ملك إسباني على أراضي مغربية محتلة .. كيف يدبر البلدان معادلة الشراكة والسيادة؟

تضع زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية العلاقات المغربية الإسبانية أمام اختبار جديد، بين إصرار مدريد على تكريس سيادتها على المدينتين وتمسك الرباط بموقفها بشأن السيادة الترابية. وتأتي الزيارة في سياق إقليمي حساس، عقب أحداث الهجرة الجماعية نهاية يوليوز الماضي. وبين الحسابات الدبلوماسية ومصالح الشراكة.
في حين اعتبرت “إل باييس” أن الغاية من الزيارة هي إظهار أن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان، ثم “تطبيع” العلاقة بعد ذلك مع المغرب.
تعيش العلاقات المغربية الإسبانية على وقع توتر بلغ مستويات عليا من التشنج بين البلدين الجارين، وذلك رغم الهدوء الظاهري من الجانب المغربي، حيث يشكل حدث زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس لمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين منعطفا في المخاض الذي دشنته أحداث الهجرة الكبرى نهاية يوليوز الماضي، حين استنفر آلاف الشباب المغاربة من كل ربوع المغرب وخاصة مدن الشمال وتوافدوا جماعة على مدينة سبتة في مشهد عبور لم يسبق له مثيل في حملات الهجرة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
زيارة إسبانية ملكية في ظرف حساس
وتأتي اليوم زيارة الملك الإسباني التي تم الإعلان عنها رسميا مسبقا، في سياق مغربي لم يتم فيه تنصيب الحكومة بعد ولم يعلن بعد عن تشكيلتها الرسمية، وبعد ثلاثة أيام من الخطاب الملكي للملك محمد السادس خلال افتتاح البرلمان يوم الجمعة المنصرم، وهو الخطاب الذي أكد فيه العاهل المغربي على الطابع السيادي للشراكة بين المغرب وإسبانيا، مؤكدا على محدودية النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة، ومعتبرا أن الشراكة مع إسبانيا “لن تكون أبدا محل ضغط أو تهديد أو ابتزاز”.
كما أشارت الصحيفة إلى إدراك القصر لحساسية ترتيب الزيارة، وإلى أهمية إسبانيا إلى المغرب باعتبارها بوابة أساسية نحو أوروبا.
وحل العاهل الإسباني مرفوقا بعقيلته بسبتة وسط استقبال جماهيري لآلاف السكان الذين توافدوا منذ الصباح الباكر للترحيب بالملك الذي ترجل عن موكبه واقترب من الصفوف الأمامية للمواطنين الذين اصطفوا للترحيب به، حيث حرص على مصافحة الجموع وتبادل الأحاديث وأخذ الصور التذكارية.
العلاقات المغربية الإسبانية في ميزان الشراكة والسيادة
وحسب وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” فقد تم الاتفاق على الزيارة بين القصر الملكي والحكومة الإسبانية، حيث أعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز في مطلع شتنبر أن الملك فيليبي سيزور سبتة ومليلية، مؤكدا أن الزيارة ستعبر عن “الالتزام المطلق للدولة” تجاههما. فالبنسبة لإسبانيا فالمدينتان إسبانيتان وتتمتعان بالحكم الذاتي، وزيارة الملك لهما تدخل ضمن نشاطه داخل البلاد.
حيث يظهر أن المعادلة لدى مدريد هي أن الحفاظ على علاقة جيدة مع الرباط لا ينبغي أن تكون مرادفا لامتناع الملك عن زيارة المدينتين.
في حين اعتبرت “إل باييس” أن الغاية من الزيارة هي إظهار أن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان، ثم “تطبيع” العلاقة بعد ذلك مع المغرب، كما أشارت الصحيفة إلى إدراك القصر لحساسية ترتيب الزيارة، وإلى أهمية إسبانيا إلى المغرب باعتبارها بوابة أساسية نحو أوروبا. حيث يظهر أن المعادلة لدى مدريد هي أن الحفاظ على علاقة جيدة مع الرباط لا ينبغي أن تكون مرادفا لامتناع الملك عن زيارة المدينتين، وتدفع في اتجاه أن تستمر الشراكة بين البلدين رغم الخلاف حول المدينتين، وألا يصبح تجنب زيارة الملك شرطا لاستقرار العلاقات.
فيما تتوقع مصادر إعلامية أخرى أن الزيارة ستخلق انزعاجا لدى المغرب لكنها لن تكون لها تداعيات دبيلوماسية خطيرة.
وتحمل الزيارة برنامجا موجها للتهدئة الاجتماعية وامتصاص غضب كل الأوساط باختلاف مكوناتها العرقية والدينية، حيث تم الإعلان أن الملك والملكة سيلتقيان ممثلين عن المجتمع المحلي، وسيزوران مدرسة في حي متعدد الثقافات والأديان، كما سيشاركان في مراسم بمقبرة سيدي امبارك تخليدا لذكرى من لقوا حتفهم في البحر.
بين السيادة والشراكة..كيف يدير المغرب الأزمة؟
ويرى مراقبون أن رد الفعل المغربي قد لا يكون مماثلا لما حدث سنة 2007 بعد زيارة الملك السابق خوان كارلوس والملكة صوفيا التي قوبلت باحتجاج مغربي واستدعاء السفير في مدريد للتشاور، وهو الاحتجاج الذي قد لا يتكرر هذه المرة كتعبير عن “الصبر الاستراتيجي”، ليتم اختيار وقت مناسب للاحتجاج مستقبلا بما يحمي الشراكة التي قد يكون التصعيد مكلفا لها، وذلك وفق تحليلات تفسر الصمت الرسمي والحزبي عن الخوض في ردود فعل مباشرة عن زيارة ملك إسبانيا للثغرين المغربيين المحتلين.
وتدفع في اتجاه أن تستمر الشراكة بين البلدين رغم الخلاف حول المدينتين، وألا يصبح تجنب زيارة الملك شرطا لاستقرار العلاقات.
من جانبه عبر حزب النهج الديمقراطي اليساري عن إدانته لهذه الزيارة معتبرا أنها رسالة سياسية ذات دلالة استعمارية، تروم تكريس الأمر الواقع وإضفاء الشرعية على استمرار الاحتلال الإسباني للمدينتين، مستنكرا في بيانه الصمت الرسمي المغربي، منتقدا كونه يروم تغليب منطق تدبير المصالح والتوازنات الدبلوماسية على واجب الدفاع عن السيادة الوطنية، منتقدا صمت الأحزاب وعجزها عن اتخاذ موقف سياسي واضح إزاء قضية تمس الذاكرة الوطنية والسيادة الترابية.
وعاشت إسبانيا على صفيح ساخن أيقظت جمره تيارات اليمين واليمين المتطرف التي اتخذت من حدث الهجرة الجماعية نهاية يوليوز الماضي مطية لتصعيد الخطاب ضد المهاجرين وضد المغرب، وإثارة وضعية سبتة ومليلية كامتداد للسيادة الإسبانية ومنها الأوروبية على أرض إفريقيا والمغرب، وهو الخطاب الذي كثفته المسيرات الكبرى التي شهدتها مدن إسبانية تعلن تشبتها بالمدينتين المحتلتين، وتمحض عنهما هذه الزيارة الملكية للملك فيليبي السادس لسبتة مليلية بعد حوالي عشرين سنة عن آخر زيارة كانت قد أثارت أزمة بين الرباط ومدريد.









