الفن في المغرب.. بين حرية التعبير وسطوة القمع

منذ 15 يونيو الماضي، يعيش ياسر مونيبير، ابن الثانية والعشرين، خلف قضبان سجن عكاشة بالدار البيضاء، بلا مكالمات هاتفية ولا دوائه الذي يساعده على النوم. وبين تأجيل المحاكمة ورفض الإفراج المؤقت، يستمر اعتقاله بتهمتي «إهانة هيئة دستورية» و«إهانة موظفين عموميين»، في انتظار جلسة جديدة يوم 12 أكتوبر 2026.
بقلم : ايمن سلام– ايمان الابراهيمي– ليلى س– صلاح الدين ب
للحكاية بقية خلف القضبان
«آخر شيء، أعتذر منك كثيراً. بلّغ سلامي للصغار، وكل الواقفين/ات بجانبي»
“آخر شيء، أعتذر منك كثيرا. بلغ سلامي للصغار، وكل الواقفين/ات بجانبي”. هكذا ختم ياسر رسالة لوالده، طالبه فيها بتمكينه من ملفه الطبي للحصول على الدواء، وبضرورة زيارة المحامي(ة)، والتواصل مع المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج؛ بخصوص حرمانه من المكالمات الهاتفية.
«حلمه أن يجد حائطاً يرسم فيه إلى أن يُنهي ما في جعبته من أفكار». هكذا يصف صديقه كمال شغف ياسر بالرسم؛ شغفٌ يرافقه حتى خلف القضبان.
يترك ياسر أثره أينما حل وارتحل، يهوى الرسم ويحيى به، ولم تكبحه القضبان عن ممارسته، فقد توصلنا برسمة له من داخل السجن، قدّمها لأخيه أثناء الزيارة، تظهر للوهلة الأولى بأعقد الألوان، ولكنه خطها بقلم الرصاص. يقول *كمال (اسم مستعار) في حديثه عن صديقه ياسر لمنصة الناس “حلمه أن يجد حائطا يرسم فيه إلى أن يُنهي ما في جعبته من أفكار”.
«لمجرد أن تجد شاباً مثل ياسر في وسط كهذا؛ يُعد تمرداً وتحرراً». هكذا يتحدث كمال (24 سنة) عن صديقه،
ياسر ابن منطقة عين حرودة، التي تبعد بـــ 17 كيلومترا عن مدينة الدار البيضاء في اتجاه المحمدية، يؤكد *كمال (24 سنة) أنها تعيش إهمالا كبيرا، وأنها جماعة غنية لكن سكانها مهمشين، وأنه “لمجرد أن تجد شابا مثل ياسر في وسط كهذا؛ يُعد تمردا وتحررا”، ويضيف صديق ياسر رافعا يداه إلى فوق “لا نريد أي شيء، نريد فقط أن نعيش بخير وبحب في بلدنا”.
الفن في قبضة المحاكم
عين حرودة الجماعة التي يصفها كمال بالغنية، فيما يعاني سكانها التهميش والإهمال.
مرّت سنة على انطلاق حراك جيل زد، وخلال هاته السنة توالت المتابعات والاعتقالات في صفوف الفنانين، خاصة مغنيي الراب الذين تعاطفوا مع مطالب شباب وأعربوا عن تبنيهم لها، من خلال التواجد إلى جانبهم في الشارع، أو من خلال أغانيهم. أولهم الفنان ومغني الراب حمزة رائد المعروف ب “رائد raid”، الذي حوكم بشهر واحد موقوف التنفيذ بتهمتي “التحريض بواسطة وسائل إلكترونية” والتجمهر غير المرخص”.
عامٌ تتوالى فيه اعتقالات الفنانين ومتابعاتهم… ويبرز مغنّو الراب في قلب هذه الملاحقات.
وعلى غرار “رائد”، نجد جواد أسردي المعروف ب “بوز فلو pause flow”، طارق التازي المعروف ب “تي فلو t-flow”، صهيب قبلي المعروف ب “الحاصل lhassel”، مغنيو راب صدرت في حقهم أحكام قضائية أيضا، خلال فترات متقاربة. بالإضافة إلى مهدي اليوبي المعروف ب “بلاك ويند black wind” المتابع في حالة سراح إلى اليوم. ولم يتوقف زحف التضييق عن الفن، بل شمل الرسم التشكيلي بعد اعتقال ياسر مونيبير.
