يفتح في علامة تبويب جديدة

الذكرى الأولى لاحتجاجات «جيل زد 212»: مطالب معلّقة وشباب بين المحاكم والسجون

566225593 824724869947635 8440507589165393049 n

مرّ عام على خروج شباب «جيل زد 212» إلى شوارع مدن مغربية للمطالبة بالصحة والتعليم والشغل والكرامة. وخلال هذا العام، انتقلت حياة كثيرين منهم إلى مسار آخر: توقيفات، وحراسة نظرية، ومحاضر، ومحاكمات، ثم أحكام بالسجن أو انتظار طويل خلف القضبان.

بعد عام على انطلاق احتجاجات «جيل زد 212» في المغرب، لا تزال ملفات مئات الشباب أمام القضاء، فيما يقبع آخرون في السجون وتواصل عائلاتهم المطالبة بالإفراج عنهم؛  بينما لا تزال الأسباب التي دفعتهم الاحتجاج قائمة. في الذكرى الأولى للحراك، خصّصت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان واللجنة الوطنية لمساندة ضحاياه ثلاثة أيام للتضامن مع المعتقلين وأسرهم،

 تم افتتاح الفعاليات بندوة رقمية تناول فيها حقوقيون ومحامون ومشاركون في الاحتجاجات أسباب الحراك، وما رافقه من توقيفات وشكاوى عنف ومحاكمات، وما آلت إليه مطالبه بعد عام.

صرخة جيل ضد سنوات من الإقصاء

تبدأ عزيزة بنوازي عضوة اللجنة الإدارية للجمعية المغربية لحقوق الانسان من سؤال عن الجيل الذي قاد الاحتجاجات: في أي ظروف كبر هؤلاء الشباب، وما الذي جعلهم يقررون الخروج إلى الشارع؟ تقول إن كثيراً منهم لم يجدوا مؤسسات وفضاءات عامة تتيح لهم المشاركة والتعبير، بينما فقط من خلال الهاتف صار بإمكانهم أن يقارنوا يومياً واقعهم بما يشاهدونه عن شروط الحياة والحقوق في أماكن أخرى. وفي حياتهم المباشرة، يواجهون البطالة وتراجع خدمات الصحة والتعليم، واتساع المسافة بين طموحاتهم وما هو متاح لهم.

وتستعيد بنوازي وفاة ثمانية نساء في قسم الولادة بمستشفى عمومي، معتبرة أنها كانت من الوقائع التي فجّرت غضباً متراكماً. ففي قراءتها، لم تكن المطالبة بالصحة شعاراً منفصلاً عن حياة الشباب وأسرهم، بل جاءت من تجربة يومية مع صعوبة الحصول على العلاج. وإلى جانب الصحة، حضرت في احتجاجاتهم مطالب التعليم والشغل والكرامة ومحاربة الفساد.

وحول موضوع رفع الشباب شعارات يقارنون فيها بين الإنفاق على الملاعب والحاجة إلى المستشفيات، تقول بنوازي إنهم كانوا يسائلون ترتيب الأولويات. فبينما تُنجز منشآت وتجهيزات بمواصفات عالية، يجد مواطنوت صعوبة في العلاج أو في الحصول على تعليم جيد، ويبحث شباب عن فرصة عمل تتيح لهم بناء مستقبلهم. وتضيف أن الفساد، بالنسبة إلى المحتجين، ليس مسألة بعيدة عن حياتهم؛ بل يلمسون آثاره في محاولاتهم متابعة الدراسة أو الوصول إلى خدمة عمومية أو إيجاد عمل.

في الوقت الذي يتم فيه تشييد منشآت بمواصفات عالية، و يواجه فيه مواطنون صعوبة في العلاج والتعليم، ويبحث شباب عن عمل يتيح لهم بناء مستقبلهم، خرج شباب في مدن مختلفة حاملين غضب سنوات من التهميش والإقصاء. وكانت مطالبهم بالصحة والتعليم والشغل والكرامة ومحاربة الفساد صرخةً لتذكير الدولة بواجباتها تجاه المواطنات والمواطنين» خديجة الرياضي

وتلتقي خديجة الرياضي، الرئيسة السابقة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، مع هذا التوصيف للأسباب التي سبقت الاحتجاجات. تقول إن الشباب خرجوا في مدن مختلفة حاملين غضباً تراكم خلال سنوات من التهميش والإقصاء. وترى أن مطالبهم بالصحة والتعليم والشغل والكرامة ومحاربة الفساد كانت تذكيراً للدولة بواجباتها تجاه المواطنات والمواطنين.

