بمليلية: الحدود تحتجز المهاجرين المفقودين أيضاً


دعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع الناظور، السلطات المغربية إلى التحرك العاجل لمعالجة معاناة أسر القاصرين والشباب المغاربة الذين لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مدينة مليلية المحتلة. وفي رسالة مفتوحة، طالبت بتنسيق مغربي-إسباني يضمن التعرف السريع على الجثامين وتمكين العائلات من استعادتها ودفنها بكرامة.

وجه فرع الناظور للجمعية المغربية لحقوق الإنسان نداءً إلى وزيري الشؤون الخارجية والداخلية المغربين في 12 يوليوز الاخير محذراً من استمرار ما وصفه بـ”المأساة الصامتة” التي تعيشها عائلات فقدت أبناءها خلال محاولاتهم الوصول إلى مدينة مليلية.

وتؤكد الجمعية أن السنوات الأخيرة شهدت تزايداً في عدد وفيات القاصرين والشباب المغاربة، سواء على الجانب المغربي أو الإسباني من الحدود، أثناء محاولاتهم عبور الحدود بطرق محفوفة بالمخاطر، مثل السباحة لمسافات طويلة أو الاختباء داخل المركبات.

ضرورة تنسيق مغربي-اسباني

وترى الجمعية أن هذا الواقع يضع مسؤولية حماية الحق في الحياة وصون كرامة الضحايا وعائلاتهم على عاتق الدولتين

ورغم إجراء تحاليل الحمض النووي على الجثامين التي يتم العثور عليها، فإن هذه الإجراءات لا تؤدي دائماً إلى التعرف السريع على هوية الضحايا

وتعزو الجمعية ذلك إلى غياب آلية دائمة لتبادل معطيات الحمض النووي بين المغرب وإسبانيا، وهو ما يجعل عائلات كثيرة تنتظر أشهراً، وأحياناً سنوات، قبل أن تعرف ما إذا كانت الجثة التي عُثر عليها تعود لابنها. وتعتبر الجمعية أن هذا الوضع يمس بحق الأسر في معرفة مصير أبنائها، وهو حق تكفله المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

رحلة شاقة لاسترجاع الجثامين

ولا تنتهي معاناة العائلات بمجرد التعرف على هوية أبنائها، فبحسب الجمعية، تُلزم السلطات الإسبانية الأسر المقيمة بالمغرب بتقديم شكاية مكتوبة، وإنجاز تحليل للحمض النووي، ثم تسليم الوثائق إلى سلطات مليلية. وهي إجراءات يصعب على كثير من الأسر استكمالها بسبب عدم توفرها على تأشيرة دخول إلى المدينة المحتلة. وحتى بعد استكمال هذه المساطر، تظهر عقبة جديدة تتمثل في نقل الجثامين إلى المغرب. وتتحدث الجمعية عن تدخل وسطاء يفرضون مبالغ مالية باهظة مقابل نقل الجثامين، مستغلين هشاشة الأسر وآلامها.

اقرأ ايضا: حواء عنوان عنف الحدود بصيغة المؤنث

سوابق مؤلمة

تُضاف هذه المأساة الجديدة إلى سلسلة من المعاناة التي تكابدها عائلات فقدت أبناءها في ظروف مأساوية، ثم وجدت نفسها عاجزة عن استرجاع جثامينهم ودفنهم في وطنهم.

ففي نونبر 2021، عاشت أسرة الفتى أيوب أزول، البالغ من العمر 15 سنة، التجربة نفسها. وكان القاصر قد توفي في يوليوز 2021 أثناء محاولته الوصول إلى مدينة مليلية. ونقل موقع يابلادي آنذاك أن جثمانه وُضع في مستودع الأموات بالمدينة المحتلة. وتوجه أفراد أسرته إلى الناظور على أمل استرجاع جثمانه، غير أنهم لم يتمكنوا من دخول مليلية بسبب إغلاق معبر بني أنصار الحدودي وعدم توفرهم على تأشيرة. وأمام استحالة نقله إلى المغرب، اضطرت الأسرة إلى دفنه في مليلية. .

وقبل ذلك بأسابيع، في شتنبر 2021، هزّت الرأي العام مشاهد مؤثرة لعائلة الشاب المغربي عبد الفتاح الشرقاوي، الذي توفي في ظروف مماثلة، وهي تودعه للمرة الأخيرة من خلف السياج الفاصل بين المغرب ومدينة مليلية. وانتشرت تلك الصور على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ومثلما حدث مع أيوب، دُفن عبد الفتاح في مليلية، بعدما لم تستجب السلطات المغربية لطلب أسرته نقل جثمانه إلى المغرب.

