المغرب: اليسار الجذري يتضامن مع إيران ضد الحرب الأمريكية الإسرائيلية

نظمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، يوم أمس الثلاثاء 17 مارس، ندوة رقمية تحت عنوان «تغوّل الإمبريالية وأزمة النظام الدولي: تحديات الشرعية الأممية وحقوق الشعوب»، بحضور متدخلات ومتدخلين سياسيين وحقوقيين، ناقشوا خلالها التحولات الجيوسياسية العالمية، تصاعد النزعة العدوانية الإمبريالية، والأزمات البنيوية للنظام الرأسمالي، إلى جانب انعكاساتها على الشرعية الدولية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.
خلال هذا اللقاء جمال براجع، قيادي في حزب النهج الديمقراطي، قدّم قراءة مطوّلة ومفصلة للتحولات العالمية الراهنة، محاولاً، كما قال، “تناول الموضوع من زاوية معرفة الخلفيات والأسباب العميقة المتحكمة في التحولات على الصعيد العالمي وانعكاساتها على الأوضاع الجيوستراتيجية، وخصوصاً في منطقتنا”.
تصاعد النزعة العدوانية الإمبريالية والأزمة العميقة للرأسمالية
اشار براجع إلى أن العالم يشهد حالياً “تصاعداً للنزع العدواني الإمبريالي بوسائل متعددة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار سعيها لتكريس هيمنتها على العالم”، وذلك في سياق يتميز بتعمق الأزمة البنيوية للرأسمالية داخل المراكز الإمبريالية. أزمة يعتبر أنها “تلقي بظلالها على العالم أجمع”.
ويضيف أن العالم يعرف أيضاً “تحولات جيوستراتيجية عميقة تهدد استمرار هذه الهيمنة”، مما يزيد، بحسب قوله، “من احتمالات توسع بؤر التوتر والصراعات والحروب عبر العالم”.
“التغول أو النزعة العدوانية والعنف الإمبريالي يعكس في حقيقته جوهر الرأسمالية، فهو مكون بنيوي متأصل في طبيعة وبنية الرأسمال”.
يشدد براجع على ضرورة التذكير بأن “التغول أو النزعة العدوانية والعنف الإمبريالي يعكس في حقيقته جوهر الرأسمالية، فهو مكون بنيوي متأصل في طبيعة وبنية الرأسمال”.
نشأة نمط الإنتاج الرأسمالي وتوسعه واستمراره “قامت على العنف والاستغلال المكثف للطبقة العاملة وللموارد الطبيعية واستعمار البلدان واستغلال شعوبها ونهب ثرواتها ونزع أراضيها”.
موضحا أن نشأة نمط الإنتاج الرأسمالي وتوسعه واستمراره “قامت على العنف والاستغلال المكثف للطبقة العاملة وللموارد الطبيعية واستعمار البلدان واستغلال شعوبها ونهب ثرواتها ونزع أراضيها”.
ويتابع بالتأكيد أن الرأسمال “لا يستطيع أن يعيش ويستمر إلا بالاستغلال والعنف والحروب والتوسع، دافعه في ذلك هو الربح ولا شيء غير الربح”. ويستشهد بما كتبه كارل ماركس في “رأس المال” حين قال إن “الرأسمال يقطر دماً وقذارة من الرأس إلى أخمص القدمين”.
وبحسب براجع، يتصاعد النزوع الإمبريالي نحو العنف أكثر “مع هيمنة الرأسمال المالي الاحتكاري في ظل سيادة النيوليبرالية المتوحشة التي أخذت تسود العالم منذ الثمانينيات”، ويضيف أن العالم دخل بعدها “مرحلة القطبية الأحادية تحت الهيمنة المطلقة للولايات المتحدة”، التي أصبحت “القطب الوحيد الذي يدبر تناقضات منظومة الرأسمالية الغربية تحت هيمنته”، وينظم التنافس بين دولها وفق قواعد يفرضها هو، لتحقيق التحكم في المنافع والأسواق ومصادر الطاقة والموارد الاقتصادية.
هذا التحكم تم عبر أدوات مالية واقتصادية كالـ صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية، وأدوات عسكرية أبرزها حلف الناتو وانتشار القواعد العسكرية الأمريكية عبر العالم.