بحسب الرياضي، لم يُقابل خروجهم بحوار جاد حول أسباب الغضب بل بقبضة أمنية حيت تقول إن الشوارع والأحياء طُوّقت، وإن تدخلات عنيفة رافقت الاحتجاجات، قبل أن تبدأ حملة توقيفات مع نهاية شتنبر وتستمر خلال أكتوبر. وتضيف أن التوقيفات لم تقتصر، وفق ما رصدته، على أماكن التظاهر؛ بل طالت شباباً في المقاهي والمنازل وأماكن أخرى.

وتتحدث بنوازي، التي واكبت الحراك ميدانياً إلى جانب ناشطات ونشطاء حقوقيين، عن حضورهم في ساحات الاحتجاج لمساندة الشباب، معتبرة أن مطالب الصحة والتعليم تقع في صلب العمل الحقوقي. وتقول إنها عاينت بنفسها تدخلات عنيفة ضد المحتجين، وتعرضت بدورها للعنف، كما تابعت مشاهد من مدن أخرى أظهرت، وفق وصفها، ضرب مواطنين ومواطنات وتعنيفهم وسحلهم.

«بقينا موقوفين لأكثر من ست ساعات في ظروف لم تتوفر فيها حتى مرافق صحية. تعرضنا لعنف لفظي، وسمعنا من شابات شهادات عن التحرش وسوء المعاملة. »، عزيزة بنوازي.

وتروي أنها بقيت موقوفة لأكثر من ست ساعات في ظروف افتقرت، بحسب شهادتها، إلى أبسط شروط السلامة والكرامة، بما في ذلك الولوج إلى مرافق صحية. وتتحدث عن ألفاظ نابية وعنف لفظي، وتنقل شهادات شابات قلن إنهن تعرضن للتحرش أو لمعاملة مسيئة. وترى أن توثيق هذه الشهادات والإنصات إلى أصحابها ضروري لفهم ما جرى خلال الاحتجاجات..

أما رشيد آيادا بلعربي؛ محام ضمن دفاع معتقلي جيل زد، فيعود إلى الأيام الأولى للحراك من زاوية الملفات التي تابعها الدفاع. يقول إن الاحتجاجات انطلقت سلمية في مدن ومناطق مغربية عدة. وفي اليومين الأولين فيما أُوقف عدد من المشاركين لساعات ثم أُطلق سراحهم. قبل ان تتسع التوقيفات ويوُضع موقوفون رهن الحراسة النظرية، بالتزامن مع أحداث عنف شهدتها بعض المناطق.

يرى آيت بلعربي أن هذه الأحداث غلبت، في الخطاب الذي رافقها، على صورة الحركة كلها. فقد تم تقديم الحراك باعتباره حركة عنيفة تسعى إلى الإضرار بالأمن والنظام العام، رغم أن مطالب المشاركين فيه وطبيعة احتجاجات كثيرة كانت سلمية ومشروعة. معتبرا أن تعميم ما وقع في بعض المناطق على جميع المحتجين أثّر لاحقاً في طريقة التعامل مع الموقوفين وملفاتهم

عام من التوقيفات والمتابعات وشهادات العنف

شملت الاعتقالات، محتجين وقاصرين ومارةً صادف وجودهم في أماكن شهدت أحداثاً، من دون أن تكون لهم بالضرورة صلة بالأفعال موضوع المتابعة. ويرى أن بعض التوقيفات اتسم بالعشوائية

558218147 817140540706068 8403777923258998088 n

منذ بداية التوقيفات، يقول رشيد بلعربي إن الدفاع واجه سؤالاً يتعلق بمن اعتُقلوا وبالأفعال التي نُسبت إليهم. ففي الملفات التي واكبها، شملت الاعتقالات، محتجين وقاصرين ومارةً صادف وجودهم في أماكن شهدت أحداثاً، من دون أن تكون لهم بالضرورة صلة بالأفعال موضوع المتابعة. ويرى أن بعض التوقيفات اتسم بالعشوائية، وأن طريقة تحرير المحاضر زادت صعوبة تحديد المسؤولية الفردية لكل شخص.

