ما وراء الهروب الكبير: وطن في الإنعاش

خالد البكاري: أستاذ جامعي وباحث

أنهى ملك البلاد خطابه، الذي عدد فيه المنجزات التي تم تحقيقها خلال 27 سنة من الحكم، مركزا على ما تحقق في السنوات الأخيرة.

كنت انوي أن أكتب بعدها:

يا ملك البلاد، إن ارتفاع نسبة النمو، لا يستفيد منه إلا أقلية مستأثرة بالسلطة والثروة.

وفي السنوات الأخيرة التي تحقق فيها ما جاء في خطابكم، ارتفعت ثروات الأغنياء، وخصوصا المستفيدين من اقتصاد الريع والاحتكار، فيما زاد عدد الفقراء، وارتفعت نسبة البطالة، وتراجع الدخل الفردي للأسر قياسا لارتفاع الأسعار، وهو ما وثقته حتى تقارير المؤسسات الوطنية المعنية كبنك المغرب، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمندوبية السامية للتخطيط.

لم اكتب ذلك، لأن الجميع يعرفه، وحتى ملك البلاد نفسه أقر في خطب سابقة، بفشل النموذج التنموي السابق، وبأن المغرب يسير بسرعتين، وبأن النتائج المحققة على مستوى النمو وجلب الاستثمارات وبعض القطاعات الصناعية، لا تصل ثمارها إلى أغلبية المواطنين، وأقر أن ثمة عطبا بنيويا على مستوى العدالة الاجتماعية والمجالية.

ولم اكتبه، كل مرة أنوي الكتابة، أتذكر أن أغلب أصدقائي المقربين إما في السجن وإما خارج البلاد بحثا عن فضاءات للحرية، وأنا لا أطيق سجنا، ولا اطيق أكثر الرحيل.

في اليوم الموالي للخطاب، كان أعضاء الحكومة، والولاة والعمال، ومسؤولو المؤسسات والأجهزة ذات النفوذ بالبلاد، وزعماء الأحزاب السياسية، وممثلو المنتخبين والأعيان، والعديد من الشخصيات المحظوظة، جزء من المشهد المؤثث لإحياء طقوس عيد العرش بالقصر الملكي بتطوان، فيما كان الآلاف من المواطنين يفرون من “الأرض المحررة” إلى “الأرض المحتلة” بحثا عن الخلاص.

ما كان يحدث، كان أبلغ من أي كتابة، سواء كانت صريحة أم مرموزة.

اجتهد كثيرون في الجواب عن سؤال: من هي الجهة التي وراء الهروب الكبير؟

وكأن هذا يحدث أول مرة.

وفي كل مرة تتكرر الواقعة، يجتهد أصحاب مدرسة “الرأي” في اختراع جهة ما تحرك الخيوط، أو تشييد “رواية” تحول المأساة إلى عبقرية استراتيجية. غير منتبهين أن الحادثة تتكر بالصيغة نفسها، وما يختلف من محطة لأخرى هو ازدياد كتلة “الهاربين”.

 لم تتوقف يوما حركية العبور المأساوي، تخف الوتيرة، ثم ترتفع في لحظات ما تبدو للمرشحين للفرار تحمل إمكانيات أكبر للنجاح.

 منذ يناير من هذه السنة فقط، مات حوالي 30 شخصا غرقا في محاولاتهم العبور سباحة نحو سبتة المحتلة قبل يوم “الوقوف” على الجبل القريب منها، والسعي بين “طراخال” و”الفنيدق” والقيام بمناسك الحج في سبتة طوافا. لينضافو إلى أزيد من 100 آخرين ةحسب تصريحات رسمية إسبانية قضوا غرقا في يوم واحد (الخميس الأسود).

كانوا ينوون الرحيل من المغرب، فكان الرحيل الأبدي من دنيا فانية.

هذا دون حساب من غرقوا في ممرات “الحريك” الأخرى المتوسطية والأطلسية.

