الوطن لا يُحمى بتخوين أبنائه 

1200x680

منذ بدأ العدوان الصهيو امريكي على إيران في 28 فبراير 2026، برزت أصوات في الفضاء العمومي المغربي تتهم كل من يرفض الحرب، أو يتحفظ على الاصطفاف فيها، بأنه “متأيّرن” أو “طابور خامس” أو “خائن للوطن”. هذه ليست مجرد مبالغة بلاغية، بل انزلاق خطير نحو الإقصاء السياسي والتحريض الاجتماعي. مقال رأي لحمد الغفري.

WhatsApp Image 2026 03 18 at 06.43.37

| بقلم محمد الغفري– فاعل حقوقي 

في تفكيك خطاب التخوين الذي يحوّل رفض الحرب إلى تهمة سياسية في المغرب. 

في كل أزمة دولية كبرى، يعاود خطاب التخوين الظهور في المغرب بقوة تفوق أحياناً خطورة الأزمة نفسها. يقسم المجتمع إلى “وطنيين” و”خونة”، “مخلصين” و”عملاء”، وكأن الوطنية أصبحت ملكية حصرية يمنحها البعض ويسحبها عن مخالفيهم. 

منذ بدأ العدوان الصهيو امريكي على إيران في 28 فبراير 2026، برزت أصوات في الفضاء العمومي المغربي تتهم كل من يرفض الحرب، أو يتحفظ على الاصطفاف فيها، بأنه “متأيّرن” أو “طابور خامس” أو “خائن للوطن”. هذه ليست مجرد مبالغة بلاغية، بل انزلاق خطير نحو الإقصاء السياسي والتحريض الاجتماعي. 

رفض الحرب موقف مشروع  

التاريخ مليء بأمثلة على مثقفين وسياسيين عارضوا حروباً كبرى دون أن يُوصموا بالخيانة. الدعوة إلى السلم، والتحذير من مخاطر الانخراط في صراعات معقدة، قد تكون في كثير من الأحيان تعبيراً عن حرص حقيقي على استقرار الوطن ومصالحه، لا عن ضعف أو تبعية. 

المشكلة الجوهرية في خطاب التخوين أنه يرتكب مغالطة قاتلة: تحويل الخلاف السياسي إلى خيانة وطنية. 

المشكلة الجوهرية في خطاب التخوين أنه يرتكب مغالطة قاتلة: تحويل الخلاف السياسي إلى خيانة وطنية. بدلاً من مناقشة الحجج والمصالح الاستراتيجية، يُلجأ إلى نزع الشرعية عن الطرف الآخر عبر وصمه بالعمالة. هكذا يُقتل النقاش الحقيقي قبل أن يبدأ.

بدلاً من مناقشة الحجج والمصالح الاستراتيجية، يُلجأ إلى نزع الشرعية عن الطرف الآخر عبر وصمه بالعمالة. هكذا يُقتل النقاش الحقيقي قبل أن يبدأ. 

الأخطر: صناعة “عدو داخلي”

عندما يُقدَّم مواطنون مغاربة – فقط لأنهم يعارضون الحرب – على أنهم في خندق العدو، نكون أمام إعادة تعريف إقصائية للوطنية: إما أن توافق على رأيهم ، وإما تُوضع في دائرة الشبهة. هذا المنطق يعيد إنتاج أساليب قديمة ثبت فشلها في حماية الوحدة الوطنية. 

الوطنية الحقيقية لا تُقاس بالحماس للحرب أو المزايدة في العداء، بل بمدى احترام وحدة المجتمع وحق الاختلاف. القوة الحقيقية للدولة تأتي من تعدد الآراء وتنافس الأفكار، لا من صوت واحد يحتكر الحقيقة.

توظيف الدين في الصراع السياسي

استخدام اللغة المذهبية أو الدينية لتوصيف صراع جيوسياسي يُفاقم الانقسام ويُغذي حساسيات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية. الصراعات الدولية ليست حروباً عقائدية، وتحويلها إلى ذلك لا يخدم إلا التعبئة العمياء. 

المغرب، بتنوعه الثقافي وتاريخه السياسي، لا يُدار بمنطق الفرز العقائدي. دستور 2011 يكفل حرية الفكر والرأي والتعبير، وهذا ليس مجرد نص قانوني، بل ضمانة أساسية للسلم الاجتماعي ومنع الاستقطاب الحاد.

السؤال الحاسم 

من يخدم الوطن أكثر؟  

– المواطن الذي يعبر عن رأيه بحرية، حتى لو خالف الرأي الرسمي أو السائد؟  

– أم الخطاب الذي يُحرّض على تخوين جزء من الشعب وإقصائه من دائرة الوطن؟


مقالات أخرى
  • «علاش لا؟» رهان انتخابي لجيل يساري شاب

    بين «الكرامة أولا» و«علاش لا؟»، يخوض شباب فيدرالية اليسار بتيفلت رهانا انتخابيا عنوانه مواجهة العزوف واستعادة الثقة في السياسة، عبر إقناع سكان المدينة بأن جيلا جديدا يستطيع حمل أصواتهم ومطالبهم إلى البرلمان. ربورتاج. من ساحة المغرب العربي، بدأ الموكب يشق طريقه وسط شوارع تيفلت. قمصان زرقاء تحمل شعار فيدرالية اليسار الديمقراطي، وأوشحة صفراء، ولافتات يتكرر…

    مع الناس

  • رموز “تحالف اليسار” تجوب دروب “كازا’ ببرنامج زاده “العدالة الاجتماعية”

    رافقت كاميرا "الناس" رموز "تحالف اليسار" في جولة من جولات الحملة الانتخابية التي  يقودها التحالف بمدينة الدارالبيضاء، وذلك في نشاط ميداني تواصلت خلاله وجوه يسارية معروفة مع المواطنات والمواطنين وسط أحياء المدينة القديمة، وراقب موقع "الناس" تفاعل المواطنين وأسئلتهم والخطاب الذي يتوجه به التحالف ويبتغي من خلال إقناع الناس للتصويت لبرنامجه. "في الوقت الذي من…

    WhatsApp Image 2026 09 16 at 13.50.11

    الناس +

  • تحالف اليسار يعرض تصوره الانتخابي وينتقد “ريكلام الوعود”

    قدم "تحالف اليسار" برنامجه السياسي والانتخابي الذي سيدخل به غمار الانتخابات التشريعية المقبلة، وذلك أمس الثلاثاء 8 شتنبر. وهو البرنامج الذي حمل شعار "الكرامة أولا..من أجل مغرب ديمقراطي، منتج، وعادل"، وذلك في إطار ندوة صحفية بمدينة الدارالبيضاء.  برنامج مفصل وأمل  وخلال الندوة قال جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد وعضو "تحالف اليسار" الذي يضم…

    الناس +