بن صميم: “أرباح معلبة” وجفاف لحقول المزارعين

في قلب بن صميم، تتناقض شعارات “الاستخدام المسؤول للمياه” مع واقع الاستغلال المكثف لعيون المنطقة من طرف شركات التعليب. يسلط هذا المقال الضوء على خيبة أمل السكان المحليين بعد خمسة عشر عاماً من الخوصصة، حيث تراجعت الفلاحة المعيشية، وتقلصت العائدات المالية الموعودة، ولم يتبقَ للمنطقة سوى شحّ المياه وأحلام التنمية المؤجلة.
في بن صميم، تتدفق شاحنات الصهاريج ليلًا ونهارًا لتزويد علامة تجارية للمياه المعبأة، بينما يشاهد السكان المحليون مواردهم المائية وهي تتضاءل. فبعد خمسة عشر عامًا من تشييد مصنع تعليب المياه المعدنية، أصبحت المياه شحيحة، وتراجعت الزراعة، وتبخرت وعود توفير فرص العمل والتنمية المحلية.
نحن الآن أمام مقر مصنع معالجة مياه “عين بن صميم”؛ وقرب منبع العين، يقف حارس أمن خاص تابع للشركة المستغلة، مكلف بحراسة المكان ليل نهار. وعلى واجهة المصنع، تعرض لافتة ضخمة شعار العلامة التجارية، وإلى جانبه رسالة توعية حول “الاستخدام المسؤول للمياه. “
ومع ذلك، لا يبدو عند المدخل أي أثر لـ “الاستخدام المعقلن”؛ فالاستغلال المكثف مستمر بلا توقف، كما توحي بذلك شاحنات النقل التي تغادر المصنع ليلًا ونهارًا، محملة بمياه العين نحو مراكز التوزيع في مختلف مناطق المغرب. ونتيجة لهذا الاستنزاف المستمر، أصبحت الفلاحة المحلية تعاني الأمرين.
اقرأ المزيد : من المغرب، تصدير الأفوكادو واستيراد العطش
الآثار على الزراعة
“اليوم تغير الوضع كثيرًا. أصبح الماء شحيحًا. علينا أن نتناوب على الزراعة كل عام لأن الماء لم يعد يصل إلى جميع المزارعين. نعتقد أن مشروع المصنع قد استهلك نصف مياه الينابيع، إن لم يكن أكثر، ونتيجة لذلك، أصبحت المياه المتاحة للسكان وللزراعة شحيحة”.
يروي أحد المزارعين بحسرة: “كانت زراعتنا تعتمد على الفلاحة المعيشية، وتوجيه جزء بسيط منها للسوق المحلي، بالإضافة إلى زراعة أنواع مختلفة من القمح للاستهلاك العائلي. كانت الزراعة قائمة على نظام تضامني يضمن حصول الجميع على نصيبه، حتى الأسر التي لا تملك أرضاً”. ويتابع قائلاً: “اليوم تغير الوضع تماماً؛ إذ أصبحت المياه شحيحة، وصرنا مضطرين للتناوب على الزراعة عاماً بعد عام لأن المياه لم تعد تصل إلى جميع المزارعين. نعتقد أن مشروع المصنع قد استهلك نصف مياه الينابيع، إن لم يكن أكثر، وهو ما تسبب في هذا الشح الحاد الذي يهدد السكان والزراعة معاً. “
من الناحية المالية، تنص الاتفاقية بين “الشركة الأورو إفريقية للمياه” ووكالة “حوض سبو و”جماعة بن صميم” على دفع رسوم سنوية قدرها 4 ملايين درهم للبلدية.
أما بالنسبة لـ “زهور” ــ وهي واحدة من السكان القلائل الذين وافقوا على التحدث إلينا ــ فإن خوصصة مياه العين لم تفِ بالوعود المقطوعة: “في رأيي، لم يتم الوفاء ببنود هذه الاتفاقية؛ فالالتزامات بخلق فرص الشغل تبين أنها مجرد سراب. لقد وعدونا بترميم المنازل والمدارس، لكننا لم نرَ من ذلك إلا القليل جداً، ولا تزال فرص العمل محدودة للغاية”. وتضيف بأسى: “شبابنا بالكاد يجدون ما يسد رمقهم”. وفيما يتعلق بالتشغيل، تظل الحصيلة الهزيلة تؤكد كلامها، إذ لا يتعدى عدد أبناء المنطقة العاملين في هذه الوحدة حوالي عشرين شخصاً فقط.
اقرأ المزيد : “جيران الفوسفاط”…كارثة بيئية وفلاحية
“شبابنا بالكاد يكسبون قوتهم”، تقول بحسرة. أما فيما يتعلق بالتوظيف، فالنتائج متفاوتة؛ إذ يعمل حوالي عشرين شخصاً من المنطقة في هذه الوحدة.
ومن الناحية المالية، تنص الاتفاقية المبرمة بين “الشركة الأورو-إفريقية للمياه” ووكالة “حوض سبو” و”جماعة بن صميم”، على دفع رسوم سنوية قدرها 4 ملايين درهم للبلدية. وهو مبلغ يقل بكثير عن المبالغ الضخمة التي وعدت بها الشركة عند إطلاق الاتفاقية رسمياً عام 2010؛ حيث كان “جان ماري غروسبوا”، الرئيس التنفيذي لشركة “براسيري دو ماروك”، قد وعد بتقديم ما بين 5 و10 ملايين درهم سنوياً للبلدية. أما الحقيقة المؤكدة الوحيدة التي يمكن معاينتها بالعين المجردة اليوم، فهي التدفق المستمر لصهاريج المياه من بن صميم نحو بقية المدن المغربية.









