الانتقال الأخضر في المغرب: بين الخطاب الرسمي و واقع التبعية

في دراسة مشتركة بين ATTAC المغرب وTNI، يُقدَّم منظور نقدي جذري للسياسات الصناعية في المغرب و يرفض التصنيعَ المرتبط بالتبعية للمراكز الرأسمالية، ويدعو إلى سياسات سيادية وعادلة وخضراء فعلاً، تضع الطاقة والغذاء والتشغيل والمال في يد المجتمع لا السوق. الجزء الثاني من الملخص التنفيذي للدراسة: “التصنيع الأخضر بالمغرب: مطامح كبيرة وعوائق أعظم”. من انجاز علي…
“لا يزال المغرب يرفل في التبعية الطاقية، إذ يستورد %90 من طاقته. وهناك شكوك كثيرة حول منجزات تخفيض نسبة الانبعاثات، إذ تفسرها دراسات عديدة بانخفاض معدل النمو وليس بتخفيف فعلي لتلك الانبعاثات.
“ما يُسمى ‘فرصة’ السياسات الصناعية الخضراء قد يتبدى سرابًا، إذا لم تجرِ قطيعة فعلية مع السوق العالمية؛ فهناك الكثير من ‘صُنع في المغرب’، لكن القليل جدًا من ‘صُنع من طرف المغرب’.”
“أدت عقود من تطبيق العقيدة النيوليبرالية إلى تواري مفهوم ‘السياسة’، وأُخليَ الساسةُ والمنظماتُ الاجتماعية من الساحة التي احتلها الخبراء ومكاتب الدراسات والمؤسسات المالية الدولية.”
في سنة 2020 على إثر جائحة كورونا والإغلاق الاقتصادي الشامل، وبعدها حرب روسيا على أوكرانيا بدءًا من سنة 2022، وإعلان الاتحاد الأوروبي سيره الحثيث نحو الحياد الكربوني في أفق 2050، شهد نقاش “الانتقال نحو اقتصاد أخضر” و”النمو الأخضر”، استئنافًا بعد أن كان قد انطلق منذ نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بإطلاق “استراتيجية الطاقة المستدامة سنة 2009″، وإصدار وثائق عديدة، ضمنها ورقة بعنوان “الاقتصاد الأخضر، فرص لخلق الثروة ومناصب الشغل” صادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سنة 2012، وفي 2017 أصدرت الدولة “الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة- 2030″، مُتْبِعة إياها في يناير 2022 بإصدار “الميثاق الوطني للتنمية المستدامة”. وقبل ذلك، في سبتمبر 2016، أصدرت الدولة “المساهمة المحددة وطنيًا ضمن “الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية”، وأصدرت نسخة معدَّلة منها في يونيو 2021. الوثائق والمبادرات الرسمية كثيرة جدًا، ولا يسع هذا التقديم أن يفصل فيها، وسيجدها القارئ- ة في متن الدراسة.
هذه الأدبيات حول “الانتقال إلى اقتصاد أخضر” و”الاقتصاد خفيض الكربون”، تتميز شأنها شأن أغلب الأدبيات الصادرة عن المؤسسات العالمية، بالتركيز على خفض الكربون كاستراتيجية أساسية لذلك الانتقال، دون نية للتخلي عن نموذج اقتصادي يدمر الكوكب، وليست انبعاثات الغازات الدفيئة سوى إحدى تجلياته. فالاستخراجية والفلاحة الموجهة للتصدير والنقل الخصوصي وحفز الاستثمار الخاص (المحلي، وخصوصًا الأجنبي) لا تزال هي نفسها الأعمدة التي تريد عبرها الدولة حفز ذلك الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر وخفيض الكربون.
تحترم الأدبيات الرسمية الصادرة عن الدولة ترسيمة المؤسسات المالية الدولية (وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) لتطبيق السياسات الصناعية والخضراء: الدولة تتدخل فقط عندما تخفق السوق وتعجز عن أداء مهامها. وعلى الدولة التركيز على المهام الاستراتيجية والتنظيمية، بينما تترك للقطاع الخاص المجال واسعًا لتحقيق عملية التنمية (وضمنها المستدامة طبعا)، بل على الدولة استعمال المالية العمومية لحفز تدخل القطاع الخاص ذاك، والحلول محله مؤقتًا حتى تصبح القطاعات المستثمَر فيها مُجزية، وآنذاك تتخلى عنها الدولة بشتى الآليات: الخصخصة، الشراكة قطاع عام-قطاع خاص، التمويلات المبتكَرة… عمليًا لا جديد تحت شمس العقيدة النيوليبرالية وإجماع واشنطن.
