خريبكة.. أو لعنة الثروة المنجمية

WhatsApp Image 2026 07 24 at 17.13.54

يشكل إقليم خريبكة، عاصمة الفوسفاط العالمية، مظهرا بارزا لمفارقة معقدة: فبينما يقع تحت المدينة واحد من أكبر احتياطيات الفوسفاط بالعالم، تعج شوارعها بالبطالة والعطش والإهمال. استطلاه عن مدينة غنية تُركت مهملة.

بعد الظهيرة بقليل، في أحد أيام ماي 2026، في ساحة محمد الخامس، حيث درجة الحرارة خانقة بالفعل في وسط مدينة خريبكة، بدأت المقاهي تفرغ، والباعة المتجولون يطوون أكشاكهم تحت الأروقة، وسيارات الأجرة تنتظر، محركاتها مطفأة، والظل نادر لأشجار المدينة. على بعد كيلومترات تمتد مناجم المكتب الشريف للفوسفاط على مد البصر. ثورة وطنية تمر عبر تراب إقليم خريبكة بدون توقف. يُشكل هذا المشهد الذي قد يبدو عاديًا تمامًا موضوع هذا الاستطلاع: مدينة لم تُترجم ثرواتها الباطنية إلى راحة حقيقية على سطحها. 

خريبكة: ثروة مركزية ومدينة هامشية

“تحت أقدامها تقع واخدة أكبر احتياطيات الفوسفات في العالم، لكن شوارعها تعاني من البطالة والعطش والإهمال “


خريبگة هي عاصمة إقليم يبلغ عدد سكانه أكثر من 518 ألف نسمة وفقا  لآخر تعداد سكاني عام 2024، و تضم هذه المدينة وحدها ما يقرب من 342 ألف نسمة، ضمن فئة سكانية شابة حيث يزيد عمر أكثر من ربع السكان عن 15 عامًا. تقع المدينة بين منطقتي بني ملال-خنيفرة والدار البيضاء-سطات، ولديها كل المقومات الموضوعية لتصبح مركزًا اقتصاديًا إقليميًا: موقع استراتيجي عند مفترق طرق، ووجود رواسب فوسفاطية تُستغل منذ عشرينيات القرن الماضي، واحتياطيات تُقدّر بما بين 35 و40 مليار متر مكعب. 

لكن خلف واجهة كونها “عاصمة الفوسفاط العالمية”، يعيش الإقليم واقع منطقة هامشية. يبلغ معدل البطالة هناك 29.5%، أي أكثر من ضعف المعدل الوطني (حوالي 13%)، وأعلى بكثير من معدل البطالة في منطقتها (12.5%). ويبلغ معدل بطالة النساء ذروته عند 41.4%، بينما لا تتجاوز نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة 14.8%، مما يكشف عن اقتصاد لا يوفر فرصًا تُذكر للنساء خارج نطاق العمل العائلي غير المدفوع الأجر، والذي ينتشر بشكل خاص في المناطق القروية.

يُعزى هذا الوضع إلى حد كبير إلى تسارع وتيرة مكننة قطاع التعدين. فقد قلّصت شركة الوطنية العملاقة التي لطالما كانت أكبر جهة توظيف في المنطقة، عدد موظفيها على مدى عقدين من الزمن، دون أن يتمكن الاقتصاد المحلي من تنويع موارده. والنتيجة هي اقتصاد يتألف من مشاريع صغيرة وعمل حر، غير قادر على استيعاب شريحة واسعة من الشباب، بعضهم حاصلون على شواهد عليا. بالإضافة لتحول التشغيل بالمنطقة من نموذج العمل القار بالمكتب نحو شركات المناولة (المناجم والنقل والأمن الخاص) التي تعتمد على العمل الهش.

مدينة غير مؤهلة كفاية لمواجهة تغير المناخ

ينضاف إلى الهشاشة الاقتصادية هشاشة المناخ الموثقة. فقد سجلت خريبگة بين عامي 1983 و2022، أعلى زيادة في درجات الحرارة القصوى في منطقة بني ملال-خنيفرة بأكملها، حيث بلغ الارتفاع 3.8 درجة مئوية. كما يشهد الإقليم أكبر انخفاض في معدل هطول الأمطار في المنطقة. فمع هطول ما بين 300 و400 ملم فقط من الأمطار سنويًا، وهو أقل بكثير من الاحتياجات الزراعية، أصبحت حالات الجفاف أكثر تواترًا، مما أدى إلى انخفاض إنتاجية الحبوب وتراجع قطاعات استراتيجية مثل صناعة السكر. 

وتؤثر أزمة المناخ هذه بشدة على السكان الذين يعانون أصلًا من نقص حاد في مياه الشرب. فبينما تتوفر المياه  لـ 72.9% من الأسر في الإقليم، تنخفض هذه النسبة إلى 13.6% في المناطق القروية، مقارنةً بـ 95.1% في المناطق الحضرية، وهو تفاوت صارخ يجعل حوالي 150 ألف من سكان القرى يعتمدون على حلول مؤقتة. كما أن معدل الأمية الذي يبلغ (25.2% في المتوسط، و38.7% في المناطق القروية) يزيد من صعوبة توقع هذه الاضطرابات أو التكيف معها بالنسبة للفئات السكانية الأكثر عرضة للخطر.