«لا نريد أي شيء، نريد فقط أن نعيش بخير وبحب في بلدنا».كمال
“إذا أردنا للبلد أن يتقدم، فعليه أن يتقدم بشبابه ومبدعيه” يقول الفنان والمصور الفوتوغرافي سمير غبلي في تصريحه لمنصة الناس. موضحا، “مثلما تتقدم البلاد بصناع الزليج؛ تتقدم أيضا بالفنانين وبالرسم الكاريكاتيري، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا. ومثلما تتقدم بالموسيقيين الذين يغنون عن الملاعب، تتقدم بالآخرين الذين يغنون عن الفقر”.
“استهداف الوعي المشترك”
رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان-فرع البرنوصي المحجوب محفوظ، الذي بدا متأسفا عمّا يقع للفنانين في المحكمة الزجرية بعين السبع، يُفسر في حديثه إلينا “حينما يُصدر فنان أغنية ينتقد فيها الفساد والاستبداد، الدولة تترك المسؤولين عن هذا الفساد وتعتقله هو، فهي إذن؛ تحارب الفنان وتحارب أفكاره أيضا”.
“لا يريدون أفكاره أن تنتشر لدى الجماهير الشعبية وتتبناها، وتعمل بدورها على محاربة الفساد ومحاربة الريع”، أوضح المحجوب. وأضاف بعد تأكيده مطالبة الفرع المحلي للجمعية بإطلاق سراح كافة الفنانين المعتقلين والمتابعين؛ أن “الدولة لا تحارب الفنان فقط، بل تحارب الفكر التقدمي، والفكر الذي يحمل في مطالبه الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية”.
للإبداع مكانٌ في تقدّم البلاد، وللفقر صوتٌ في أغانيها. كلاهما يستحق أن يتّسع له البلد.
وتحدث الفاعل الحقوقي بمدينة الدار البيضاء في تصريحه، على أن “الدستور الممنوح رغم علّته” تتضمن فيه الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لكنها تظل “حبرا على ورق”، محمّلا المسؤولية للدولة المغربية في احترام الدستور والمواثيق الدولية والأممية التي تم توقيعها. داعيا شباب المغرب؛ تكثيف جهودهم في التأطير والتثقيف والتوعية.
شباب حالم وواقع مؤلم
يقول الفنان والمصور الفوتوغرافي سمير غبلي “كفى من التضييق، اتركوا الشباب يتنفس، إنهم يعبرون بالملونات وفقط”، معلّقا عن حجم المـأساة التي يعيشها الشباب المغربي، الذي أصبحت أصواته وأقلامه وملوناته تشكل تهديدا للدولة، ولم يعد من حقه التعبير أو ممارسة هواياته أو قناعاته، لكون النتيجة باتت واضحة؛ المتابعات والاعتقالات.
في إحدى خرجاته الإعلامية النادرة، عبّر ياسر عن تعرضه للتضييقات، إذ تم منعه من الرسم من قبل السلطات، وإتلاف جدارياته “بجميع أنواع التخريب”. وقد كانت الأماكن التي يرسم فيها ملوثة ومليئة بالنفايات، وبالرغم من حمله همّ تنظيف المكان، وجعله في منظر قابل للمشاهدة، إلّا أن التهديد والقمع لم يتوقفا.
بين الحلم بمغرب أفضل وواقع مغربٍ قائم، تضيع الطموحات، ويتنازل الشباب عن أحلامهم، منهم من يستسلم للواقع، ومنهم من يسعى لمغادرة البلد بحثا عن الكرامة. ولعلّ الأرقام المهولة من نسبة الشباب المشاركة في “الهروب الجماعي” نحو سبتة ومليلية؛ أكبر دليل عن فقدان الأمل والثقة، ناهيك عن نسبة مشاركته في العملية الانتخابية لهذه السنة.
أُنجز هذا الموضوع في إطار دورة «الصحافة المواطنة»، التي نظّمتها منصة «الناس» و«بوندي بلوغ» والمعهد الفرنسي بالمغرب، من 14 إلى 18 شتنبر 2026 بالدار البيضاء.
الآراء الواردة فيه لا تعبّر عن مواقف المعهد الفرنسي بالمغرب.