ويتحدث آيت بلعربي عن شكاوى من عنف جسدي وسب وتهديد وإهانة خلال التوقيف. كما يشير إلى شهادات شابات تحدثن عن معاملة مهينة داخل مخافر الشرطة. ويستحضر، في هذا السياق، حالة شابة بالرباط يقول إنها تعرضت أثناء توقيفها لإيحاءات مسيئة. ويشدد على أنه لا يعمم هذه الوقائع على جميع عناصر القوة العمومية؛ بل يعرض شهادات محددة يرى أنها تستدعي البحث والمساءلة.

وقال إن حملة التوقيفات التي أعقبت ذلك لم تميّز دائماً بين من شارك في الاحتجاج، ومن ارتكب فعلاً محدداً، ومن صادف وجوده في مكان الأحداث. ووفق ما عاينه خلال مواكبته لعدد من الملفات، شملت الاعتقالات محتجين وقاصرين ومارة لم تكن لهم، بحسب قوله، أي صلة بالأفعال التي نُسبت إليهم. ورأى أن العشوائية في بعض التوقيفات، إلى جانب طريقة صياغة المحاضر، شكّلت إحدى أبرز المشكلات التي واجهها الدفاع منذ بداية هذه القضايا.

وانتقل المحامي إلى الحديث عن معاملة الموقوفين، مشيراً إلى حالات قال إن أصحابها تعرضوا لعنف جسدي، وإلى أخرى تعرّض فيها موقوفون للسب والتهديد والإهانة. .

«لم تتوقف شكاوى العنف عند لحظة التوقيف؛ فقد تحدث موقوفون عن تعنيفهم خلال الحراسة النظرية. طلبنا فحوصاً طبية أظهرت في بعض الحالات آثاراً للعنف، كما أدلى متهمون أمام المحكمة بشهادات عن تعنيف موقوفين آخرين»، المحامي رشيد بلعربي

وأضاف أن شكاوى العنف لم تقتصر على لحظة التوقيف، بل شملت أيضاً فترة الحراسة النظرية. وقال إن الدفاع أثار هذه الوقائع أمام النيابة العامة وطالب بإجراء فحوص طبية لعدد من الموقوفين. وبحسب عرضه، صدرت أوامر بإجراء تلك الفحوص، وأظهرت شهادات طبية في بعض الحالات وجود آثار للعنف. كما أشار إلى أن متهمين أدلوا أمام القضاء بشهادات قالوا فيها إنهم شاهدوا تعنيف موقوفين آخرين، وأن جانباً من هذه التصريحات دُوّن في محاضر الجلسات.

عدد من المتهمين أنكروا أمام القضاء اعترافات نُسبت إليهم في تلك المحاضر، وأكدوا، وفق روايته، أنهم وقّعوا عليها تحت الضغط أو الإكراه.

وبالنسبة إلى بلعربي، فإن وجود شكاوى مدعومة بتصريحات أمام المحكمة وشهادات طبية كان يفرض بحثاً جدياً في ظروف الاستماع إلى الموقوفين وتوقيعهم محاضر الضابطة القضائية. وقال إن عدداً من المتهمين أنكروا أمام القضاء اعترافات نُسبت إليهم في تلك المحاضر، وأكدوا، وفق روايته، أنهم وقّعوا عليها تحت الضغط أو الإكراه. واعتبر أن الأثر المباشر لهذه المعطيات ينبغي أن يكون التحقق من سلامة الاعترافات قبل اعتمادها دليلاً، لا التعامل مع مضمون المحاضر باعتباره حقيقة لا تقبل النقاش.

وانتقد المحامي ما وصفه باعتماد المحاكم على محاضر الضابطة القضائية رغم اعتراضات الدفاع. وقال إن الإدانة في عدد من الملفات استندت إلى تصريحات أنكرها أصحابها لاحقاً، بينما لم تُمنح، في تقديره، الشكاوى المتعلقة بظروف انتزاعها ما تستحقه من بحث. وأضاف أن الدفاع أثار هذا الأمر مراراً، وطالب بالنظر في شهادات الموقوفين والوثائق الطبية وما ورد في محاضر الجلسات، لأن سلامة إجراءات البحث جزء أساسي من ضمانات المحاكمة العادلة.

