القليعة: تفاصيل الأربعاء الأسود

أمام محكمة الاستئناف بأكادير، يقف عبد الكبير أوبلة محتضنا ما تبقّى له من ذكرى ابنه عبد الصمد: ملف صغير يضم شهاداته الدراسية وأوراق عمله، آخر ما تبقّى من أثره الملموس. أبٌ يتشبّث بذكراه، ويسلك طريقًا شاقًا نحو الحقيقة والعدالة.
نصّ: إيمان بلّامين |
فيديو: محمد نصّار|
منذ ليلة الأول من أكتوبر، لم تعد القليعة لمدينة الصغيرة الواقعة على بعد 23 كيلومترًا من أكادير — كما كانت. تلك الليلة، تحوّل هدوؤها إلى صخبٍ من رصاص ودم، حين سقط ثلاثة شبّان برصاصٍ حيّ خلال احتجاجات متفرقة رافقت موجة الغضب الشعبي التي عمّت البلاد. أحدهم كان عبد الصمد أوبلة، شاب في الخامسة والعشرين، حالم بمستقبل في السينما، انتهى حلمه على رصيف المدينة.
ما قبل الصدمة
التقينا عبد الكبير أوبلة يوم الثاني والعشرين من أكتوبر أمام محكمة الاستئناف بأكادير، حيث كان يقف بين صفوف المتضامنين مع المعتقل سفيان كيرت، ابن القليعة، المتابع بتهمة “التحريض على العنف”. بملامحٍ يغمرها الغضب والوجع، رفع عبد الكبير لافتة كُتب عليها:
«عبد الصمد مات مقتول… والمخزن هو المسؤول. العدالة لعبد الصمد.»
يستعيد الأب، بصوتٍ يترنح بين الحنين والخذلان، تفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت الفاجعة. مساء الأربعاء، كانت المدينة تغلي بالتوتر، فأخذ هاتفه واتصل بابنه عبد الصمد، يرجوه ألا يذهب إلى العمل ذلك اليوم خاصة وأن وسائل النقل كانت شبه مشلولة في المنطقة. طمأنه عبد الصمد بأنه قريب من البيت، يجلس في المقهى، ووعده أن يعود بعد قليل. وعندما همّ الأب بالمغادرة، أخبره ابنه أنه سيبقى قليلًا قبل أن يعود إلى المنزل. لكن تلك العودة… لم تتم أبدًا.
في منتصف الليل، حاول شقيقه الاتصال به بلا جدوى. كان الأب يراقب مقاطع الفيديو المتداولة للأحداث على مواقع التواصل، حتى توقّف عند مشهد يظهر شابين مضرجين بالرصاص. لم يخطر بباله للحظة أن يكون ابنه أحدهما. «لم يكن عنيفًا، ولم يكن من النوع الذي يفتعل المشاكل»، يقول الأب.
«لم يكن عنيفًا، ولم يكن من النوع الذي يفتعل المشاكل»
مع أولى ساعات الصباح، دفعه شعور داخلي غريب إلى التوجه إلى شقة ابنه، حيث كان يعيش، لكنه لم يجده هناك. العودة إلى المنزل لم تجلب له أي راحة، وكأن المدينة بأكملها شاركت في كتمان خبر الفاجعة. في اليوم التالي، خرج عبد الكبير لتناول الفطور، قبل أن يظهر ابنه الأكبر شاحب الوجه، محملاً بشك ثقيل: قد يكون عبد الصمد من بين القتلى. لم تهدأ العائلة، فانطلقت في بحث منهجي ومرهق بين المستشفيات والمشارح وأقسام العمليات والسجلات الرسمية، بلا أي نتيجة تذكر، حتى جاءهم تأكيدٌ أخير من عامل نقل الجثث في إنزكان: «رأيته هناك».