فلماذا نجتهد في البحث عن “متهمين” بتحريك الوقائع من خلف ستار، وننوع الأسماء والجهات والأجهزة والمؤامرات، فيما الوحش المفترس مقيم بيننا؟

 إن الأسباب الحقيقية هي للأسف عناصر بنيوية في كيفية إدارة الدولة للأسف، أما من نوجه لهم أصابع الاتهام سواء في الداخل أو الخارج، سواء اعتبرنا الأمر مؤامرة على الملك في عيد عرشه، أم مؤامرة على بيدرو سانشيز بسبب مواقفه، فلا يعدو ان يكونوا مستفيدين من تلك الأسباب إذا صحت تلك الفرضيات المتناقضة.

  يجتهد آية الله التبريري، فيصور المأساة عقابا من أجهزة مغربية (شكون هي؟) لبيدرو سانشيز بسبب زيارته للجزائر.

ويقدم بلاده بهذا التبرير البليد في صورة دولة مارقة تتدخل في الشؤون الخارجية لدول ذات سيادة، وفي أمور لا تهدد مصالح المغرب، ولا علاقة له بها، فإسبانيا أو غيرها من الدول مطالبة بحل مشكل الغاز مع اقتراب الشتاء، في ظل ما يقع في مضيق هرمز، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية.

ويقدم خبراء “الجيوبوليميك” الواقعة في إطار التحالف الاستراتيجي بين المغرب وإسرائيل وأمريكا، والذي بموجبه سنسترجع سبتة ومليلية.

 سنسترجع سبتة ومليلية، ليس بالاقتصاد المتقدم، ولا بالقوة العسكرية الحاسمة، بل بجثث البؤساء، ودموع الأمهات الفقيرات، والصور العابرة للقارات للوجوه البائسة.

 ويستمر هذيان “الجيوبوليميكيين” حتى وواحد من اكبر المؤثرين في السياسة والاقتصاد وصناعة الصورة في العالم، يقدمنا عبر فيديو في صورة الزومبي، ذاك ما فعله إيلون ماسك.

 حتى وترامب نفسه، يستغل تلك المشاهد في حملة الحزب الجمهوري السابقة لأوانها، ليهدد الكتلة الناخبة بأن مصير أمريكا سيكون كمصير إسبانيا إن لم نتشدد في قوانين الهجرة، ولم نحم حدودنا من “الغزاة” القادمين على صهوة الفقر والحرمان.

 لقد تحولنا إلى مجرد ذريعة يستعملها اليمين في العالم لتخويف شعوب أوروبا وأمريكا الشمالية. لدرجة أن تكتب “الإندبيندنت” مقالا بعنوان: هل السفر إلى المغرب آمن؟

وحتى سردية عقاب بيدرو سانشيز بأيد مغربية على مواقفه من حرب الإبادة في غزة، ومنعه لاستعمال المطارات الإسبانية في الحرب الأمريكية الصهيونية ضد إيران تبدو لي غير مقنعة، وإن استثمر الاشتراكيون الإسبان هذه “الذريعة” في النقاش العمومي الذي كان يميل أول الأمر إلى تغليب كفة اليمين، قبل أن يستعيد بيدرو سانشيز زمام المبادرة، ببلاغته وسرعة تحركه.

