سوق استخراج المياه: سوق ينهمر من المنبع!

Screenshot 2026 03 02 at 18.06.20

يشهد سوق المياه المعبأة ازدهارا كبيرا بالمغرب. سواء كانت مياه معدنية أو مياه المائدة أو فوارة، محلية المصدر أو مستوردة، فالسوق تعرف نجاحا كبيرا. ما هي المؤشرات الرئيسية؟ من هم اللاعبون الرئيسيون؟ إليكم محة سريعة عن هذا السوق المربح والمركز.

| من إنجاز: صلاح الدين لمعيزي 
| فيديو: أيوب جابر

أحصينا أربعا وعشرين علامة تجارية في أسواق الدار البيضاء والرباط (انظر الجدول 1). ويُعدّ استيراد العلامات التجارية من إسبانيا وفرنسا، وحتى تركيا، اتجاها سائدا حاليًا. ومع ذلك، لا تزال الشركات الكبرى تُهيمن على سوق شبه احتكاري. وتشير المؤشرات الرئيسية إلى نتائج إيجابية لجميع الشركات، ويبدو المستقبل واعدا حتى عام 2030. 

المياه المعبأة: سوق مزدهر 


تُظهر دراسة حديثة لسوق المياه المعبأة في المغرب، أجراها مكتب “موردور إنتليجنس”  والذي قام موقع “الناس” بالاطلاع على تقريره، أن حجم السوق من المتوقع أن ينمو بنسبة 2.73% سنويًا بين عامي 2025 و2029. ويتحسن نمو المبيعات بنسبة 10% سنويًا. وتنحو هذه التوقعات اتجاهًا تصاعديا مستمرًا منذ عام 2015.

 ويلخص رقم واحد النمو الواعد لهذا السوق: فقد ارتفع متوسط استهلاك الفرد في المغرب من 5 لترات عام 2007 إلى 28.4 لترًا عام 2015. ويشهد الاستهلاك نموًا متسارعًا، حيث قُدّر بنحو 40 لترًا عام 2020. وتبلغ قيمة هذا السوق حاليًا 160 مليون دولار أمريكي في المغرب. ووصل استهلاك المياه المعبأة في المغرب إلى ما يقارب 1.3 مليار لتر، وتتجاوز إيرادات القطاع 1.5 مليار درهم. 

“يؤدي التدهور المستمر لجودة مياه الصنابير في العديد من المدن المغربية إلى خلق سوق استهلاكية حكرا لهذه الشركات”

ويعتقد مكتب الاستشارات هذا، أن هذا النمو يعود إلى عدة أسباب. وتشير شركة “موردور إنتليجنس” إلى “تزايد الوعي بتدني جودة مياه الصنبور في المغرب”. أما السبب الثاني فهو اهتمام المستهلكين المغاربة “بصحتهم ورفاهيتهم”. ويضيف نفس التقرير المخصص لتحليل هذه السوق: “نظرًا لتزايد الوعي الصحي والمشاكل الصحية المرتبطة باستهلاك المشروبات الغازية، فمن المتوقع أن يستمر الطلب على المياه المعدنية في النمو باطراد”.

اقرأ المزيد : من المغرب، تصدير الأفوكادو واستيراد العطش

 تسويق هجومي 

“تستثمر هذه الشركات بكثافة في التسويق لجذب انتباه المغاربة وترسيخ مكانتها في عاداتهم الاستهلاكية”


يُغذّي هذان العاملان أيضًا التسويق الهجومي، سواءً عبر الإنترنت أو خارجه، الذي تقوم به شركات المياه المعبأة. لا تدخر هذه الشركات جهدًا في مجال التواصل، فتستعين بسفراء للعلامة التجارية من بين نجوم الرياضة والفن، وتستخدم التسويق عبر المؤثرين لاستهداف فئة الشباب. وتتعدد الأدوات المستخدمة، من تسويق العلامة التجارية، إلى عقود الرعاية مع الاتحادات الرياضية، وخاصةً اتحادات كرة القدم، وسباقات الماراثون، ومسابقات الجري، وغيرها. باختصار، تبذل هذه الشركات قصارى جهدها لجذب انتباه المغاربة وترسيخ منتجاتها في عاداتهم الاستهلاكية. وقد أصبح الأطفال من بين الفئات المستهدفة المفضلة، حيث تستخدم عبوات المنتجات شخصيات كرتونية شهيرة لجذب الأطفال الصغار. والجدير بالذكر أن هذه الأساليب التسويقية الموجهة للأطفال محظورة في العديد من دول العالم، بما فيها كندا.

 تعتمد هذه الاستراتيجيات التسويقية المحكمة على عامل رئيسي واحد: التدهور المستمر لجودة مياه الصنبور في العديد من المدن المغربية. يخلق هذا الواقع سوقًا استهلاكية مضمونة، حيث يلجأ المستهلكون إلى أرخص أنواع المياه: مياه المائدة، وهو منتج لا يتطلب سوى القليل من الابتكار الصناعي أو العمليات المعقدة. إنها في جوهرها سوق ربحية قائمة على ترخيص استخراج المياه من الينابيع أو تعبئة المياه المعدنية بعد معالجتها وترشيحها أو حتى تصفية مياه الصنبور وتعليبها. 

