كيف نصل لسياسة تصنيعية عمومية وسيادية تكون ركيزة التحول الأخضر ؟

Screenshot 2026 04 24 at 00.16.23

في دراسة مشتركة بين ATTAC المغرب وTNI، يتم تقديم عناصر لسياسة تصنيعية عمومية تكون ركيزة التحول الأخضر، ولا تتحمّل المجتمعات المحلّية والشغّيلة كلفته، وتكون تحت رقابة مواطنية (عُمّالية وشعبية)، مموَّلة بآليات لا تزيد تبعية البلد للمراكز الإمبريالية (قديمها وحديثها). الجزء الأخير من الملخص للتنفيذي للدراسة من انجاز علي أموزاي.

“إن مصدري الثروة الوحيدين هما الطبيعة والبشر. وقد عمدت الرأسمالية، طيلة قرون مضت، إلى تحويلهما إلى مجرد عاملَي إنتاج، مُمعنةً في استغلالهما واستنزافهما.”

إن مَصْدَرَي الثروة الوحيدين هما الطبيعة والبشر. وقد عمدت الرأسمالية، طيلة قرون مضت، إلى تحويلهما إلى مجرد عامِلَيْ إنتاج: موارد بشرية (رأسمال بشري) وموارد طبيعية (رأس مال طبيعي)، مُمعنة في استغلالهما واستنزافهما، ولم يكن يحد من تعدياتها سوى مقاومة البشر، وحاليًا انضافت إلى ذلك حدود الطبيعة والكوكب. تعمل الرأسمالية على قمع مقاومة البشر بدعم صعود اليمين المتطرف، وتحاول التكيف مع الأزمة البيئية التي سببتها، لكن بنفس آليات السوق ورسملة ما تعتبره حلولًا للأزمة البيئية، في وقت تتنامى فيه النزاعات العسكرية والسباق نحو التسلح وعسكرة العالم.

في هذا السياق يبرز من جديد نقاش السياسات الصناعية الخضراء، والبحث عن حلول لمعضلات قديمة، خصوصًا في بلدان الجنوب العالمي. ما السبيل إلى تصنيع ينقل هذه البلدان من وضع التخلف الاقتصادي والتبعية والتردي الاجتماعي والخراب البيئي، إلى وضع يضمن للبشر عيشًا كريمًا ويحافظ على “أمنا الأرض”. يدفعنا هذا إلى الدفاع عن منظور للسياسات الصناعية يجعلها سيادية وعادلة وخضراء.

سيادية: بمعنى أن الخيارات الاقتصادية يجب أن تكون قرارًا سياديًا وطنيًا وفي نفس الوقت شعبيًا. يجب أن تنبع كل القرارات الاقتصادية من إرادة الشعوب، بشكل يحقق قطيعة مع آليات التبعية القديمة والجديدة. ليس المؤسسات المالية الدولية ولا الاتحاد الأوروبي من سيحدد لنا ما ننتجه، بل نحن.

عادلة: سياسات تصنيعية تضمن الحياة الكريمة لجميع شرائح الشعب العامل، وتأخذ بعين الاعتبار التضحيات الاجتماعية التي يمكن أن تحدث في حالة قرارٍ بالتخلي عن صناعات بعينها والاستثمار في أخرى. وعادلة بمعنى أخذ مصالح المجتمعات المحلية بعين الاعتبار في أي صوغٍ للسياسات التصنيعية.

بيئية: ليس فقط بنزع الكربون وخفض الانبعاثات، بل بالقطع مع كل أشكال تدمير الكوكب، حتى وإن لم تكن تنفث انبعاثات، مثل الاستخراجية التعدينية. وكل حديث عن “الرأسمالية الخضراء” والاقتصار على “إزالة الكربون”، إنما يعنيان تزويد الرأسمالية المسؤولة عن الأزمة المناخية بطاقات جديدة إلى جانب القديمة الأحفورية، في حين يستدعي الأمر تغيير النظام الاقتصادي بمجمله.

“كل حديث عن ‘الرأسمالية الخضراء’ والاقتصار على ‘إزالة الكربون’ إنما يعني تزويد الرأسمالية المسؤولة عن الأزمة المناخية بطاقات جديدة، في حين يستدعي الأمر تغيير النظام الاقتصادي بمجمله.”