وبالتالي فإن خريبكة تعاني من نقاط ضعف متعددة: اقتصاد لا يستغل ثروته المعدنية بالشكل الأمثل، ومناخ يتدهور بوتيرة أسرع من غيره في المنطقة، وبنية تحتية للمياه والصرف الصحي لم تواكب هذا التدهور. 

مدينة فقيرة لكنها غنية بالموارد الطبيعية والمالية

يمكن تلخيص مفارقة خريبكة في جملة واحدة: تُصنف المدينة رسميًا ضمن فئة “الفقر المتوسط”، على الرغم من كونها موطنًا لأكبر مركز تعدين للفوسفاط في العالم. هذه الثروة، التي استُخرجت من باطن الأرض على مدى قرن من الزمن، لم تُترجم إلى تنمية إقليمية تتناسب مع التحديات. 

تتزايد المشاريع المعلنة لكن دون أن ترى النور. المنطقة الصناعية المخطط لها بالشراكة مع شركة صينية، ومحطة الحافلات قيد الإنشاء منذ أكثر من ثلاث سنوات، ومشروع المسلخ المتعثر: كل هذه المشاكل تُغذي، عامًا بعد عام، شعورًا بالوعود الكاذبة. كما أن الشراكة التي أُبرمت في يونيو 2024 مع شركة “هولي غلوبال” لإنشاء منطقة صناعية مُسرّعة على مساحة 300 هكتار في بني يخلف، والتي قُدّمت باحتفال كبير بحضور وزير الداخلية، مع إعلان استثمار بقيمة 1.5 مليار درهم، لم يُكتب لها النجاح.

يُجسّد نادي أولمبيك خريبكة لكرة القدم أزمة مدينة خريبكة. ويُعد هذا النادي رمزًا لمنطقة غنية بالمواهب والطاقات الرياضية. ويعيش النادي والمدينة اليوم على أمجاد الماضي. فقد تُوِّج نادي أولمبيك خريبكة بطلاً للدوري المغربي لكرة القدم الاحترافية سنة 2007، كما أحرز كأس العرش مرتين، وذلك في عامي 2006 و2015. ويظل إنجاز سنة 1996 من أبرز محطات تاريخه، عندما فاز بكأس العرب للأندية الفائزة بالكؤوس بفضل الجيل الذهبي بقيادة الحبابي. أما اليوم، فإن الفريق التاريخي لمدينة خريبكة يقبع في أقسام الهواة، كرمز لمدينة من مدن الهواة. 

وجهة نظر الفاعلين المدنيين

“من الظلم والخطأ القول إن مدينة خريبكة تفتقر إلى كل شيء، ومن التفاؤل المفرط الادعاء بأن خريبكة تنعم بتنمية شاملة ومتناغمة” -عبد الهادي حنين 


لفهم هذه الفجوة بين الثروة والتنمية، جمع منصة “الناس” آراء ثلاثة من الفاعلين المحليين في المجتمع المدني. يرفض عبد الهادي حنين، رئيس جمعية “مغرب المستقبل” وعضو اللجنة المحلية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التبسيط المفرط، قائلاً: “من غير العدل وغير الدقيق القول إن مدينة خريبكة تفتقر إلى كل شيء، ومن التفاؤل المفرط الادعاء بأن خريبكة تستفيد من تنمية شاملة ومتناغمة”. ويشير إلى تداخل المسؤوليات بين المجالس الإقليمية والبلدية، ويأسف لأن البلدية، رغم امتلاكها هامشًا لعقد شراكات مثمرة، لم تستغله بالشكل الأمثل. وفيما يتعلق بالرياضة، التي كانت مجانية في السابق، يلاحظ تحولًا في وضعها: “لقد تحولت الرياضة من حق دستوري إلى خدمة مدفوعة الأجر”.

“لقد تحولت الرياضة من حق دستوري إلى خدمة مدفوعة الأجر.” عبد الهادي حنين 

يرسم عبد الله حسبي، من الجمعية المغربية لحقوق الانسان ، فرع خريبگة، وائتلاف الحق في التنمية، صورةً أكثر قتامة. فهو يتحدث عن البنية التحتية المتهالكة، وإضاءة الشوارع المعيبة التي تهدد سلامة السكان ليلاً، وأزمة بيئية مرتبطة ارتباطاً مباشرا بنشاط التعدين: غبار سام، ومياه غسيل محملة بالمواد الكيميائية، وتلوث إشعاعي ناتج عن وجود اليورانيوم في المناجم، مما يؤثر بشكل أساسي على الفئات الأكثر ضعفاً في المناطق المجاورة لمواقع التعدين. كما يحذر من أزمة مياه الشرب، التي تتسم بانقطاعات متكررة وتدني جودة المياه، ويذكر بأن السلطات منعت محاولة تنظيم مظاهرة سلمية الصيف الماضي من قبل ال.