 وتساءل كيف يمكن اتهام عشرات الموقوفين بإلحاق الضرر بالسيارة نفسها، أو بالاعتداء على عنصر من القوة العمومية، من دون تحديد الفعل المنسوب إلى كل واحد منهم والدليل عليه. وقال إن وجود شخص ضمن مجموعة كبيرة في مكان شهد اضطرابات لا يثبت أنه رشق سيارة بالحجارة أو اعتدى على أحد. وبالنسبة إليه، لا بد من بيان ما فعله كل متهم على حدة، لأن المسؤولية الجنائية فردية، ولا يمكن أن تقوم على اتهامات عامة أو اعترافات فضفاضة.

واستعاد في هذا السياق مثالاً من أحد الملفات يتعلق بسيارة قيل إنها تعرضت للتخريب. وقال إن نسبة إلحاق الضرر بها إلى عدد من المتهمين تقتضي إثبات صلة كل واحد منهم بالفعل: أين كان، وماذا فعل، وما الدليل على مشاركته؟ وأضاف أن الأمر نفسه ينطبق على اتهامات الاعتداء على عناصر القوة العمومية، إذ ينبغي تحديد المعتدى عليه والفاعل والوقائع التي تربط بينهما. وشدد على أن اعتراضه على طريقة بناء الاتهام لا يعني تبرير الاعتداء أو التخريب، بل المطالبة بتطبيق قواعد الإثبات على الجميع

 رصاص القليعة و وأحداث وجدة

 انتقل ايت بلعربي إلى حادثة القليعة، التي قُتل فيها ثلاثة أشخاص برصاص عناصر من الدرك الملكي. وقال إن تبرير إطلاق النار بمحاولة اقتحام مقر للدرك لا يجيب عن السؤال الذي يراه أساسياً: هل ثبت أن الأشخاص الذين قُتلوا كانوا هم أنفسهم ممن حاولوا الاقتحام؟ وأوضح أن وجود مجموعة أمام المقر، أو وقوع محاولة لاقتحامه، لا يكفي وحده لإسناد فعل محدد إلى كل من كان في المكان. كما اعتبر أن الحديث عن الدفاع الشرعي يفترض التحقق من شروطه وظروف استعمال القوة، ومن طبيعة الخطر الذي واجهه مطلقو النار.

وطالب بلعربي بفتح تحقيق قضائي في واقعة القليعة، يتيح فحص الأدلة والاستماع إلى الأطراف المعنية وتحديد المسؤوليات. وقال إن الاكتفاء بتفسير سريع للأحداث لا يمكن أن يغني عن تحقيق مستقل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمقتل ثلاثة أشخاص. ورأى أن إتاحة المجال للقضاء كي يفحص الوقائع ويقول كلمته كانت ضرورة، سواء بالنسبة إلى أسر الضحايا أو إلى حق المجتمع في معرفة ما جرى.

واستحضر المحامي أيضاً أحداث وجدة، مشيراً إلى الصور التي أظهرت سيارة شرطة وهي تصدم أشخاصاً خلال الاضطرابات. وقال إنه لا ينكر وقوع أعمال شغب في بعض المناطق، ولا يدافع عنها، لكنه يرفض أن تتحول إلى مبرر لأي تصرف خارج القانون من جانب السلطات. وتساءل عما إذا كان قد فُتح تحقيق في الواقعة، وما إذا جرت مساءلة المسؤولين عنها، معتبراً أن الصور المتداولة تفرض جواباً واضحاً لا يمكن تجاوزه بالصمت.

إذا كان المواطن مطالباً باحترام القانون، فإن الدولة، بوصفها الجهة المكلفة بحمايته، مطالبة باحترامه أيضاً ومساءلة من يخرقه من أجهزتها.