حتى ما يُطلق عليها منجزات في مجال الطاقات المستدامة وخفض الكربون يحتمل الكثير من الشك. فلا يزال المغرب يرفل في التبعية الطاقية، إذ يستورد %90 من طاقته، فضلًا عن أن القطاع الخاص أصبح المحتكر الأكبر لهذا التزويد. بينما هناك شكوك كثيرة حول منجزات تخفيض نسبة الانبعاثات، إذ تفسرها دراسات عديدة بانخفاض معدل النمو المتوقَّع طيلة العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين مقارنة بالسيناريوهات المفترضة، وليس بتخفيف فعلي لتلك الانبعاثات.
لم تقتصر أدبيات الانتقال الأخضر على الوثائق والمبادرات الرسمية، بل انخرطت في ذلك نقابة أرباب العمل التي أصدرت وثيقة تحمل عنوان “مبادرة الشركات المناخية المغربية 2017- 2018″، والبنك المركزي/ بنك المغرب مُصدرًا وثيقة “خارطة طريق القطاع المالي من أجل المساهمة في التنمية المستدامة ومحاربة تغير المناخ” في نوفمبر 2016، فضلًا عن إعلان المجمع الشريف للفوسفاط “برنامج الاستثمار الأخضر” للفترة الممتدة بين 2023 و2027. لكن يظل هاجس تنافسية المقاولات المغربية في المرتبة الأولى مقارنة بالأهداف البيئية، وضِمنها تخفيض نسبة الانبعاثات وتحقيق اقتصاد خفيض الكربون، والنقاش حول هذين الهدفين محفَّز باعتبارات خارجية أكثر من إيمان عميق بالأهداف البيئية. فإعلان الاتحاد الأوروبي هدف الانتقال إلى الحياد الكربوني في أفق 2050، وتبني آليات مثل “ضريبة تعديل حدود الكربون”، يثير المخاوف من تقلص منافذ الولوج إلى السوق الأوروبية. لذلك سارعت الدولة إلى تحفيز المصدِّرين المغاربة للتكيف مع تلك الآلية بإعلان التزامهم بالأهداف المناخية.
كما أن السعي المحموم للحصول على التمويل المناخي يشكل أحد دوافع هذا الاهتمام الرسمي؛ فالدولة أصبحت مدمنة على التمويل الخارجي، ولا تفوت أية فرصة للحصول عليه. وكل الخطط القطاعية للدولة، سواء تعلق الأمر بالخدمات العمومية أو الأهداف الاجتماعية أو قضية إدماج النساء في التنمية، وأخيرًا الأهداف المناخية، تربطها الدولة بشرط الحصول على التمويل. وهذا الأخير غالبًا ما يكون ديونًا وليس مِنحًا، ما يرفع كلفة المديونية، التي تُعد أحد عوائق تحقيق تلك الأهداف كلها.
هناك أيضًا مبادرات من المجتمع المدني مثل “الجمعية المغربية للاقتصاد الأخضر من أجل البيئة والعدالة المناخية”، ومراكز بحث وتفكير مثل “المركز من أجل الجنوب الجديد”، التي تقتصر أدبياتها على مخاطبة صناع السياسات والتقدم بمقترحات ملموسة لإغناء نفس منظور الدولة المشار إليه أعلاه، بينما تنفرد جمعية أطاك المغرب بمنظور بيئي مناهض للعولمة النيوليبرالية، وهو منظور دائم الحضور في أنشطتها ومبادراتها وأدبياتها. أما الحركة النقابية، ورغم أن الطبقة العاملة توجد في صلب الانتقال إلى اقتصاد أخضر، إما ضحية أو فاعلا، فهي الغائب الأكبر عن هذا النقاش.