 “80% من الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتعاونيات مفلسة.” شهادة مخفية الاسم

تُكمل شهادة ثالثة، جُمعت بشرط عدم الكشف عن هوية صاحبها، هذه الصورة بنظرة على الاقتصاد والثقافة المحليين: “80% من الشركات، سواءً كانت صغيرة أو متوسطة أو تعاونية، مُفلسة”، كما يقول أحد السكان، الذي يتحدث عن شباب حامل للمشاريع لكنه يواجه نقصا في المواكبة، ونظام، بحسب قوله، يمنع بروز شخصيات محلية. وعلى الصعيد الثقافي، يُشير إلى أنه في عام 2018، كانت المدينة تفتخر بـ 24 فعالية ثقافية؛ أما اليوم، فلم يتبق منها سوى ثلاث فعاليات، وهي تُعاني: مهرجان الفيلم الأفريقي، الذي لا يحظى بأي دعم حقيقي، ومهرجان “عبيدات الرمى”، المدعوم من وزارة الثقافة، ومهرجان مسرحي يُديره شباب المدينة.

ميلاد جبهة إنقاذ

“تدعو لجنة التنسيق السكان إلى التعبئة من أجل وضع حد للتهميش بخريبگة”


في مواجهة هذا الكم المتراكم من الصعوبات، انتهت القوى الحية في خريبكة إلى تنظيم نفسها. فاجتمعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وجمعية عمال المناجم الشباب، والاتحاد الديمقراطي للعمل، والحزب الاشتراكي الموحد، وفيدرالية اليسار الديمقراطي، والنهج  الديمقراطي، والعدل والإحسان، لتشكيل “تنسيقية الدفاع عن الحق في التنمية في منطقة خريبكة” خلال اجتماعين عُقدا في 17 و20 فبراير/شباط 2026. وفي بيان صحفي بتاريخ 10 أبريل 2026، نددت هذه التنسيقية “بأشد العبارات” بموقف السلطات المحلية والمجلس البلدي، اللذين لم يستجيبا لرسالتين تتعلقان بتدهور البنية التحتية: الطرق المتصدعة، والأرصفة المكسورة، وأعمدة الإنارة المعطلة، والاستيلاء غير القانوني على الأماكن العامة، والتخلص غير القانوني من النفايات. كما يدعم النص عريضة من سكان قرية بير مزوي تطالب بإعادة تأهيل الطرق القروية، ويدين الانسحاب التدريجي لشركة من توفير مناصب الشغل، لصالح استخدام المتقاعدين. أخيرًا، تدعو الهيئة التنسيقية السكان إلى التعبئة للاحتجاجات المستقبلية، وذلك، على حد تعبيرها، “لإنهاء تهميش منطقتهم”. 

من حرارة ساحة محمد الخامس الحارقة إلى غبار مواقع التعدين، ومن نقص المياه إلى المشاريع الصناعية التي لا ترى النور، تروي خريبكة، قصة ثروات مصادرة. ويبقى أن نرى ما إذا كانت الهيئة التنسيقية، التي شُكّلت الشتاء المنصرم، ستنجح في تحويل الغضب المُوثّق إلى أداة للتغيير الحقيقي، أم أنها ستنضم هي الأخرى إلى قائمة خريبكة الطويلة من الوعود التي لم تُنفّذ.

مقالات أخرى
  • تحقيق حول استخراج المياه في المغرب

    يشهد المغرب طفرة في سوق المياه المعبأة. ففي غضون خمسة عشر عامًا، ارتفع استهلاك الفرد من 5 لترات إلى ما يقارب 40 لترًا. ويُباع أكثر من 1.3 مليار لتر سنويًا، ما جعل السوق مصدرًا رئيسيًا للأرباح.

    Screenshot 2026 06 19 at 17.34.11

    بكل جذرية

  • بن صميم: “أرباح معلبة” وجفاف لحقول المزارعين

    في قلب بن صميم، تتناقض شعارات "الاستخدام المسؤول للمياه" مع واقع الاستغلال المكثف لعيون المنطقة من طرف شركات التعليب. يسلط هذا المقال الضوء على خيبة أمل السكان المحليين بعد خمسة عشر عاماً من الخوصصة، حيث تراجعت الفلاحة المعيشية، وتقلصت العائدات المالية الموعودة، ولم يتبقَ للمنطقة سوى شحّ المياه وأحلام التنمية المؤجلة.

    Capture decran 2026 02 24 a 03.57.55 1536x864

    تحقيق

  • سوق استخراج المياه: سوق ينهمر من المنبع!

    يشهد سوق المياه المعبأة ازدهارا كبيرا بالمغرب. سواء كانت مياه معدنية أو مياه المائدة أو فوارة، محلية المصدر أو مستوردة، فالسوق تعرف نجاحا كبيرا. ما هي المؤشرات الرئيسية؟ من هم اللاعبون الرئيسيون؟ إليكم محة سريعة عن هذا السوق المربح والمركز.

    Screenshot 2026 03 02 at 18.06.20

    تحقيق