. والآن، يريدون إرسالنا إلى الصحراء؟ هذا ليس عدلاً. كيف لي أن أترك الرباط، حيث نشأت؟” بالنسبة لهذا المواطن، المعركة هي معركة الكرامة: “حتى وإن هدموا منزلي، فأنا لست ضد الدولة، ولا ضد الحكومة، ولا ضد المسؤولين. نحن ببساطة نستنكر الظلم. وما نتعرض له هذا العام هو ظلم بحد ذاته. لماذا يفرضون علينا ذلك؟ من أجل 2030؟ ونحن، أين سنكون حينها؟
مشاريع 2030 على حساب السكان
يؤكد السكان أن حيهم لا يمكن أن يُعتبر حيًّا صفيحيًا، ويذكرون أنه تم تدشينه من قبل الملك الحسن الثاني إلى جانب ولي العهد آنذاك، كهدية ملكية مخصصة للجنود، من بينهم بعض المصابين في ساحة المعركة. “الملك لا يمكنه تدشين حيّ صفيحي”، كما يردد النساء، المسنون والشباب الذين يرفضون بشكل قاطع فكرة نقلهم من مدينتهم إلى مناطق بعيدة عن المدينة. ومن بين هؤلاء، أشخاص يعانون من أمراض مزمنة وآخرون مسنون يعتمدون على رعاية طبية تتطلب قربهم من المنشآت الصحية.
مصدومون من هذا القرار المفاجئ، يندد السكان بسياسة السلطات التي تهدف إلى تشكيل واجهة حضرية جديدة لعام 2030، سنة كأس العالم، حتى وإن كان الثمن التضحية بحقوق الفقراء. وفقًا للمتظاهرين، فإن القيمة العقارية أصبحت تتفوق على حق المواطنين في السكن.
نحن نعيش هنا منذ ستة وثلاثين عامًا. هذا ليس عدلاً. الجميع متأثر. بعضهم يعيش هنا منذ ستين عامًا. هناك أشخاص تحت الأوكسجين، أرامل، يتامى.
تقترب منهم شابة، وصوتها يرتجف من الغضب: “لا يمكننا العيش في مكان آخر. إذا رحلنا، ستكون النهاية. طفلي مريض، نعيش أربعة في غرفة واحدة.”
وتضيف، وهي تكاد تذرف دموعها: “نحن نعيش هنا منذ ستة وثلاثين عامًا. هذا ليس عدلاً. الجميع متأثر. بعضهم يعيش هنا منذ ستين عامًا. هناك أشخاص تحت الأوكسجين، أرامل، يتامى…”
وتضيف قائلة: “إذا لم يجدوا حلاً، إلى أين سأذهب مع أطفالي؟ نحتاج إلى حل عاجل. وإلا، لن نغادر. من يريد المغادرة فليغادر، أما نحن، فسنظل هنا حتى الموت.”
يعبّر ياسين، شاب من الحي، عن غضبه واستنكاره للوضع قائلاً: “أريد أن أوجه رسالة إلى والي الرباط. عليه أن يتحلى بالعدالة. الرباط تتطور، ولكن نحن؟ لم يأتِ أحد ليخبرنا عن أي شيء. معظم المنازل تم تدشينها من قبل الملك. إنه مرسوم ملكي الذي سمح لنا بالعيش هنا.”
ويختتم قائلاً: “يريدون نقلنا إلى تامسنا، إنه ترحيل قسري إلى هذه المنطقة دون أي مبرر مقبول لذلك.”
يريدون نقلنا إلى تامسنا، إنه ترحيل قسري إلى هذه المنطقة دون أي مبرر مقبول لذلكريدون نقلنا إلى تامسنا، إنه ترحيل قسري إلى هذه المنطقة دون أي مبرر مقبول لذلك
لساعات طويلة، تجمّع السكان حول العلم المغربي، مطالبين بحل لحماية منازلهم ووقف مشروع الهدم. “لن نغادر، هنا بنينا حياتنا”، تقول سيدة مسنّة، وهي تحدق في المحيط.
ومن الجدير بالذكر أن العديد من الأحياء السكنية للعسكريين المتقاعدين وكذلك بعض ثكنات القوات المسلحة الملكية قد واجهت نفس المصير في الدار البيضاء وبرشيد خلال السنوات الأخيرة. فقد تم تسليم هذه الأراضي الواسعة إلى مجموعات عقارية تملكها شخصيات سياسية بارزة، بهدف بناء مساكن ذات مستوى متوسط وعالي.