وشدد بلعربي على أن مبدأ سيادة القانون لا يُقاس بما يُرفع من شعارات، بل بطريقة التعامل مع الوقائع حين يكون أحد أطرافها ممثلاً للسلطة. وقال إنه إذا كان المواطن مطالباً باحترام القانون، فإن الدولة، بوصفها الجهة المكلفة بحمايته، مطالبة باحترامه أيضاً ومساءلة من يخرقه من أجهزتها. وأكد أن رفض العنف يجب أن يكون ثابتاً، أياً كان مصدره، سواء صدر عن أفراد أثناء الاحتجاجات أو عن عناصر من السلطة أثناء التدخل.

تدوينات ومقاطع فيديو تتحوّل إلى ملفات متابعة

وتتوقف خديجة الرياضي، من جانبها، عند ملفات قالت إن المتابعات فيها استندت إلى منشورات آراء على مواقع التواصل الاجتماعي ومقاطع فيديو ورسائل متبادلة بين تلاميذ. وترى أن التضييق لم يقف عند الاحتجاج في الشارع، بل امتد إلى الفضاء الذي يستخدمه الشباب للتعبير عن مواقفهم وتبادل النقاش.

كما تنقل الرياضي اعتراضات أثارتها هيئات الدفاع بشأن الاعتماد على محاضر الضابطة القضائية رغم الطعن في مضمونها، وشهادات تحدثت، بحسب قولها، عن ضغوط خلال الحراسة النظرية أو عند توقيع المحاضر. وتتوقف عند تفاوت وتيرة المحاكمات: قضايا تتضمن تهماً ثقيلة حُسمت سريعاً، رغم حاجتها، في رأيها، إلى بحث وتمحيص وضمان حق الدفاع، وصدرت فيها أحكام وصلت، بحسب مداخلتها، إلى 12 و15 سنة سجناً نافذاً في بعض الحالات. وفي المقابل، تقول إن شباباً ما زالوا رهن الاعتقال الاحتياطي بعد مرور سنة، فيما تتكرر تأجيلات جلساتهم.

وترى الرياضي أن استمرار اعتقال هؤلاء من دون حسم ملفاتهم يمسّ قرينة البراءة ويضاعف أثر المتابعة عليهم وعلى عائلاتهم. وتنتقد، خصوصاً، اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي حين يتعلق الأمر بقاصرين، معتبرة أن حمايتهم ومصلحتهم الفضلى يجب أن تتقدما في التعامل مع ملفاتهم.

أما عزيزة بنوازي، فتقول إن المتابعة طالت أيضاً شباباً وشابات بسبب تدوينات ومقاطع فيديو عبّروا فيها عن آرائهم، بل وبسبب ارتداء قمصان تحمل عبارات تطالب بالصحة أو التعليم أو تتضامن مع فلسطين..

وتعود المداخلات الثلاث إلى مقتل ثلاثة شبان بالقليعة. تطالب الرياضي بتحقيق مستقل يكشف ملابسات مقتلهم ويحدد المسؤوليات وينصف أسرهم. وترى بنوازي أن الواقعة تمسّ الحق في الحياة، وأن أسر القتلى تستحق معرفة ما جرى في تحقيق شفاف ونزيه..

وبعد استعراض الملفات التي واكبها، يعود بلعربي إلى حصيلة المحاكمات. يقول إن الأحكام تفاوتت بين عقوبات قاسية وأخرى أخف، لكن السؤال، بالنسبة إليه، يتعلق بكيفية الوصول إليها وبالضمانات التي توفرت للمتهمين. ويرى أن استقلال القضاء لا يقتصر على غياب التدخل المباشر في عمله، بل يقتضي أيضاً حمايته من الصورة المسبقة التي قد تتشكل عن الملفات. وفي تقديره، ساهم التركيز الرسمي والإعلامي على أعمال العنف في بعض المناطق في تعميم صورة عن الحراك والمعتقلين، قبل النظر في وضع كل شخص والأفعال المنسوبة إليه

عام على الاحتجاجات… ماذا بعد؟

حين تستعيد خديجة الرياضي ما جرى خلال السنة الماضية، تتوقف عند حياة العائلات. تقول إن آثار الاعتقال لا تنحصر في الشخص الموجود خلف القضبان، بل تمتد إلى أسرته: تنقل متكرر إلى السجون والمحاكم، واستنزاف مادي ونفسي، وانتظار لجلسات تؤجل مرة بعد أخرى. بعض العائلات، وفق وصفها، تتعلق في كل جلسة بأمل السراح المؤقت عن ابنها، ثم تعود إلى الانتظار.