انتشار لدى كل فئات المجتمع 

Visuel ben smim

 يؤكد محللو شركة “موردور إنتليجنس” أن المياه المعدنية متوفرة بنوعيها العادي والغازي، ولكن نظرًا لانخفاض سعر المياه العادية وتزايد استخدامها في المنازل، يفضل المستهلكون المياه المعدنية العادية”، ويضيفون: “استحوذت المياه العادية على حصة سوقية كبيرة، وستستمر في الاستحواذ على الحصة الأكبر خلال الفترة المتوقعة”.

 وتعتمد استراتيجية الشركات العاملة في هذا السوق على عنصر أساسي في السوق: “الأسواق الممتازة” والمتاجر الكبرى للعلامات التجارية في قطاع التوزيع، مما يسمح للقطاع بتحقيق نمو سريع. ويوضح مكتب الاستشارة: “يوفر توفر المياه المعبأة في محلات الأسواق الممتازة والمتاجر الكبرى تجربة تسوق شاملة، مما يحفز الطلب على هذه المنتجات. وتُعد محلات السوبر ماركت في المغرب المنفذ المحلي للمياه المعبأة وغيرها من المنتجات الغذائية الأساسية. ومع تزايد انتشار محلات السوبر ماركت في المغرب، يُتوقع أن تُشكل أكبر سوق منفردة لمبيعات المياه المعبأة”.

 لكن الشركات العاملة في هذا القطاع تُوسّع نطاق عملياتها. فهي تستهدف أيضًا قنوات التوزيع المحلية، من خلال محلات البقالة ونقط البيع القريبة في الأحياء الشعبية، التي “تُقدّم للمستهكلين كميات كبيرة من المياه المعبأة”، بحسب ما ذكرته شركة “موردور إنتليجنس”. وتُعدّ المقاهي والمطاعم منفذًا آخر للشركات. فقد رسّخت المقاهي عادة استهلاك المياه المعبأة في قنينات صغيرة سعة 30 سنتيلتر كعادة شائعة في المغرب، حيث تُقدّم مع المشروبات الساخنة (القهوة والشاي وغيرها). وقد برز هذا القطاع بقوة منذ عام 2010، وانتشر على نطاق واسع في السنوات اللاحقة في جميع أنواع المقاهي وفي جميع المدن المغربية.

 تنبيه من الأمم المتحدة

تجعل هذه الاستراتيجيات المتعددة سوق المياه المعبأة في المغرب من أكثر الأسواق الواعدة عالميًا. وكما يُشير تقرير للأمم المتحدة يُسلط الضوء على الاستخدام المكثف للمياه المعبأة، لا سيما فيما يتعلق بالتلوث البلاستيكي، فإن الدول ذات النمو المرتفع هي تلك التي لا تُولي اهتمامًا كافيًا للوعي البيئي، مثل دول الخليج وبعض دول الشرق الأوسط. 

 “يسلط هذا التقرير الصادر عن الأمم المتحدة الضوء على الآثار السلبية لهذه الصناعة الملوثة والمخاطر التي تهدد الصحة العامة” 

في تقريرها “صناعة المياه المعبأة عالميا: مراجعة للآثار والاتجاهات” الصادر عام 2023، يصنف المغرب من طرف خبراء “معهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة” في المرتبة السادسة كأسرع الدول نموا في العالم. وتتصدر مصر القائمة بنمو هائل بلغ 40 بالمائة، ويشهد المغرب نموًا سنويًا بنسبة 10% (انظر الجدول 2). يُبرز هذا التقرير الآثار السلبية لهذه الصناعة الملوثة والمخاطر التي تُهدد الصحة العامة. وعلى الرغم من هذه المخاطر، فإن المصالح المالية المحيطة بهذا السوق لها الأولوية بلا شك. 

اقرأ المزيد : “جيران الفوسفاط”…كارثة بيئية وفلاحية

لاعبون أقوياء وذوو نفوذ

على الرغم من دخول لاعبين جدد إلى هذا السوق بشكل منتظم، بل وشهريًا، لا سيما مستوردي المياه المعبأة، إلا أن القطاع لا يزال يهيمن عليه احتكار القلة. ويحلل مكتب الدراسات “سوق المياه المعبأة في المغرب” قائلا: “يُعتبر سوق المياه المعبأة في المغرب مجزأً إلى حد ما”. ويشير مكتب “موردور إنتليجنس” إلى أن “مياه أولماس المعدنية “ليمو” تستحوذ على حصة سوقية كبيرة، تليها شركات دولية أخرى”. وتتقاسم هذه الشركة، المملوكة لشركة “هولماركوم” القابضة، السوق مع شركات عالمية مثل كوكاكولا، ونستليه، وشركة مياه “فيجي”، ودانون (انظر الجدول 3). 