«وجدناه في الإنعاش، ميتًا — جسد بلا روح». أُجريت له عملية لاستخراج الرصاصة من رأسه، ثم وُضع في قسم حفظ الجثث مع ورقة علي صدره تحمل الرمز مجهول«X». اختفت كاميرته وساعته؛ ولم يبقَ سوى هاتفه
يصف الأب اللحظة قائلاً: «وجدناه في الإنعاش، ميتًا — جسد بلا روح». أُجريت له عملية لاستخراج الرصاصة من رأسه، ثم وُضع في قسم حفظ الجثث مع ورقة علي صدره تحمل الرمز مجهول«X». اختفت كاميرته وساعته؛ ولم يبقَ سوى هاتفه,
ثلاثة أيام من الانتظار المضني بين مكاتب الشرطة والنيابة. الوعود بالتحقيقات لم تتحقق. «قالوا لنا انتظروا أسبوعًا للتشريح، ثم تأجّل الموعد، والآن مرّ أكثر من 21 يومًا، لا تشريح ولا تحقيق جدي»، يقول عبد الكبير بصوتٍ يغلي بالخيبة.
أظهرت مقاطع الفيديو أن عبد الصمد لم يكن مشاركًا في المواجهات، بل كان يوثّق ما يحدث بعدسته. يقول الأب، محاولًا كبت دموعه: «الذين أطلقوا النار كانوا على بعد مئات الأمتار، يطلقون الرصاص في كل الاتجاهات… وكان ابني من بين الضحايا».
«أريد أن أعرف من قتل ابني»
»أريد أن أرى تسجيلات الكاميرا المثبّتة في مركز الدرك، حتى لو كانت عشر دقائق أو ثلاث ساعات، أريد أن أعرف ماذا حدث، من قتل ابني؟”
منذ ذلك اليوم، لم يتوقف عبد الكبير عن المطالبة بالحق»أريد أن أرى تسجيلات الكاميرا المثبّتة في مركز الدرك، حتى لو كانت عشر دقائق أو ثلاث ساعات، أريد أن أعرف ماذا حدث، من قتل ابني؟”
«نحن من أبناء هذا الوطن، نريد فقط الحقيقة والعدالة.»
يطالب الأب بتحقيقٍ مستقلّ، ويحمّل السلطات مسؤولية الكشف عن الحقيقة. وفي لحظة صدقٍ مؤلمة، يوجّه نداءه إلى الملك:
«نحن من أبناء هذا الوطن، نريد فقط الحقيقة والعدالة.»
يحمل ملف ابنه إلى صدره كما لو كان يحميه من النسيان، ثم يغادر بخطى مترددة، لكنه عازم على أن يبقى اسم عبد الصمد حاضرًا، لا يمحوه صمت أو تبرير.
الرواية الرسمية
في اليوم التالي لتلك “الليلة السوداء”، عقد الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بأكادير مؤتمرًا صحفيًا أعلن فيه مقتل ثلاثة شبّان وإصابة آخرين، موضحًا أن عناصر الدرك «اضطرت لاستخدام أسلحتها النارية وفقًا للقانون، للدفاع عن النفس وحماية الممتلكات»، بعد أن حاول «عدد من المحتجين اقتحام مركز الدرك وإحراقه، وتخريب الممتلكات العامة والخاصة».
وأضاف أن التجمع «ضم نحو مئتي شخص، أغلبهم قاصرون، بعضهم كان يحمل العصي والحجارة»، وأن «عدة طلقات تحذيرية في الهواء لم تنجح في تفريق الحشود»، ما أدى إلى «مواجهات خطيرة».
النيابة العامة أعلنت فتح تحقيق لتحديد المسؤوليات. أظهرت مقاطع الفيديو التي عرضها الادعاء مجموعة من الشبان المقنّعين وهم يقتلعون باب المركز الحديدي ويشعلون النار في الإطارات والنفايات. وعلى الرصيف المقابل، تجمع سكان الحي يراقبون المشهد عن بُعد. كان عبد الصمد أوبلة بينهم.
في مقطع آخر صوّره شاهد، يظهر رجلان مسلحان يُعتقد أنهما من عناصر الدرك، أحدهما يركض في الشارع قبل أن يستدير ويطلق النار باتجاه نقطة تبعد نحو 500 متر. بعد دقائق، وثّقت كاميرات الهواتف مشهد سقوط ثلاثة شبّان مضرجين في دمائهم.
الضحايا الثلاثة هم عبد الصمد أوبلة، محمد الرحالي، وعبد الحكيم الدرفيضي، الشاب العامل في ورش البناء. ثلاثة أسماء جمعتها رصاصة واحدة، ووحّدها مصير واحد: الموت في ليلة القليعة، رحلة طويلة للعائلاتهم نحو العدالة والحقيقة