النقاش الحالي محفَّزٌ بمشهد عالمي يشهد “عودة” للسياسات الصناعية في سياق مواجهة تغير المناخ، حيث أسفر الإجماع الجديد بشأن العمل المناخي عن تطوير حزم سياسات صناعية (قوامها في معظمه إعانات وحوافز) لتحفيز التطوّر التكنولوجي والإنتاج اللازمين لإزالة الكربون من الاقتصاد، مع إدراك بأن هذه السياسات لن تنجح بناء على العقيدة الأرثوذكسية النيوليبرالية. وتبدَّت حدود هذا الإدراك عندما تبين أن هذا التحول – خصوصًا من منظور دول الشمال العالمي – لم يكن انخراطًا في التخطيط الصناعي الشامل، بل استخدام أنظمة جديدة من التعريفات الجمركية والإعانات. وانضاف البعد البيئي إلى أبعاد الصراع الجيوسياسي العالمي بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والصين من جهة أخرى (الحرب التجارية/ الجمركية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين).
تبحث النخب الحاكمة في المغرب عن موقع لها تحت شمس هذا النزاع وهذه التحولات، وتسعى إلى تكييف سياساتها الاقتصادية، علها تستفيد من هذا النقاش العالمي حول التحول نحو سياسات صناعية خضراء.
لكن يظل هذا السياق العالمي ذاته أكبر المعيقات في وجه سياسات صناعية خضراء. فهيكل الاقتصاد العالمي حيث تهيمن القوى الكبرى (الغرب والصين)، يجعل هامش التحرك نحو التصنيع الأخضر ضيقًا جدًا في وجه دول الجنوب العالمي، وضمنها المغرب. وبذلك فإن ما يسمى “فرصة” السياسات الصناعية الخضراء قد يتبدى سرابًا، إذا لم تجرِ قطيعة فعلية مع السوق العالمية وفك الارتباط معها، بشكل ينهي تبعية البلد الاقتصادية والسياسية للدول والشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية الحاكمةِ تلكَ السوق العالمية. هذا منظور ليس مطروحًا البتة في الأدبيات الرسمية الصادرة عن الدولة المغربية وعن مؤسسات الرأسمال المغربي. فلا تزال خطط التصنيع تحترم مكانة المغرب في قسمة العمل الدولية، تلك المكانة التي أرساها الاستعمار منذ بداية القرن العشرين: على المغرب أن يتخصص في ما يمثل “مزاياه النسبية”؛ أي تزويد السوق الدولية بالمواد الخام والفلاحية، وحاليًا ما يُطلق عليه “مزايا تنافسية”؛ أي موقعه الاستراتيجي والاستقرار السياسي ورخص يده العاملة من أجل استقبال أنشطة تركيب في إطار سلاسل القيمة الدولية، حيث لا يزال المغرب في سافلة تلك السلاسل. ورغم كل الحديث الرسمي عن تحول المغرب إلى “قوة صاعدة” والتحول البنيوي في صادراته حيث أصبحت السلع المصنعة تشكل نسبة مهمة منها، كانت خلاصة دراسات عديدة هي: “هناك الكثير من ‘صُنع في المغرب’، لكن القليل جدًا من ‘صُنع من طرف المغرب'”.
ليست التبعية وحدها العائق في وجه أي تصنيع أخضر للبلد، بل تضافر هذه التبعية مع التركيب الطبقي/ الاجتماعي الحاكم حاليا في البلد. وإحدى مكونات ذلك التركيب هو الوزن النسبي الكبير لقسم من برجوازية البلد المتكونة من المورِّدين الكبار، الذين استفادوا من الانفتاح التجاري وراكموا ثروات هائلة، ويشكل التصنيع بالنسبة لهم تهديدًا لتلك المكاسب.
ما السبيل لإحداث تغيير هيكلي في الاقتصاد المغربي وإحداث تصنيع ينقل البلد من وضعية اقتصاد نامٍ إلى اقتصاد مصنَّع ومستدام: هذا هو السؤال الجوهري المطروح حاليًا. وتظل العوائق هي نفسها: التبعية، والمديونية الخارجية، وضعف الاستثمار الخاص، والتمويل ونقل التكنولوجيا. ستكون هذه المحاور في صلب كل الوثائق والمبادرات الرسمية والأدبيات الصادرة عن مؤسسات أكاديمية وروابط القطاع الخاص المغربي، فضلًا عن تقارير المؤسسات الدولية.
