عند حافة الحدود… أمهات يفتشن عن أثر

في وجدة، سلكت نحو مائة أسرة لمهاجرين مفقودين أو محتجزين الطريق نحو الحدود الجزائرية مطالبةً بالحقيقة والعدالة حاملاتٍ صورَ أحبّتهنّ المفقودين، وجّهت هذه العائلات نداءً إلى السلطات المغربية والجزائرية والأوروبية. بين الدموع والكرامة، تذكّر قافلة الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين بأن الغياب جرحٌ بلا حدود.
تقترب الساعة من العاشرة صباحًا في ساحة البلدية بوجدة. الهواء بارد، لكن الأيدي التي تمسك بالصور دافئة بالحنين. نساء في الغالب، وإلى جانبهن آباء وإخوة، يتجمعون في صمت ثقيل. ليس هذا تجمعًا عاديًا؛ إنه موعد سنوي مع الغياب. روبرطاج.
يحمل كل وجه هنا حكاية. أم تمسك بصورة ابنها كما لو أنها تخشى أن يختفي مرة أخرى. أب يطوي وثيقة ميلاد بعناية، كأنها الدليل الأخير على أن ابنه مرّ من هذه الحياة. أسماء تتردد همسًا: أيمن، مصطفى، علي، أميرة… أسماء تحاول أن تهزم النسيان.
هؤلاء رحل أبناؤهم عبر طرق الهجرة، من المغرب نحو الجزائر أو إلى الضفة الأخرى من المتوسط. منذ ذلك اليوم، صار الزمن معلقًا. لا خبر مؤكّد، لا قبر معلوم، لا رسالة تطمئن القلب. فقط انتظار طويل ينهش الروح
قافلة حكايات الفقد
تستعد قافلة الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين للانطلاق. حافلتان تقلان نحو مائة شخص في اتجاه الحدود الجزائرية ثم إلى شاطئ السعيدية. في كل مقعد حكاية، وفي كل حقيبة ملف صغير يضم صورًا ووثائق ورسائل قديمة. كأن العائلات تحمل أرشيف ألمها معها.
“في سنة 2025 عالجنا 436 حالة اختفاء أو احتجاز على طرق الهجرة”
يقول حسن عماري، رئيس الجمعية، قبل التحرك:
« في سنة واحدة فقط عالجنا 436 ملفًا بين اختفاء واحتجاز. الأرقام تكبر، لكن خلف كل رقم حياة كاملة »
يتوقف قليلًا، ثم يضيف: « ما نطلبه بسيط: الحقيقة”.
داخل الحافلة، يجلس الزاهير عبد النبي من عائلة المفقودين “قارب الگارة”، يحكي قصة ابنه ومن معه قائلا: خرج أبنائنا ليهاجروا من جهة الجزائر، ثم تم اعتقالهم”.“:
يمثل عبد النبي عائلة عشرين شابًا من جماعة الكيسر قرب سطات. كانوا في مقتبل العمر حين قرروا العبور عبر الجزائر. “نعرف أن اثنين منهم حُكم عليهما بالسجن. أما البقية، فلا خبر. نعيش على أمل أنهم ما زالوا أحياء”.
صوته هادئ، لكن عينيه تفضحان قلقًا لا يهدأ.
“أبحث عنم ابني، دخلوا الجزائر في 3 يناير 2022، قمنا بتوكيل محامين وصرفنا أموالا دون أي نتيجة. نريد فقط أن يكون على قيد الحياة، السجن ماشي مشكل، إنهم سبعة شباب هاجروا من تافوغالت..”
في المقعد الخلفي، تجلس زهور. منذ سنة 2022 لم يصلها أي خبر عن ابنها. أربع سنوات من البحث والسؤال والوعود الكاذبة. “بعت ما أملك. طرقت كل الأبواب. حتى تعرضت للنصب. لكنني ما زلت أنتظر”. تضم صورة ابنها إلى صدرها كأنها تحتضنه، وتوقل ل”الناس”: “أبحث عنم ابني، دخلوا الجزائر في 3 يناير 2022، قمنا بتوكيل محامين وصرفنا أموالا دون أي نتيجة. نريد فقط أن يكون على قيد الحياة، السجن ماشي مشكل، إنهم سبعة شباب هاجروا من تافوغالت”. تحكي الأم وهي
تضم الصورة إلى صدرها، كأنها تحتضنه.