وتدعو الرياضي إلى الإصغاء إلى هذه الأسر وإلى الشباب والقاصرين الذين توقفت دراستهم أو اضطربت حياتهم اليومية. كما تتحدث عن شكاوى تتعلق بأوضاع معتقلين داخل السجون، من بينها صعوبات الحصول على العلاج ومتابعة الدراسة، وظروف الإقامة والتغذية والبرد. وتذكر حالة المعتقل محمد خليف، واجه صعوبة في الحصول على دواء يحتاج إليه لعلاج عينه، مطالبة بالتعامل الجدي مع شكاوى المعتقلين وضمان حقوقهم الأساسية.

بالموزاة تقول عزيزة بنوازي إن أرقام التوقيفات والمتابعات لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن حياة من تشملهم. فخلف كل رقم، شاب قد تتوقف دراسته أو يتهدد مستقبله، وأسرة تتحمل كلفة التنقل إلى السجن والمحكمة والضغط الذي تفرضه المتابعة المستمرة. وتلفت إلى المفارقة في أن يخرج شباب للمطالبة بتحسين التعليم، ثم يعجز بعضهم عن متابعة دراسته بسبب الاعتقال.

عام مضى.. مطالب معلّقة وأكثر من 700 شاب معتقل

المطالب الاجتماعية التي رفعها الشباب ما زالت قائمة. فالنقاش حول الصحة والتعليم والشغل لم يُحسم، فيما تثير أوضاع الطلبة ومستقبل التعليم ومجانيته مخاوف لدى فئات طلابية ومهنية وحقوقية


بعد سنة، ترى بنوازي أن المطالب الاجتماعية التي رفعها الشباب ما زالت قائمة. فالنقاش حول الصحة والتعليم والشغل لم يُحسم، فيما تثير أوضاع الطلبة ومستقبل التعليم ومجانيته مخاوف لدى فئات طلابية ومهنية وحقوقية. وتربط استمرار الإحباط بمشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة خلال الشهر السابق، معتبرة أن استعداد بعض الشباب للمخاطرة بحياتهم ومغادرة بلدهم يعيد طرح الأسئلة نفسها: ما الفرص المتاحة لهم، وما الذي تغيّر في الخدمات العمومية وفي قدرتهم على تصور مستقبل داخل المغرب؟

. تبدأ الإجابة عن سؤال «ماذا بعد؟» بالإفراج الفوري واللامشروط عن  كافة المعتقلين وتسوية ملفاتهم، والتحقيق في شكاوى الانتهاكات، وجبر الضرر النفسي والاجتماعي الذي لحق بالشباب وعائلاتهم

بالنسبة إلى الرياضي، تبدأ الإجابة عن سؤال «ماذا بعد؟» بالإفراج الفوري واللامشروط عن  كافة المعتقلين وتسوية ملفاتهم، والتحقيق في شكاوى الانتهاكات، وجبر الضرر النفسي والاجتماعي الذي لحق بالشباب وعائلاتهم. وتدعو إلى مساعدة القاصرين والشباب على العودة إلى الدراسة ومعالجة ما ترتب عن انقطاعهم عنها كما ترى أن الملف سياسي في أساسه، لأنه يرتبط بشباب خرجوا للمطالبة بحقوق اجتماعية وحريات، وأن إغلاقه يتطلب قراراً سياسياً ومعالجة الأسباب التي دفعتهم إلى الاحتجاج.

وتدعو الرياضي الحركة الحقوقية إلى مواصلة توثيق الشهادات والانتهاكات وتتبع الملفات، مع توفير دعم قانوني ومادي ونفسي مستدام للأسر وتوسيع التضامن مع المعتقلين. وتشدد على أن الحديث عن مصير الشباب الموجودين في السجون لا ينفصل عن مطالب الصحة والتعليم والشغل والكرامة التي حملوها قبل عام.