 غير مقنعة بالنسبة لي، لأن المغرب من جهة يعرف ان ذلك سيمهد لوصول تحالف اليمين الشعبي واليمين المتطرف للحكم في أي انتخابات قادمة، مما لا يخدم مصالح المغرب في كل الملفات التي لها ارتباط بالعلاقات المغربية الإسبانية (سبتة ومليلية، الصحراء، الهجرة، الاتفاقيات الفلاحية واتفاقيات الصيد البحري، الاستثمارات الإسبانية بالمغرب،،،). ونتذر جميعا مرحلة حكومة الزعيم السابق للحزب الشعبي خوصي ماريا أثنار (يمثل اليوم مرجعية تاريخية للحزب)، وكيف تصرف في أزمة جزيرة ليلى/إلبيريخيل، وكيف كانت الطوافات العسكرية الإسبانية تحلق قريبا من إقامة الملك في الحسيمة مستغلة استمرار السيادة الإسبانية على جزيرة “النكور”، وكيف منع شاحنات التصدير المغربية من العبور عبر الموانئ الإسبانية بعد رفض المغرب تجديد اتفاق الصيد البحري الذي كان اتفاقا لا يخدم سوى مصالح لوبي المستثمرين الإسبان.

 ولأنه لا أتصور أن يختار المغرب توقيت يوم عيد العرش لتنفيذ هذه “المؤامرة”، والتي لن يجني منها شيئا ذا قيمة، لا مرحليا ولا استراتيجيا.

 المؤسف أن من يقدمون أنفسهم في صورة “الزلايجي” المدافع عن العرش، يروجون لمقطع من برنامج “أوريزونتي”، يقول فيه “خبير” إسباني إن المغرب نجح في أن ينتبه العالم إلى ان سبتة ومليلية توجدان في إفريقيا.

 والحقيقة ان ذلك “الخبير” ليس سوى الكولونيل المتقاعد بيدرو بانيوس، وهو يميني متطرف، ومن أبرز الوجوه المروجه لخطاب الكراهية تجاه المهاجرين وتجاه المغرب، ومن المتشددين في ملف سبتة ومليلية، والداعين لتعزيز الحضور العسكري بها، والتعامل مع المغرب بحزم وحصاره اقتصاديا، ويقدم المغرب دائما باعتباره الخطر الاستراتيجي على إسبانيا، ويعود حتى لزمن ما يسميه الإسبان “حروب الاسترداد”، اما المقطع المروج له، وهو مجتزأ من حديثه عن ضرورة ما يسميه “تأديب” المغرب.

في الهروب الكبير سنة 2021 اختار المغرب نهج التصعيد مع إسبانيا، وقال وزير الخارجية آنذاك عن المغرب ليس دركيا لأي أحد، خصوصا وأن ازمة دبلوماسية بين البلدين كانت قائمة، وتطورت بعد ليلة الهروب تلك.

 اليوم، تحركت القوات العمومية بعد 24 ساعة فقط من “الهروب الجديد”، ومنعت العبور إلى الثغر المحتل بالاستعمال المفرط للقوة، وعاد المغرب لدور الدركي، مغلفا ذلك الدور في عبارات: أمن الحدود، التزامات المغرب في محاربة الهجرة “غير الشرعية” وذلك في تصريح قدمه موظف في الداخلية نيابة عن الدولة الصامتة، مما يبين ان مياها كثيرة مرت تحت الجسر وبسرعة، ادرك من خلالها المسؤولون في المغرب وإسبانيا أن ما يحدث ليس في مصلحتهما، وهو ما يفسر تشابه مضمون الخطابات الرسمية المفسرة لما وقع، وغير المقنعة.

  ليس الغرض هو نفي ان جهة ما (داخلية أو خارجية) كانت لها يد “مساعدة” فيما حدث، فثمة أمور فيها نوع من الغموض، من مثل تخفيف إجراءات المراقبة في المعابر، وهو الذي أكدته تقارير إعلامية وحقوقية، ولا يمكن تبرير ذلك بتعزيز الإجراءات الأمنية المواكبة لعيد العرش مما أثر على تعزيزها في المعابر، فذلك عذر أقبح من الزلة، حتى بالمعايير الأمنية المرتبطة بعيد العرش ووجود الملك في المضيق قريبا من الفنيدق، مما يقتضي تعزيز المراقبة أكثر على سائر المجال القريب من تحركات الملك.