يأتي مفهوم “السياسة” في قلب هذا النقاش. فقد أدت عقود من تطبيق العقيدة النيوليبرالية وإجراءاتها إلى تواري مفهوم “السياسة”، وأُخليَ الساسةُ والحزبيون والمنظماتُ الاجتماعية من الساحة التي احتلها الخبراء ومكاتب الدراسات المؤدَّاة عنها والمؤسسات المالية الدولية. بيد أن أي تصنيع للبلد، وبالأحرى تصنيع أخضر، يستدعي بالضرورة إعادة الاعتبار لـ”السياسة”، والانتقال من اقتصاد يخدم مصالح قلة من المستفيدين من الوضع القائم، إلى اقتصاد يخدم الناس ويحافظ على البيئة للأجيال القادمة.
يُقصد بالسياسة الصناعية كل تدخُّل للدولة في العمليات الاقتصادية قصد توجيهها من أجل إحداث تحوُّل هيكلي في الاقتصاد، مثلًا الانتقال من اقتصاد معتمد على القطاع الفلاحي والمواد الأولية إلى اقتصاد معتمِد على التصنيع والخدمات. ومؤخرًا ظهر مفهوم “السياسة الصناعية الخضراء”، إشارة إلى إدماج البعد البيئي في السياسات الصناعية.
إذا كانت “السياسة الصناعية” تعني تدخُّل الدولة” في الاقتصاد، فإن العمليات الجزيئية لرأس المال لا تكون موضع نقاش. فعندما ينخرط الرأسماليون الأفراد في استثمارات، فهم لا يستحضرون في أذهانهم بشكل مسبق “إحداث تحوُّل هيكلي في الاقتصاد” أو “تنمية البلد” أو “التنمية المستدامة”. ما يهم الرأسمالي الفرد هو حجم مردود استثماره؛ أي أقلُّ مجازفةٍ ممكنة مع أعلى ربح مضمون وسريع ممكن.
لذلك فإن “التحوُّل الهيكلي” و”تنمية البلد” و”التنمية المستدامة” أمور تحدث في مستوى آخر، خارج العمليات الجزيئية لرأس المال، أي تحدث على مستوى “السياسة العامة” و”الدولة”، التي تتدخل من أجل ضبط العمليات الجزيئية الاقتصادية والتحكم فيها وتوجيهها في إطار خطة عامة (مخطط) ذات أهداف تتعدى الحسابات الفردية للرأسماليين الأفراد… هذا هو ما حدث طيلة التاريخ في تجارب تصنيع ناجحة. إن الرهان الكبير حول دور القطاع الخاص في تنمية بلداننا، في الجنوب العالمي، كما رسخَّت ذلك الأيديولوجية النيوليبرالية طيلة عقود، إنما يعاكس تلك التجربة التاريخية، بما فيها التي عرفتها البلدان المتقدمة نفسها، إذ كان دور الدولة وسياساتها (مثل الحمائية) دور كبير في إنماء قوى الإنتاج وإحداث التحول الهيكلي في اقتصاداتها.
طبعًا لا يجب تصنيم الدولة والإيمان بقدرتها الخرافية على إحداث هذا التحول الهيكلي. يحتاج الأمر إلى تعبئة سياسية واجتماعية يكون عمادها الشعب العامل: الطبقة العاملة وصغار منتجي- ات الغذاء وضحايا البطالة والنساء والأقليات المضطهَدة. وتقدم لنا تجارب أمريكا اللاتينية، في العقود الثلاثة الأخيرة، منظورًا واسعًا لهكذا تدخل شعبي.
ملحوظة لهيئة تحرير “الناس”: العناوين والتقسيم مقترح من فريق المنصة.
للاطلاع على الدراسة، المرجو زيارة موقع أطاك و”تي ني أي”
الدراسة متوفرة بالعربية والإنجليزية:
https://www.tni.org/en/publication/green-industrialisation-in-morocco?translation=ar