ويعتبر براجع أن توسع الرأسمالية نحو أسواق المنظومة الاشتراكية السابقة أدى إلى “ظهور تناقضات جديدة داخل المنظومة نفسها”، مع صعود أقطاب اقتصادية جديدة مثل الصين وروسيا، اللتين “استفادتا من العولمة ومن القاعدة الإنتاجية والبشرية التي ورثتاها عن تجارب الاشتراكية”. هذه القوى، وفق قوله، باتت “تمتلك مقومات المنافسة والمزاحمة للقوة الرأسمالية الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة”، بل و”تتفوق عليها في عدة ميادين”.
.
كما يرى براجع أن تعمق الأزمة وتراجع الهيمنة الأمريكية “زاد الإمبريالية شراسة في عنفها”، مما جعلها “تلجأ إلى وسائل القوة العسكرية السافرة متحدية المؤسسات والقوانين الدولية”، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة التي “فقدت دورها وفعاليتها وتحولت إلى أداة لتكريس الظلم والعدوان”.
ويضرب مثالاً بقرار مجلس الأمن الأخير “ضد حق إيران في الدفاع عن نفسها”، معتبرا ذلك تجسيدا لسياسة “الكيل بمكيالين”.
الحرب على إيران ومخطط تفكيك المنطقة
القيادي يشرح ان الهجوم الأمريكي–الصهيوني على إيران يهدف إلى إسقاط النظام الإيراني، والقضاء على برنامجه النووي، والسيطرة على موارده الطاقية والمعدنية الهائلة، وتقسيم البلاد طائفياً، وتنصيب نظام عميل، والقضاء على محور المقاومة، وتصفية القضية الفلسطينية. ويرى أن هذا المخطط جزء من “إعادة هندسة الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط تحت الهيمنة الأمريكية–الصهيونية” بهدف إقصاء النفوذ الصيني. لكن براجع يعتبر أن هذا المخطط “اصطدم بصخرة الصمود الإيراني”، الذي “يقدم للعدو الأمريكي والصهيوني دروساً قاسية”، خاصة مع دخول حزب الله على خط المواجهة وإغلاق مضيق هرمز،
“العالم يدخل اليوم “مرحلة رمادية”، تشير إلى “بداية نهاية نظام القطبية الأحادية بقيادة الولايات المتحدة”، وبداية “ولادة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب”، وهي ولادة “عسيرة ستسبب آلاماً كبيرة للشعوب كما في كل المراحل التاريخية الانتقالية”.
“العالم يدخل اليوم “مرحلة رمادية”، تشير إلى “بداية نهاية نظام القطبية الأحادية بقيادة الولايات المتحدة”، وبداية “ولادة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب”، وهي ولادة “عسيرة ستسبب آلاماً كبيرة للشعوب كما في كل المراحل التاريخية الانتقالية”.
يخلص براجع إلى أن التناقض الرئيسي اليوم هو بين المنظومة الإمبريالية الغربية بقيادة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وبين الشعوب وقواها التحررية والتقدمية والدول ذات القرار السيادي، ويدعو تعزيز التضامن الأممي مع الشعوب المستهدفة: فلسطين، إيران، لبنان، السودان، فنزويلا، كوبا، كولومبيا وغيرها. ويؤكد أن الهدف هو “بناء عالم أكثر عدلاً يوفر للشعوب الحياة الكريمة والحق في تقرير مصيرها وتعزيز أدوات الصراع الوطني والديمقراطي والتحرري”.
تحولات عالمية وصعود النزعة العدوانية الامبريالية
فهم الصراعات والحروب في المنطقة يتطلب الوقوف” أولاً عند الأزمات والتحولات التي تشهدها المنظومة العالمية، وانتكاسات العدالة الدولية، وضعف المؤسسات التي من المفترض أن تُطبّق القانون الدولي، والتي لم ترتكز يوماً على مبادئ العدالة والحقوق
أما جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، فقدم قراءة معمّقة للتحولات الراهنة في النظام الدولي، مشيراً إلى أن فهم الصراعات والحروب في المنطقة يتطلب الوقوف” أولاً عند الأزمات والتحولات التي تشهدها المنظومة العالمية، وانتكاسات العدالة الدولية، وضعف المؤسسات التي من المفترض أن تُطبّق القانون الدولي، والتي لم ترتكز يوماً على مبادئ العدالة والحقوق ، بل نشأت هذه المبادئ من رحم الصراعات والحروب الكبرى، وعلى رأسها الحرب العالمية الثانية”. ويؤكد عسري أن فهم هذه الصراعات يستلزم دراسة الدول التي تتحكم أو تلعب أدواراً رئيسية في الأحداث، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تشهد تغييرات متواصلة في بنيتها السياسية، خاصة داخل الحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي، حيث انتفاضة قواعد الشباب (أقل من 40 سنة) على السياسات النخبوية للحزب الديمقراطي تعكس رفضهم تورط الولايات المتحدة في حروب جديدة، بينما يسعى ترامب، بحسب عسري، إلى إعادة هندسة السلطة عبر جمعها في يده وسحبها من المجمع العسكري والاستخباراتي، مع التركيز على صفقات اقتصادية وتجارية تعود بالربح الأكبر للولايات المتحدة، حتى لو اضطر إلى مواجهة الحلفاء والأصدقاء والولايات الداخلية.
