سبتة..ماذا خلف “الهروب الكبير”!؟

WhatsApp Image 2026 07 30 at 16.24.16

منذ أكثر من أسبوع، تتواصل محاولات العبور سباحة من سواحل الفنيدق نحو سبتة ، في واحدة من أكبر موجات الهجرة التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. وبين ناجين يصلون إلى الضفة الأخرى، وآخرين يفقدون في عرض البحر، تتفاقم أزمة إنسانية لا تزال عائلات كثيرة تعيش فصولها في انتظار معرفة مصير أبنائها.

عبور متواصل… 

شهدت سبتة، صباح الخميس 30 يوليوز، وصول مئات المهاجرين سباحة انطلاقاً من السواحل المغربية. وأظهرت مقاطع مصورة عشرات الشبان، إلى جانب نساء وأطفال، وهم يلتفون حول الحاجز البحري الفاصل بين المغرب وسبتة للوصول إلى المدينة.

وبحسب معطيات متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي فإن العبور لم يتم على شكل موجة واحدة، بل عبر مجموعات متتابعة كانت تصل إلى الجانب الإسباني، في وقت كانت مجموعات أخرى تواصل النزول إلى البحر من السواحل المغربية.

وبحسب وسائل اعلام اسبانية اعترض الحرس المدني الإسباني أكثر من 600 شخص في البحر، فيما يُقدر أن أكثر من 300 آخرين تمكنوا من الوصول إلى المدينة دون أن ترصدهم الدوريات الأمنية. وتبقى هذه الأرقام أولية بالنظر إلى صعوبة حصر العدد الحقيقي للواصلين، كما أنها لا تشمل الأشخاص الذين اعترضتهم البحرية المغربية وأعادتهم إلى الساحل.

فرار جماعي عند معبر تراخال.. تحذيرات حقوقية وأسر تبحث عن المفقودين

وتتسع رقعة هذه الموجة يوماً بعد آخر. فمحاولات العبور لم تعد تقتصر على محيط معبر تراخال أو على ساعات الليل، بل امتدت إلى عدة مناطق ساحلية بمحاذاة سبتة، واستمرت على مدار اليوم. كما لم يعد القادمون من مدن الشمال وحدهم من يخوضون هذه المغامرة، إذ سُجل وصول مهاجرين من مناطق مختلفة بالمغرب، إلى جانب نساء وأطفال. وفي مواجهة مخاطر البحر، بات عدد متزايد منهم يعتمد بدلات الغوص والزعانف والعوامات، أملاً في زيادة فرص الوصول إلى سبتة.

الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع تطوان،  حدرت من تفاقم الوضع الإنساني على سواحل الفنيدق، مؤكدة أن عدداً من العائلات لا يزال يبحث عن أبنائه الذين فُقدوا خلال محاولات العبور سباحة نحو سبتة.

وفي ظل هذا التصعيد، دقّت الجمعية ناقوس الخطر، محذرةً من “كارثة إنسانية” على حدود سبتة المحتلة. فقد بلغ عدد الواصلين إلى المدينة 2826 شخصاً منذ بداية سنة 2026 وحتى منتصف يوليوز، بينما انتُشلت 26 جثة من البحر، في حين لا يزال عدد من المفقودين في عداد مجهولي المصير.

وقالت الجمعية إن ما تشهده المنطقة لا يقتصر على أزمة مرتبطة بالحدود، بل يعكس تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع شباباً، ومن بينهم قاصرون، إلى المخاطرة بحياتهم في البحر. كما دعت إلى الكشف عن مصير المفقودين، وتمكين عائلاتهم من الوصول إلى المعلومات، واعتماد مقاربة حقوقية تضع حماية الحق في الحياة وإنقاذ الأرواح في صلب التعامل مع هذه الموجة، إلى جانب معالجة الأسباب البنيوية التي تدفع الشباب إلى الهجرة.

  مأساة مستمرة على ضفتي الحدود… وصمت رسمي يثقل الملف 

وفي وقت تتواصل فيه، منذ أكثر من عشرة أيام، محاولات العبور سباحة من سواحل الفنيدق نحو سبتة المحتلة، مخلفةً قتلى ومفقودين وناجين وبينما يطغى الطابع الأمني على تدبير هذه الموجة، وسط غياب أي تواصل رسمي بشأن حصيلة الضحايا والمفقودين، تحذر منظمات حقوقية من أن تشديد المراقبة وحده لن يوقف محاولات العبور، ما دامت الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الشباب إلى المجازفة بحياتهم لا تزال قائمة.

في هدا الصدد أعرب فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالناظور عن قلقه البالغ إزاء استمرار مآسي الهجرة المرتبطة بمحاولات العبورأيضا سباحة نحو مدينة مليلية المحتلة، معتبراً أن هذه المأساة أودت بحياة عدد من الشباب والأطفال المغاربة في ظروف وصفها بأنها تمثل انتهاكاً صارخاً للحق في الحياة والكرامة الإنسانية.

