التصنيع في المغرب: كيف خذلت”النيوليبرالية” نفسها

TNI industrialisatio

في دراسة مشتركة بين ATTAC المغرب وTNI، يُقدَّم منظور نقدي جذري للسياسات الصناعية في المغرب و يرفض التصنيعَ المرتبط بالتبعية للمراكز الرأسمالية، ويدعو إلى سياسات سيادية وعادلة وخضراء فعلاً، تضع الطاقة والغذاء والتشغيل والمال في يد المجتمع لا السوق. الجزء الأول من الملخص التنفيذي للدراسة: “التصنيع الأخضر بالمغرب: مطامح كبيرة وعوائق أعظم”. من انجاز علي…

في المغرب، لا النخب الاقتصادية ولا نظامها الحاكم، ناكِرا تغيُّرِ المناخ وآثاره الكارثية على البلد. تعج الوثائق الرسمية بمفاهيم “التنمية المستدامة” و”الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر” و”النمو الأخضر” و”إزالة الكربون”… إلخ. وقبل ذلك بعقود راود حلم التصنيع تلك النخب، منذ محاولة الحكومة التقدمية في نهاية الخمسينيات بناء اقتصاد وطني مستقل عن المستعمِر القديم. اعتمدت الدولة آنذاك، بعد حسم الصراع السياسي بين المَلكية ويسار الحركة الوطنية البرجوازية (حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية)، على القطاع العام لزرع اللبنات الأولى لصناعة مغربية (اقتصرت بشكل متعمَّد ومحدود على الصناعات الخفيفة) وإنماء برجوازية محلية، وتبنت آليات مثل الحمائية وإحلال الواردات وقانون “مغربة الشركات”، لكن مع التركيز على استهداف الأسواق الخارجية، خصوصًا الأوروبية، عبر استراتيجية نمو موجَه نحو الصادرات. وكان تمويل هذا النموذج من التنمية أو التراكم الرأسمالي في صلب الصراع السياسي. وبعد حسم المَلكية للسلطة السياسية، اعتمدت على المديونية الخارجية والضرائب غير المباشرة المفروضة على الاستهلاك كأساس لتمويله؛ أي تحميل الطبقات الشعبية كُلفة إنماء رأسمالية محلية تابعة ستسقط ثمارها يانعة في يد البرجوازية المغربية والأجنبية في ما بعد.

“اعتمدت الدولة على المديونية الخارجية والضرائب غير المباشرة المفروضة على الاستهلاك كأساس لتمويله؛ أي تحميل الطبقات الشعبية كُلفة إنماء رأسمالية محلية تابعة ستسقط ثمارها يانعة في يد البرجوازية المغربية والأجنبية.”

ظهرت أزمة نموذج التراكم الرأسمالي هذه منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين، بحفز من انخفاض أسعار الفوسفاط في السوق العالمية وتكاليف حرب الصحراء وتفجر أزمة المديونية. وفي عز تطبيق برنامج التقويم الهيكلي الذي كان وراء بوادر نزع التصنيع المبكر بالمغرب، كان حلم التصنيع لا يزال قائمًا، وقد نشرت جريدة لوموند سنة 1989 مقالًا بعنوان براق: “المغرب، ‘تنينٌ’ جديد على أبواب أوروبا”.

“رغم كل المجهودات الضخمة واندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية، لا يزال بلدًا غير مصنَّع، وتجري توريةُ ذلك وراء عبارات مثل ‘ضعف مكاسب الإنتاجية’ و’محدودية خلق فرص العمل’.”

بعد عقدي التقويم الهيكلي، وفي سياق انتقال الحكم من ملك راحل (الحسن الثاني) إلى ملك جديد (محمد السادس)، تبنت الدولة سياسات صناعية تعتمد الاستراتيجيات القطاعية القائمة على “المهن العالمية الجديدة”، وعلى رأسها صناعات السيارات والطيران والإلكترونيات، معلنة أن توفير المغريات للرأسمال الأجنبي المباشر كفيل بإغرائه للقدوم والإسهام في تصنيع البلد وتنويع نسيجه الإنتاجي. امتدت هذه الاستراتيجيات على مدى عقدين، وجرى تعديل أهدافها ومقتضياتها كل خمس سنوات، ولم تغير دفتَها الأزمةُ الاقتصادية العالمية (2008- 2009) ولا أزمة منطقة اليورو (2013) ولا أزمة كوفيد-19 (2020)، بل حفزت الدولة والرأسمال المغربي الكبير على السير في نفس السبيل المطروق: النمو القائم على التصدير واستقطاب الاستثمار الأجنبي والاندماج أكثر في سلاسل القيمة العالمية.