من جهة أخرى يشير إلى أن قضية المهاجرين تمثل محوراً جوهرياً في السياسة الأمريكية، إذ تتعلق بالتركيب السكاني المستقبلي للبلاد، ما يجعل الإدارة الأمريكية تواجه تحديات داخلية كبيرة. ويضيف أن هذه الانقسامات أصبحت واضحة للعيان، خصوصاً مع تراجع الدعم التقليدي للكيان الصهيوني بين الشباب إلى أقل من 50%، وظهور نقاشات محتدمة داخل التيار المحافظ حول مدى انصياع الإدارة لأجندة اللوبي الصهيوني، وهو ما تجلّى في الاستقالة الأخيرة لرئيس المخابرات الأمريكية، كدليل على عمق الخلافات والانقسامات الداخلية
ويشير الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد إلى أن الحرب على إيران كان هدفها إسقاط النظام ومنعه من تطوير القنبلة النووية، لكن صمود إيران أحدث صدمة للولايات المتحدة، حيث لم يتمكن أحد من الانشقاق داخل النظام الإيراني. ويربط عسري هذا الصمود بالتوازن الإقليمي، موضحاً أن تدخل حزب الله وإغلاق مضيق هرمز أدى إلى أزمة طاقة عالمية وتضخم كبير، وهو ما أسهم في كشف حدود الهيمنة الأمريكية على الساحة الدولية، وأعاد تشكيل موازين القوى في المنطقة، مع إشارة إلى أن الولايات المتحدة حاولت أيضاً تحقيق مصالح اقتصادية وتجارية مع الصين وروسيا عبر اتفاقيات محددة، دون الدخول في مواجهة مباشرة، في حين ظل الملف الفلسطيني وقطاع غزة محوراً سياسياً بارزاً في الساحة الأمريكية، مع محاولات للسيطرة على القطاع من خلال مشاريع اقتصادية مشروطة بنزع سلاح المقاومة وإسقاط أي حديث عن قيام الدولة الفلسطينية.
تراجع القانون أمام هيمنة القوة
الواقع الحالي لا يقتصر على الانتهاكات المباشرة للقانون الدولي، بل يتعدى ذلك إلى التحولات العميقة في المؤسسات التي يفترض أن تحمي الشعوب، والتي أصبحت فضاءات تُدار فيها المصالح القوية أكثر من مبادئ العدالة
من جانبها أوضحت سعاد براهمة، رئيسة الجمعية، أن” الواقع الحالي لا يقتصر على الانتهاكات المباشرة للقانون الدولي، بل يتعدى ذلك إلى التحولات العميقة في المؤسسات التي يفترض أن تحمي الشعوب، والتي أصبحت فضاءات تُدار فيها المصالح القوية أكثر من مبادئ العدالة”.
وأوضحت براهمة أن هذا الوضع يجعل موقع الجمعية الحقوقية “لا يقتصر على تناول هذا السؤال نظرياً، بل على ما تولده الإجابات الواقعية عنه”، مشيرة إلى أن هذه الاختلالات والمضاعفات تتجاوز الحدود الدولية لتطال الداخل، حيث تنهار الحقوق والحريات، وتقوى المقاربات العنيفة والقمعية، وتضعف كلما تعززت المصالح السياسية الدولية.