وتكشف هذه المآسي المتكررة عن الكلفة الإنسانية الباهظة لاستمرار القيود المفروضة على الحدود، وللعراقيل الإدارية التي تواجه الأسر المكلومة في استعادة جثامين أبنائها ودفنهم بكرامة في أرض الوطن.

خمس سنوات من إغلاق الحدود

تأتي هذه المعاناة في سياق خاص تشهده الحدود البرية بين المغرب ومدينة مليلية. فمنذ أن أغلق المغرب، بشكل أحادي، المعابر البرية مع مدينتي سبتة ومليلية في مارس/آذار 2020، ضمن التدابير المرتبطة بجائحة كوفيد-19، تغيرت ظروف التنقل بين الناظور ومليلية بشكل جذري

ورغم إعادة فتح المعابر تدريجياً ابتداءً من سنة 2022، في سياق استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرباط ومدريد، فإن العبور لم يعد كما كان. فقد أُلغي نظام الدخول دون تأشيرة الذي كان يستفيد منه سكان الأقاليم المجاورة، وأصبحت إجراءات المراقبة أكثر تشدداً. واليوم، لم يعد بإمكان عدد كبير من العائلات المغربية دخول مليلية إلا بعد الحصول على تأشيرة “شنغن”، الأمر الذي يعقد إجراءات التعرف على الجثامين أو استرجاعها.

وفي المقابل، لم تتوقف محاولات الهجرة غير النظامية نحو المدينة المحتلة، بل ازدادت خطورة مع تشديد المراقبة الحدودية، حيث يضطر العديد من الشباب إلى السباحة حول الحواجز البحرية أو الاختباء داخل المركبات العابرة للحدود.

مطالب عاجلة

وتطالب الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بإحداث آلية دائمة للتنسيق بين السلطات المغربية والإسبانية لتبادل نتائج تحاليل الحمض النووي، بما يسرّع التعرف على هوية الضحايا.

كما تدعو إلى تبسيط المساطر الإدارية أمام الأسر، وضمان نقل مجاني ومنظم للجثامين عبر معبر بني أنصار تحت إشراف السلطات العمومية، مع فتح تحقيق في ممارسات السمسرة والابتزاز التي ترافق عمليات نقل الجثامين.وبالنسبة للجمعية، فإن القضية لا تتعلق فقط بإجراءات إدارية، بل بحق إنساني أساسي: أن تعرف العائلات مصير أبنائها، وأن تتمكن من دفنهم بكرامة.

اقرأ ايضا: حرب الريف: رسالة مفتوحة الى رئيس الجمهورية الفرنسية

مقالات أخرى
  • سبتة المحتلة: نداء حقوقي عاجل لحماية العالقين وضمان كرامتهم

    دعت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان السلطات الإسبانية إلى التدخل العاجل لتحسين الأوضاع الإنسانية والحقوقية للمواطنين والمواطنات المغاربة العالقين بمدينة سبتة المحتلة، بينهم أطفال وقاصرون وقاصرات، في ظل نقص حاد في الغذاء والماء والمأوى وتسجيل ادعاءات بوقوع اعتداءات وأعمال عنف. أطلقت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان نداءً عاجلاً بشأن الوضع الإنساني بمدينة سبتة المحتلة، محذرة من الظروف…

    مع الناس

  • المغرب وسؤال الهجرة: 10 قضايا مستعجلة

    والمغرب يحتفل باليوم الوطني للمهاجر -  10 غشت سنويا- على وقع احداث سبتة المحتلة الأليمة والمأساوية، تطرح قضية الهجرة بحدة. مقال رأي لحسن العماري، رئيس جمعية لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة.  بقلم حسن العماري فإذا ما أردنا وبتوفر الإرادة السياسية بالمغرب، وأردنا نقاشا سياسيا واجتماعيا وحقوقيا عموميا صريحا حول الهجرة في جميع أبعادها وانواعها وإفرازاتها،…

    أفكار الناس

  •  في باب سبتة: “أبحث عن ابني المختفي”

    عند باب ديوانة، المعبر الحدودي بين الفنيدق وسبتة المحتلة، تنتظر عائلات منذ أيام أخباراً عن أبنائها الذين اختفوا خلال محاولات العبور أيام 27 و30 و31 يوليوز 2026. من بين هذه العائلات محمد الرحالي، القادم من قلعة السراغنة، الذي يبحث عن ابنه عبد الفتاح، الذي اختفى في المياه أمام أعين صديقه. شهادة.   في نهاية يوم الاثنين…

    ولاد وبنات الشعب