بدورها، تدعو بنوازي إلى مواصلة رصد الانتهاكات ومواكبة المعتقلين وعائلاتهم قانونياً وحقوقياً وإنسانياً، وإلى بناء عمل مشترك بين الهيئات الحقوقية والسياسية والنقابية للمطالبة بالإفراج عنهم والدفاع عن الحق في الاحتجاج السلمي وحرية التعبير. وتؤكد أن مساندة الأسر لا تنتهي بانتهاء جلسة محاكمة أو صدور حكم.

واختتم بلعربي بالتشديد على أن مرور سنة لم يُنهِ مسؤولية متابعة ملفات المعتقلين. فشكاوى العنف، وظروف تحرير المحاضر وإثبات التهم، وما وقع في القليعة ووجدة، تظلّ في نظره وقائع تستدعي التحقيق والمساءلة.

وامتدت أيام التضامن إلى خارج الندوة؛ إذ احتضن مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان يوماً مفتوحاً مع عائلات المعتقلين، قبل أن تجتمع الأسر أمام البرلمان في وقفة طالبت فيها بالإفراج الفوري عن أبنائها.

نحو 750 شخصاً ما يزالون معتقلين، من بينهم قاصرون واخرون لم يُبتّ في ملفاتهم بعد.

وكانت احتجاجات «جيل زد 212» قد انطلقت أواخر شتنبر 2025 في مدن مغربية عدة، للمطالبة بتحسين الصحة والتعليم وتوفير فرص الشغل والعيش بكرامة. وفي أكتوبر من العام نفسه أعلنت النيابة العامة متابعة أكثر من 2400 شخص على خلفية أحداث عنف، كان نحو 1400 منهم رهن الاعتقال آنذاك. ومنذ ذلك الحين، صدرت أحكام بالسجن النافذ أو الموقوف التنفيذ في حق مئات المتابعين، بينهم قاصرون. وبعد عام، تقول اللجنة الوطنية لمساندة ضحايا الحراك إن نحو 750 شخصاً ما يزالون معتقلين، من بينهم قاصرون وأشخاص لم يُبتّ في ملفاتهم بعد..

مقالات أخرى
  • الدار البيضاء.. وقفة تضامنية مع محمد خليف ومطالب بإطلاق سراح معتقلي «جيل زد»

    تزامناً مع جلسة استئناف محاكمة محمد خليف، المحكوم ابتدائياً بثلاث سنوات حبسا نافذاً على خلفية احتجاجات «جيل زد»، نظّم متضامنون،ليوم الاثنين، وقفة أمام محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، للمطالبة بالإفراج عنه وعن باقي المعتقلين على خلفية هذه الاحتجاجات . وشهدت الوقفة مشاركة شباب من أصدقاء  خليف، إلى جانب والده  و نشطاء ، رفعوا شعارات تطالب بإطلاق…

    WhatsApp Image 2026 10 20 at 18.17.07 (7)

    في الميدان

    20 أكتوبر، 2026
  • الفن في المغرب.. بين حرية التعبير وسطوة القمع

    منذ 15 يونيو الماضي، يعيش ياسر مونيبير، ابن الثانية والعشرين، خلف قضبان سجن عكاشة بالدار البيضاء، بلا مكالمات هاتفية ولا دوائه الذي يساعده على النوم. وبين تأجيل المحاكمة ورفض الإفراج المؤقت، يستمر اعتقاله بتهمتي «إهانة هيئة دستورية» و«إهانة موظفين عموميين»، في انتظار جلسة جديدة يوم 12 أكتوبر 2026.

    WhatsApp Image 2026 10 12 at 17.50.53

    في الميدان

    12 أكتوبر، 2026
  • عام على «جيل زد 212».. بين السجن والغضب

    في 26 شتنبر 2026، مرّ عام على انطلاق احتجاجات «جيل زد 212» في المغرب. في الدار البيضاء، يُحيي نشطاء الحركة الذكرى على المسرح، بعدما لم يعد بإمكانهم التظاهر في الشارع. بين الشهادات والراب، تلتقي منصة «الناس» شباب «فري كولشي»، في تقرير يرصد أثر القمع في حياتهم وإصرارهم على مواصلة التعبير والاحتجاج. «هذه الحركة لم تنتهِ…

    في الميدان

    30 سبتمبر، 2026