يحتاج هذا المنظور العام إلى مَحاور دقيقة وتوصيات ملموسة للتدخل في النضالات الاجتماعية والمقاومات الشعبية الجارية، لتكون تلك المحاور والتوصيات جسرا يربط بين الحاجيات اليومية للناس وبين منظور تحويل اقتصادي وانتقال بيئي عادلين:

* سياسة تصنيعية عمومية تكون ركيزة التحول الأخضر، ولا تتحمّل المجتمعات المحلّية والشغّيلة كلفته، وتكون تحت رقابة مواطنية (عُمّالية وشعبية)، مموَّلة بآليات لا تزيد تبعية البلد للمراكز الإمبريالية (قديمها وحديثها)؛

* سياسة طاقية تضع على رأس أولوياتها تزويد السوق الداخلية بطاقة نظيفة. ستتيح إعادة إنتاج الطاقة وتوزيعها إلى القطاع العمومي إمكان سن سياسة طاقية خضراء ومساهِمة في تصنيع البلد وفك تبعيته الطاقية؛

* نقل عمومي جماعي: لن تستقيم سياسة تصنيعٍ أخضر دون توسيع فعّال للنقل العمومي المُستخدِم للطاقات النظيفة، وسنّ سياسة جبائية ثقيلة تجاه السيارات الخاصة وفوائد مرتفعة على القروض الخاصة بشرائها؛

* سيادة غذائية فعلية: تقع المسألة الزراعية في صلب أي تصنيع، فَلِكَيْ تتوسع الصناعة فإنها تحتاج إلى زيادة أكبر بكثير في إنتاج الأغذية والمواد الأولية الزراعية بشكل متناسق: الأغذية لضمان غذاء سكان المدن الذين ترتفع أعدادهم، والمواد الأولية من أجل المصانع. هذه الفلاحة بحاجة إلى معدات (جرارات وحصادات ودارسات) وأسمدة… إلخ. هذا ما يجب أن تتوجه إليه أي خطة تصنيع بدل فتح البلد أمام شركات السيارات التي تبحث عن كلفة أرخص (يد عاملة وبنية تحتية) لتجميع مُركباتها ثم تصديرها مع مكاسبها المالية، إلى مواطن تلك الشركات؛

“هذه التوصيات ومنظورها الأوسع المعادي للرأسمالية لا يمكن تطبيقها من طرف نُخب اقتصادية تستفيد من الوضع القائم الذي تحميه سلطة مستبدة سياسية.”

* السياسة المالية: جعل القطاع البنكي والمالي قطاعًا عموميًا تحت إشراف مؤسسات تخضع لرقابة شعبية ومواطنية، عكس القائم حاليًا؛ حيث البنك المركزي مستقلّ ولا يخضع حتى لرقابة برلمانية وحيث البنوك تفضل المقترِضين الكبار… والتعويض عن الديْن الاستعماري والإيكولوجي، الذي من شأنه استرداد ما نهبه الاستعماريون القدامى وينهبه الجُدد؛

* سياسة ضريبية تُحمِّل للأغنياء مسؤولية الأزمة المركَّبة (اقتصادية واجتماعية وبيئية) التي تسببوا فيها: ضريبية تصاعدية، مع تخفيض جذري، بل وإلغاء ضريبة القيمة المضافة على مجموعة من الخدمات الأساسية – بدءاً بالمياه والكهرباء – وزيادة جذرية في الضرائب على دخل وأموال الأغنياء؛

* سياسة تشغيل قارّ تأخذ بعين الاعتبار من سيكونون ضحايا الانتقال الأخضر؛ فقسمٌ كبير من الطبقة العاملة يتخوّف من فقدان مناصب شغله إن تخلّت الدولة عن السياسات المدمّرة للطبيعة والملوثة. لن يستحضر القطاع الخاص الرأسمالي هذا المُتَطلَّب، لذلك لا بدّ من سياسة تشغيل عمومي تضع نصب أعينها سياسة تصنيع اجتماعية وخضراء؛