عود على بدء:

 إن انتفاضات سيدي إفني في 2008، وتحول احتجاجات مرتبطة بالسكن إلى قضية سياسية بإكديم إيزيك، والحراك الشعبي بالريف، وديناميات 20 فبراير وجيل زيد، والكثير من المسيرات والمواجهات التي تحركها قضايا العطش والصحة والتعليم والمسالك الطرقية والسكن هي عناوين للاحتجاج الواضح، فيما محاولات الهجرة غير النظامية مع احتمال فقدان الحياة أو تهديد السلامة الجسدية فهي عناوين لليأس.

 هذا ما يجب ان يكون محط نقاش حقيقي، كيف وصلنا لما وصلنا له؟ وكيف يمكن أن يكون الإنقاذ؟ وليس البحث عن شماعة في جهة ما، أوتحويل ضحايا سياسات التفقير الممنهجة خدمة لأقلية مستأثرة بالسلطة والثروة، إلى مسؤولين عما يحدث لهم، وهذا الخطاب البئيس يغفل أن هذا الجيل هو ثمرة تعليم وتنشئة اجتماعية سهرت عليهما الدولة وفق نموذج للأولويات قرره الحاكمون عبر سياساساتهم.

إن الذين قرروا الهروب بعد يوم واحد من خطاب الملك الذي دعا الشعب إلى عدم الالتفات للخطابات التيئيسية والعدمية، هم مغاربة، والذين خاطروا بحياتهم وسلامتهم الجسدية يوم عيد العرش وقريبا من الإقامة الملكية بالمضيق هم مغاربة، والذين قبل المغرب بإعادتهم هم مغاربة، رغم ان بعضهم رحلتهم إسبانيا في خرق لقوانينها من مثل القاصرين، وكذا الراشدين الذين وصلوا سباحة.

هذا مشهد يجب أن يدفع الوطنيين الحقيقيين وليس الوطنيين “تحت الطلب” لمواجهة الحقائق القاسية، التي ينبغي البحث عنه في المغرب العميق والحقيقي.

مقالات أخرى
  • أطاك : مأساة الفنيدق–سبتة انفجار لمنظومة الحدود الأوروبية بالمغرب  

    رأت جمعية أطاك المغرب أن الأحداث الدامية التي شهدتها الحدود بين الفنيدق وسبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة تعكس أزمة اجتماعية عميقة داخل المغرب، كما تكشف حدود المقاربة الأمنية التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي في تدبير الهجرة. دعت جمعية أطاك المغرب في بيان أصدرته في 31 يوليوز إلى فتح تحقيق مستقل في الانتهاكات التي رافقت عمليات منع…

    مع الناس

  • من الفنيدق إلى المجهول: أزمة هجرة أم أزمة ثقة في النموذج التنموي؟

    كشفت محاولات الهجرة الجماعية في الفنيدق نحو سبتة المحتلة عن أزمة أعمق من مجرد ظاهرة أمنية عابرة. فحين يغامر الشباب والقاصرون وذوو الاحتياجات الخاصة بحياتهم بحثاً عن أفق آخر، يصبح السؤال الحقيقي: لماذا لا ينعكس التقدم الذي حققه المغرب على شعور المواطنين بالإنصاف والثقة؟ مقال رأي | يدير اكيندي،أستاذ العلوم الاقتصادية والاجتماعية وفاعل مدني لم…

    هجرة جماعية 960x540

    أفكار الناس

  • سبتة..ماذا خلف “الهروب الكبير”!؟

    منذ أكثر من أسبوع، تتواصل محاولات العبور سباحة من سواحل الفنيدق نحو سبتة ، في واحدة من أكبر موجات الهجرة التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. وبين ناجين يصلون إلى الضفة الأخرى، وآخرين يفقدون في عرض البحر، تتفاقم أزمة إنسانية لا تزال عائلات كثيرة تعيش فصولها في انتظار معرفة مصير أبنائها.

    WhatsApp Image 2026 07 30 at 16.24.16

    مع الناس