لتأمين استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، أقدمت الدولة على سياسة استثمار عمومي كثيف، خصوصا في البنية التحتية (المناطق الصناعية الحرة، الطرق السيارة، السكك الحديدية، المطارات، الاتصالات…)، وتحسين مَناخ الأعمال عبر مراجعة قانون الشغل لجعله أكثر مرونة لتخفيض كلفة العمالة وحفز الاستثمار عبر تشجيعات جبائية وضريبية ومِنح… إلخ.

رغم ذلك، وفي نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تتالت التقارير عن وصول هذا النموذج من التنمية إلى مداه، بدءًا من تقرير البنك الدولي سنة 2017، مرورًا بتقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في نفس العام، انتهاءً بتقرير اللجنة التي كلفها الملك بصياغة وثيقة حول “النموذج التنموي الجديد” في أبريل 2021.

“أعلن رئيس اللجنة التي كلفها الملك بإعداد النموذج التنموي الجديد: ‘النيوليبرالية خذلتنا وخيبت الآمال’. لم تكن تلك التصريحات تعبيرًا عن نية فعلية للتخلي عن النيوليبرالية.”

كانت الخلاصة واضحة وفاقعة: رغم كل المجهودات الضخمة واندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية، لا يزال بلدًا غير مصنَّع، وتجري توريةُ ذلك وراء عبارات مثل “ضعف مكاسب الإنتاجية” و”محدودية خلق فرص العمل” و”فخ البلدان متوسطة الدخل”. وكان تقريران صادران عن بنك المغرب والمندوبية السامية للتخطيط واضحان حول هذا الأمر: لم تُسفر سياسة الاستثمار العمومي رغم معدلاتها المرتفعة، مقارنة مع بلدان أخرى في المنطقة، عن تصنيع حقيقي، واشتكى بنك المغرب سنة 2019 من “ضعف الاستثمار الخاص، بالرغم من الحوافز العديدة الممنوحة”، وأعلن شكيب بنموسى، رئيس اللجنة التي كلفها الملك بإعداد النموذج التنموي الجديد: “النيوليبرالية خذلتنا وخيبت الآمال”. لم تكن تلك التصريحات تعبيرًا عن نية فعلية للتخلي عن “النيوليبرالية”، بل وكما كان الحال بعد الأزمة الاقتصادية العالمية (2008- 2009)، ورغم تضمين الدولة في وثائقها مفاهيما مثل “النمو المحفَّز بالطلب الداخلي” و”السيادة الصناعية”، ظل محور سياستها الاقتصادية هو نفسه: استقطاب الاستثمار الأجنبي وتطوير الصادرات والاندماج أكثر في سلاسل القيمة العالمية.

ملحوظة لهيئة تحرير “الناس”: العناوين والتقسيم مقترح من فريق المنصة. 

للاطلاع على الدراسة، المرجو زيارة موقع أطاك و”تي ني أي”

الدراسة متوفرة بالعربية والإنجليزية: 

https://www.tni.org/en/publication/green-industrialisation-in-morocco?translation=ar

مقالات أخرى
  • الإسلاميون المغاربة وأحداث سبتة: بين مطلب التحقيق وتشخيص أزمة الانسداد

    دخل أكبر مكونين في المعارضة الإسلامية، حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، على خط موجة الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، التي خلفت عشرات الضحايا والمفقودين. وبينما اختلفت لغة البيانين وسقفهما السياسي، فقد التقيا في تحميل السلطات مسؤولية تدبير الأزمة، وانتقاد الصمت الرسمي، والدعوة إلى كشف حقيقة ما جرى.  العدالة والتنمية: لجنة تحقيق وتحذير من أزمة…

    مع الناس

  • الداخلية تقدم روايتها الرسمية لأحداث سبتة

    في أول تفاعل رسمي للسلطات المغربية مع أحداث الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، أكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية أن مختلف المعطيات التي تم تجميعها وتحليلها أبانت أن هذه الأحداث "لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية، وإنما جاءت نتيجة تفاعل عدة عوامل متداخلة، في مقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضلَلة، ودور عصابات…

  • المنسيون..هدم بدون تعويض بالمدينة القديمة للدار البيضاء 

    تجددت بداية هذا الأسبوع الجاري د ساكنة المدينة العتيقة بالدارالبيضاء ب"المحج الملكي" سابقا، ممن تعرضت بيتوهم للهدم، حيث اجتمعوا أمام مقر الولاية رافعين شعارات ويافطات تطالب بإنصاف ممن لم يستفيدوا من التعويض عن ترحيلهم من بيوتهم، وتعددت الحالات واتفقت على ما تلقته من جواب إداري حول عدم ظهور أسماء حوالي 120 مواطنا ومواطنة في قوائم…

    IMG

    مع الناس