Visuel ben smim 2 (1)

ويجذب النمو السنوي المُقدّر بنسبة 10% في المغرب مجموعات مغربية كبرى متخصصة في القطاع الفلاحي، والتي تطلق علاماتها التجارية الخاصة أو تستحوذ على شركات في هذا القطاع. وينطبق هذا على صندوق الاستثمار التابع للعائلة الملكية، “المدى”، من خلال شركة عين سايس عبر شركة “سوثيرما”. كما أن شركة “ينا” القابضة (عائلة الشعبي)، من خلال شركة “عين سلطان”، حاضرة في السوق منذ عقدين. دخلت شركة “موتانديس”، المملوكة للوزير السابق عادل دويري، هذا القطاع مؤخراً، حيث استحوذ رجل الأعمال على شركة المياه الأوروبية الأفريقية، المالكة لعلامة عين إفران التجارية. وهذا ما يجعل القطاع سوقاً “مرتبطاً سياسياً”.

 تُسهّل العلاقات بين الشركات والشخصيات السياسية والأفراد ذوو النفوذ، بطريقة أو بأخرى، الحصول على تراخيص التشغيل، لا سيما فيما يتعلق بالينابيع المعدنية. خلال حملة المقاطعة ضد علامة سيدي علي التجارية الشهيرة، كان من الممكن أن يكون لهذا الظهور السياسي والجماهيري لبعض رواد السوق ثمن باهظ لشركة “ليمو” في عام 2016. 

فقد شهدت الشركة، وللمرة الأولى، انخفاضًا في الإيرادات وتراجعًا مؤقتًا في المبيعات. إلا أن المقاطعة لم تكن سوى عاصفة عابرة قبل أن تستعيد “ليمو” العملاقة حصتها السوقية. وتمتلك الشركة الرائدة في مجموعة عائلة بن صالح غريزة البقاء، نابعة أيضًا من وجودها الطويل الأمد في المناطق التي تعمل بها (ترميلات، بالقرب من خميسات، وأولماس). 

“يعود تاريخ استغلال مياه العيون والمياه الجوفية في المغرب إلى الحقبة الاستعمارية. فقد مُنح أول ترخيص خلال فترة الاستعمار الفرنسي (عام 1934) لشركة: ” الفلاحية للمياه المعدنية والماس” 

“يعود تاريخ استغلال مياه العيون والمياه الجوفية في المغرب إلى الحقبة الاستعمارية. فقد مُنح أول ترخيص خلال فترة الاستعمار الفرنسي (عام 1934) لشركة: ” الفلاحية للمياه المعدنية والماس”. وهي الشركة الأم للشركة الرائدة “ليمو” في هذا السوق.

 في منطقتي تارميلات – أولماس، يكاد يكون صوت الاحتجاج غير مسموع تماما. في المقابل، في منطقة بن صميم (انظر روبطاج الملف)، ناضل السكان ببسالة بين عامي 2006 و2010 ضد استغلال مصدر مياههم، وواجهوا القمع والسجن. وفي عام 2021، في منطقة إيموزار كاندار، ثار السكان ضد تجفيف مصدر مياههم بعد سنوات من استغلاله لتعبئة مياه “عين سلطان” من قبل مجموعة “ينا” القابضة. في ظل سوق مربح وواعد يحاول الفاعلون في القطاع الاستمرار في إخفاء اثار استخراج المياه المعدنية باستراتيجيات تسويقية متطورة أو حملات المسؤولية الاجتماعية للشركات…لكن الى متى ؟ 

مقالات أخرى
  • خريبكة.. أو لعنة الثروة المنجمية

    يشكل إقليم خريبكة، عاصمة الفوسفاط العالمية، مظهرا بارزا لمفارقة معقدة: فبينما يقع تحت المدينة واحد من أكبر احتياطيات الفوسفاط بالعالم، تعج شوارعها بالبطالة والعطش والإهمال. استطلاه عن مدينة غنية تُركت مهملة.

    WhatsApp Image 2026 07 24 at 17.13.54

    في الميدان

  • تحقيق حول استخراج المياه في المغرب

    يشهد المغرب طفرة في سوق المياه المعبأة. ففي غضون خمسة عشر عامًا، ارتفع استهلاك الفرد من 5 لترات إلى ما يقارب 40 لترًا. ويُباع أكثر من 1.3 مليار لتر سنويًا، ما جعل السوق مصدرًا رئيسيًا للأرباح.

    Screenshot 2026 06 19 at 17.34.11

    بكل جذرية

  • بن صميم: “أرباح معلبة” وجفاف لحقول المزارعين

    في قلب بن صميم، تتناقض شعارات "الاستخدام المسؤول للمياه" مع واقع الاستغلال المكثف لعيون المنطقة من طرف شركات التعليب. يسلط هذا المقال الضوء على خيبة أمل السكان المحليين بعد خمسة عشر عاماً من الخوصصة، حيث تراجعت الفلاحة المعيشية، وتقلصت العائدات المالية الموعودة، ولم يتبقَ للمنطقة سوى شحّ المياه وأحلام التنمية المؤجلة.

    Capture decran 2026 02 24 a 03.57.55 1536x864

    تحقيق