وأشار الفرع إلى أنه سبق أن وجه مراسلات رسمية إلى كل من وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ووزير الداخلية، وعامل إقليم الناظور، إضافة إلى السلطات الإسبانية بمليلية، من أجل التنبيه إلى خطورة الوضع والمطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة. غير أنه أكد أن هذه المراسلات لم تلق أي تجاوب من الجانب المغربي، باستثناء تفاعل السلطات الإسبانية بمليلية.

وأوضح البيان أن الجمعية تتلقى بشكل متواصل اتصالات من عائلات فقدت الاتصال بأبنائها بعد محاولاتهم العبور عبر البحر، سواء انطلاقاً من سواحل الناظور أو مليلية، منتقدة غياب آليات مؤسساتية فعالة لتنسيق عمليات البحث، وتبادل المعلومات، والتعرف على الجثامين عبر تحاليل الحمض النووي، بما يضمن معرفة مصير المفقودين وتمكين ذويهم من الوصول إلى الحقيقة.

وكشف فرع الجمعية أنه توصل بمعطيات تفيد بدفن ثمانية شبان مغاربة عُثر على جثامينهم بسواحل مليلية خلال الأسبوع الجاري، في قبور تحمل صفة “مجهول الهوية”، دون استكمال جميع إجراءات التعرف عليهم أو إشعار عائلاتهم، معتبراً أن هذا الإجراء يشكل انتهاكاً لحق الأسر في معرفة مصير أبنائها وإخلالاً بواجبات السلطات في تحديد هوية الضحايا قبل الدفن.

وربطت الجمعية هذه المآسي بتشديد الرقابة على الحدود وإغلاق مسالك العبور نحو مليلية، معتبرة أن هذه السياسات دفعت أعداداً متزايدة من الشباب، بمن فيهم القاصرون، إلى سلوك طرق أكثر خطورة عبر البحر، في ظل استمرار البطالة وغياب البدائل الاقتصادية والاجتماعية.

واعتبر البيان أن هذه الوقائع تتعارض مع التزامات المغرب الدولية، خاصة المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بحماية الحق في الحياة، كما تشكل، بحسب الجمعية، خرقاً للفصلين 20 و22 من الدستور المغربي اللذين يكفلان الحق في الحياة ويحظران المساس بالسلامة الجسدية والمعنوية للأشخاص.

وطالب فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالناظور الدولة بتحمل مسؤوليتها الكاملة في حماية الحق في الحياة وصون كرامة المواطنين، وكسر الصمت الرسمي والتفاعل العاجل مع هذا الملف، وإحداث آلية تنسيق فعالة مع السلطات الإسبانية بمليلية لتبادل معطيات الحمض النووي وتسريع تحديد هوية الضحايا، إلى جانب تمكين عائلات المفقودين من تتبع ملفات أبنائها، وضمان نقل الجثامين ودفنها في ظروف تحفظ كرامة الموتى، مع اعتماد سياسات عمومية تعالج الأسباب البنيوية للهجرة وتوفر بدائل حقيقية للشباب.

مقالات أخرى
  • بمليلية: الحدود تحتجز المهاجرين المفقودين أيضاً

    دعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع الناظور، السلطات المغربية إلى التحرك العاجل لمعالجة معاناة أسر القاصرين والشباب المغاربة الذين لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مدينة مليلية المحتلة. وفي رسالة مفتوحة، طالبت بتنسيق مغربي-إسباني يضمن التعرف السريع على الجثامين وتمكين العائلات من استعادتها ودفنها بكرامة. وجه فرع الناظور للجمعية المغربية لحقوق الإنسان نداءً إلى وزيري…

    مع الناس

  • عمال بلا حقوق.. واقع تشغيل المهاجرين-ات بالمغرب

    في قلب العاصمة الرباط، حيث تتقاطع أصوات الحافلات بضجيج الحياة الإدارية والسياسية، تبدأ "ماري" (اسم مستعار) رحلتها اليومية في السابعة صباحا. داخل مطبخ أحد المطاعم، تنزوي الشابة القادمة من دولة ساحل العاج خلف "كومة من الأواني المتراكمة".

    WhatsApp Image 2026 07 07 at 11.11.10 (4)

    تحقيق

  • التمييز العقاري: الوجه الآخر لمعاناة المهاجرين بطنجة

    يسلط المقال الضوء على "التمييز العقاري" الذي يواجه المهاجرين النظاميين من دول إفريقيا جنوب الصحراء في مدينة طنجة، كاشفاً عن التناقض الصارخ بين وضعياتهم القانونية والمهنية السليمة والرفض الميداني لتمكينهم من السكن. كما يفكك التحقيق الأبعاد القانونية، والسوسيولوجية، والاقتصاديّة للأزمة، محذراً من انعكاسات الشروط التعجيزية التي تدفع الوافدين نحو العزلة واللانظامية الإدارية.

    WhatsApp Image 2026 07 02 at 11.42.11

    في الميدان