يفتح في علامة تبويب جديدة

أسفي ليست ضحية الطبيعة، بل ضحية اختيار سياسي واضح

0cd5abf0 f697 4b6a a915 5b00ff5598db

الفيضانات القوية التي اجتاحت آسفي لم تُودِ فقط بحياة 37 شخصًا، بل قتلت ما تبقى من وهمٍ قديم اسمه برامج التنمية التي تُصرف عليها ملايير الدراهم سنويًا. فحين تغرق أحياء كاملة في دقائق، وتتحول الشوارع إلى سيول قاتلة، وتنهار منازل ودكاكين الفقراء كأوراق كرتون، لا نكون أمام كارثة طبيعية، بل أمام مسؤولية بشرية اسمها الفساد.…

| علي أنوزلا

ما جرى في آسفي ليس استثناءً، بل نتيجة منطقية لسنوات طويلة من التهميش وسوء التدبير واحتقار الإنسان. مدينة بلا شبكات صرف تحترم اسمها، بلا تخطيط حضري، بلا وقاية، بلا رؤية. مدينة تُترك لتتآكل ببطء، ثم يُطلب من سكانها تقبّل الموت كقدر، وكأن الغرق جزء من الجغرافيا، لا نتيجة مباشرة لفساد أصحاب القرار وغياب المحاسبة.

المفارقة الصادمة أن هذا يحدث في مدينة تقوم فوق واحدة من أعظم الثروات الصناعية في المغرب. آسفي ليست بلدة منسية في الهامش ولا قرية معزولة في الجبل، بل قلبٌ صناعي نابض: مجمع الفوسفاط، مركب الجرف الأصفر، محطات الطاقة الحرارية، مخازن الطاقة السائلة، وبنى استراتيجية تُدرّ المليارات على الدولة.

ومع ذلك، تعيش المدينة الفقر والبطالة والتهميش، وكأنها لعنة جغرافية لا مدينة منتِجة للثروة. فلا أثر لهذه المليارات في البنيات التحتية، ولا في المستشفيات، ولا في المدارس، ولا في فرص الشغل، ولا في الكرامة.

“آسفي، التي تُعد عاصمة الطاقة في المغرب، لا تجني من كل المركبات الصناعية التي توجد على أرضها سوى السمّ: سمّ في الهواء، وسمّ في البحر”

آسفي، التي تُعد عاصمة الطاقة في المغرب، لا تجني من كل المركبات الصناعية التي توجد على أرضها سوى السمّ: سمّ في الهواء، وسمّ في البحر، وسمّ في التربة، وسمّ في الماء. تلوث مزمن يُنهك الأجساد بالعلل الدائمة، وأمراض تحصد الأرواح في صمت، وسكان يدفعون بأجسادهم ثمن نموذج تنموي لا يعترف بهم.

المسؤولون عن هذه الجريمة متعددون: منتخبون فاسدون، وسلطة محلية متواطئة. وأدوات الجريمة واضحة: صفقات مشبوهة، ومشاريع متعثرة، وبنى تحتية مغشوشة، وغياب شبه تام لأي محاسبة فعلية.

“آسفي، أو “أسيف” أي الوادي بالأمازيغية، التي تعد أقدم مرفأ بحري أطلسي في المغرب منذ عهد الفنيقيين والقرطاجيين، لم يعد يُذكر اسمها اليوم إلا في التقارير التي تتحدث عن ارتفاع نسب التلوث الصناعي في المغرب”

آسفي، أو “أسيف” أي الوادي بالأمازيغية، التي تعد أقدم مرفأ بحري اطلسي في المغرب منذ عهد الفنيقيين والقرطاجيين، لم يعد يُذكر اسمها اليوم إلا في التقارير التي تتحدث عن ارتفاع نسب التلوث الصناعي في المغرب، أو في التقارير الحقوقية عن الاعتقالات والمحاكمات التي تطال الشباب العاطل حين يخرج للمطالبة بحقه في العيش بكرامة.

آسفي اليوم ليست ضحية الطبيعة، بل ضحية اختيار سياسي واضح عنوانه سنوات طويلة من التهميش وسوء التدبير وغياب المحاسبة. فهي لم تغرق بسبب مياه السيول فقط، بل لأنها كانت تغرق منذ سنوات في صمت: تغرق في سموم التلوث، وتغرق في الفقر المدقع، وتغرق في اللامبالاة السياسية، وتغرف في الفساد الذي أنهك جسدها مثل سرطان قاتل.

“آسفي لا تحتاج إلى شفقة، بل إلى عدالة ترابية، وحكامة حقيقية، واعتراف صريح بحقها في الثروات التي تُنتج فوق أرضها” 


فيضانات آسفي عرّت واقعًا مؤلمًا، وإذا لم يتحول ما جرى إلى لحظة وعي جماعي ومساءلة حقيقية، فإن الضحية القادمة لن تكون مجرد أرقام في حصيلة مؤقتة، بل دليلًا جديدًا على مدينة تُترك لتدفع ثمن ما لم ترتكبه.

آسفي لا تحتاج إلى شفقة، بل إلى عدالة ترابية، وحكامة حقيقية، واعتراف صريح بحقها في الثروات التي تُنتج فوق أرضها. والفيضانات الحالية لم تكن إنذارًا، بل شهادة اتهام، تحتاج إلى قرار سياسي شجاع يعترف بأن ما تعيشه ليس قضاءً وقدرًا، بل فشل سياسات وسوء تدبير مسؤولين فاسدين حان وقت محاسبتهم.

مقالات أخرى
  • دفاع الطبيب شرقاب: “نتطلع إلى أحكام تحقق الإنصاف ونثق في القضاء”

    رفضت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، ليلة الاثنين، تمتيع طبيب التخدير رشيد شرقاب، وتقني وطبيب بالمستشفى الجامعي ابن رشد، بالسراح المؤقت. وبعد أن أدخلت الهيئة القضائية الملف للمداولة، عقب مرافعات دفاع المتهمين في أولى جلسات القضية بمرحلة الاستئناف، قررت مواصلة النظر فيها يوم 16 نونبر، على أن تتم المحاكمة في حالة اعتقال. "تقدّم أعضاء…

    Cherkab

    الناس +

    3 نوفمبر 2026
  • ساكنة بوعادل تنتفض لضمان حقها في الماء

    أصدرت فدرالية رابطة حقوق النساء بيانا تضامنيا بشأن احتجاجات نساء بوعادل دفاعا عن الحق في الماء، أعلنت فيه أنها تتابع "بقلق التطورات التي تعرفها منطقة بوعادل بإقليم تاونات، على خلفية مشروع استغلال مياه المنبع لأغراض تجارية، وما أثاره من احتجاجات سلمية للساكنة، خاصة النساء، دفاعا عن حقهن وحق أسرهن في الماء، باعتباره موردا حيويا وحقا…

    Images

    مع الناس

    27 أكتوبر 2026
  • ماراطون الدار البيضاء 2026 يحطم كل الأرقام القياسية!

    عرفت النسخة السابعة عشرة من ماراطون الدار البيضاء «مصرف المغرب»، المنظمة يوم 25 أكتوبر 2026، مشاركة15000 عداء، حسب المنظمين. وقد تم تحطيم الرقم القياسي لسباق الماراطون. أما على مستوى التنظيم، فقد أبدى مشاركون استياءهم من اختلالات شابت التزود بالمؤونة. روبورتاج.

    WhatsApp Image 2026 10 25 at 21.01.08

    مع الناس

    26 أكتوبر 2026