وأضافت أن طرح موضوع تغوّل الإمبريالية وأزمة النظام الدولي وآفاق مقاومة الشعوب لا يعني الحديث عن توترة ظرفية أو نزاعات إقليمية متفرقة، بل هو وقوف أمام سياق تاريخي واسع تتكتف فيه أزمة عالمية عنيدة، أبرز سماتها تراجع القانون أمام القوة، وتقدم الهيمنة على حساب العدالة، وتآكل الأسس التي بنيت عليها منظومة الحماية الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.
وبحسب براهمة، كان يفترض أن يشكل القانون الدولي، بمبادئه وقواعده الراسخة، إطاراً دامغاً للعلاقة بين الأمم، يحمي الشعوب من العدوان، ويحفظ سيادتها الوطنية، ويكفل لها حق تقرير المصير، ويمنع استعمال القوة بين الدول. لكن ما نشهده اليوم يؤكد أن هذه المبادئ تتعرض لإفراغ متزايد من مضمونها لتحل محلها الإرادة المنفردة المسلحة بالقوة الغاشمة، لقوة التسلط والهيمنة العالمية.
السنوات الأخيرة شهدت استحكاماً مكشوفاً للمنطق الإمبريالي الصهيوني الرامي إلى إعادة رسم خارطة جيوسياسية واقتصادية جديدة للعالم عبر القوة العسكرية، والضغط الاقتصادي، والتحكم السياسي.
وأشارت إلى أن السنوات الأخيرة شهدت استحكاماً مكشوفاً للمنطق الإمبريالي الصهيوني الرامي إلى إعادة رسم خارطة جيوسياسية واقتصادية جديدة للعالم عبر القوة العسكرية، والضغط الاقتصادي، والتحكم السياسي. وأضافت أن هذا يشكل انتقالاً واضحاً من قوة القانون إلى قانون القوة الجامحة، يتعامل فيه كبار اللاعبين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، مع القانون الدولي بمنطق انتقائي يخدم أجنداتهم ويُعطل أي قيود على مشاريعهم الاستراتيجية.
وأوضحت براهمة أن الحديث عن الشرعية الدولية اليوم أصبح حديثاً نقدياً، لأن الإشكال لم يعد غياب النصوص، بل طبيعة النظام الذي يتحكم في تنفيذها. فالشرعية الدولية تعني خضوع الدول لقواعد مشتركة تنظمها مؤسسات دولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، غير أن الواقع أظهر أن هذه المنظومة نفسها محكومة منذ البداية باختلال بنيوي، يتمثل أساساً في احتكار القرار داخل مجلس الأمن، حيث تمنح خمس دول القدرة على تعطيل أي قرار مهما كانت شرعيته.
القانون الدولي قد يصدر قرارات واضحة، لكن ميزان القوى يمنع تنفيذها، وهو ما يفسر استمرار عشرات القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية دون أثر فعلي لعقود طويلة.
وأكدت براهمة أن” القانون الدولي قد يصدر قرارات واضحة، لكن ميزان القوى يمنع تنفيذها، وهو ما يفسر استمرار عشرات القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية دون أثر فعلي لعقود طويلة، مثل قرار حق العودة، وقرار عدم الاعتراف بضم القدس، وقرار الانسحاب من الأراضي المحتلة وغيرها من القرارات التي بقيت معلقة، خاصة خلال الإبادة الجماعية الجارية بحق الشعب الفلسطيني في غزة”.
القضية الفلسطينية ليست مجرد احتلال، بل مرآة واضحة تعكس أزمة النظام الدولي بأكمله
ولفتت إلى أن الحماية السياسية الأمريكية لجرائم الكيان الصهيوني العنصري جعلت شرعية الأمم عاجزة عن فرض آثارها، مؤكدة أن القضية الفلسطينية ليست مجرد احتلال، بل مرآة واضحة تعكس أزمة النظام الدولي بأكمله. وما يجري في غزة اليوم ليس مجرد عدوان عسكري، بل حرب إبادة جماعية مكتملة الأركان، تشمل القتل الجماعي، واستهداف النساء والأطفال، وتدمير المدارس والمستشفيات، وتجويع السكان، والترحيل القسري، واجتياز كل أسس الحياة، بينما تبقى المنظومة الدولية، التي شيدت صروحا ومؤسسات أممية عديدة، عاجزة أو مشلولة عن التدخل، إن لم تكن في حالات كثيرة متواطئة أو صامتة.