* يجب أن تستحضر هذه المقترحات والتوصيات الأفقَ المغاربي للانتقال الأخضر؛ فالسوق المغاربية المجَزَّأة تشجّع أكثر على ارتهان بلدانها للمراكز الرأسمالية التقليدية (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) والحديثة (الصين)، وفي نفس الوقت يمنع ذلك التجزؤُ تلك البلدان من الاستفادة من تكامل مواردها الطبيعية وإمكاناتها الاقتصادية. فالجزائر وليبيا ومصر تمتلك موارد طاقة كبيرة، بينما المغرب وتونس لديهما احتياطيات من الفوسفات وقدرات زراعية. يمكن إعادة توجيه عائدات النفط الجزائرية نحو الاستثمار الإقليمي لتمويل مشاريع إنتاجية في تونس والمغرب بدلاً من القروض الأجنبية. في المقابل، يمكن للمغرب وتونس تزويد الجزائر بالغذاء بدلاً من اعتماد الجزائر على الواردات المكلفة من أوروبا أو روسيا. يمكن للمغرب، بصفته منتجاً للطاقة الشمسية، استيراد الألواح الشمسية من تونس، بصفتها منتجة لها. لن يؤدي هذا التعاون إلى بناء القدرات الإنتاجية وتعزيز السيادة الغذائية فحسب، بل سيشكل أيضاً تحدياً لتبعية المنطقة لرأس المال الأجنبي. يتطلب كسر حلقة التبعية إعادة توجيه الاقتصادات بعيداً عن خدمة احتياجات الدول المتقدمة نحو تجارة أكثر إنصافاً وتكنولوجيات مشتركة عبر الجنوب العالمي.

أخيرًا: الديمقراطية أولًا وأخيرًا. هذه التوصيات ومنظورها الأوسع المعادي للرأسمالية لا يمكن تطبيقها من طرف نخب اقتصادية تستفيد من الوضع القائم الذي تحميه سلطة مستبدة سياسية مستفيدة بدورها من هذا الوضع. تنير لنا الطريق تجارب اختراق انتخابي في أمريكا اللاتينية حيث تمكنت حكومات مدعومة من طرف حركات شعبية (عمالية وفلاحية) من تطبيق برامج اجتماعية واقتصادية، بغض النظر عن حدودها وعدم إصرارها على إحداث القطيعة الفعلية مع المراكز التي تحكم على بلداننا وشعوبنا بالفقر والبطالة والبؤس والدمار البيئي.

ينبغي أن نحلم

ملحوظة لهيئة تحرير “الناس”: العناوين والتقسيم مقترح من فريق المنصة. 

للاطلاع على الدراسة، المرجو زيارة موقع أطاك و”تي ني أي”

الدراسة متوفرة بالعربية والإنجليزية: 

https://www.tni.org/en/publication/green-industrialisation-in-morocco?translation=ar

مقالات أخرى
  • الإسلاميون المغاربة وأحداث سبتة: بين مطلب التحقيق وتشخيص أزمة الانسداد

    دخل أكبر مكونين في المعارضة الإسلامية، حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، على خط موجة الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، التي خلفت عشرات الضحايا والمفقودين. وبينما اختلفت لغة البيانين وسقفهما السياسي، فقد التقيا في تحميل السلطات مسؤولية تدبير الأزمة، وانتقاد الصمت الرسمي، والدعوة إلى كشف حقيقة ما جرى.  العدالة والتنمية: لجنة تحقيق وتحذير من أزمة…

    مع الناس

  • الداخلية تقدم روايتها الرسمية لأحداث سبتة

    في أول تفاعل رسمي للسلطات المغربية مع أحداث الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، أكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية أن مختلف المعطيات التي تم تجميعها وتحليلها أبانت أن هذه الأحداث "لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية، وإنما جاءت نتيجة تفاعل عدة عوامل متداخلة، في مقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضلَلة، ودور عصابات…

  • خريبكة.. أو لعنة الثروة المنجمية

    يشكل إقليم خريبكة، عاصمة الفوسفاط العالمية، مظهرا بارزا لمفارقة معقدة: فبينما يقع تحت المدينة واحد من أكبر احتياطيات الفوسفاط بالعالم، تعج شوارعها بالبطالة والعطش والإهمال. استطلاه عن مدينة غنية تُركت مهملة.

    WhatsApp Image 2026 07 24 at 17.13.54

    في الميدان