وجع الحدود
الطريق الوطنية رقم 17 تمتد نحو السعيدية. الجزائر تبدو قريبة حدّ الوجع. نقاط العبور مرئية من بعيد، مغلقة رسميًا، لكنها في ذاكرة العائلات بوابات اختفى عندها الأبناء.
” ابني اسمه الطاهري محمد، كان عمره 22 سنة حنيها، نمرت ثلاث سنوات، وعمره الآن 25 سنة، أراد مغادرة البلد، فقد كان بلا عمل ويريد تحسين ظروفه. ذهب بداية لتركيا، ثم عاد إلى الجزائر، ثم صار مفقودا..”
وتقول عبيدي حرية أم لمفقود، في تصريح ل”الناس”: ” ابني اسمه الطاهري محمد، كان عمره 22 سنة حنيها، نمرت ثلاث سنوات، وعمره الآن 25 سنة، أراد مغادرة البلد، فقد كان بلا عمل ويريد تحسين ظروفه. ذهب بداية لتركيا، ثم عاد إلى الجزائر، ثم صار مفقودا..” تحكي الأم مسترسلة: “قمنا بتوكيل محامي، يقولون لنا أن أبنائنا في صحراء الجزائر، لكن لا خبر عن أبنائنا الأربعة عشر”.
عند منطقة بل لجراف، حيث كانت العائلات المغربية والجزائرية تتبادل التحيات رغم إغلاق الحدود منذ 1994، يُطلب من القافلة تغيير المسار. تلك البقعة التي كانت تُسمّى رمزًا لـ« خاوة خاوة » صارت اليوم منطقة موصدة. الحدود لا تفصل الجغرافيا فقط، بل تفصل القلوب أيضًا.
“ابني الدحماني يحيى، حرگ من جهة الجزائر، كان مع أصدقائه، دخلوا البحر، ثم لحق بهم جزائري في عرض البحر، وأرجع معه ابني، بات في الجزائز وكتب لنا وقال: أنا مع ناس لا أعرفهم، لا أستطيع أن أرسل تسجيل صوتي، ثم اختفى..”
من جهته يقول الدحماني جمعة: “ابني الدحماني يحيى، حرگ من جهة الجزائر، كان مع أصدقائه، دخلوا البحر، ثم لحق بهم جزائري في عرض البحر، وأرجع معه ابني، بات في الجزائز وكتب لنا وقال: أنا مع ناس لا أعرفهم، لا أستطيع أن أرسل تسجيل صوتي، ثم اختفى..” يحكي الأب قصته ل”الناس” مردفا: ” نطلب من الجزائر أن يعيدوا لنا أبنائنا، قال لنا جزائري أن ابني محكوم بثمانية سنوات، لكن لا شيء يؤكد ذلك”.
ويستفيض الحسين بوعرود، أب لشاب مهاجر مفقود، في الحديث عن حالة ابنه المفقود قائلا في حديث مع “الناس”: أبحث عن ابني، اسمه عثمان، ذهب للناظور، وكانوا ثمانية، ذهبوا يوم 26 أكتوبر 2019″ مضيفا: “سنة 2022 أتت عندي جزائرية وقالت لي أن ابني مسجون مع ابنها.. لكن لا دليل على ذلك. اتصل بي محامي وطلب مني أن أرسل له المال، لكن طلبت منه أن يرسل لي دليل على وجود ابني، تسجيل صوتي أو أي شيء يدل عليه..”.
على شاطئ السعيدية، يتلاشى الخط الفاصل تقريبًا. حبل صغير يرسم حدودًا هشة أمام بحر مفتوح على المجهول. بعض الأمهات ينهَرن بالبكاء. أخريات يحدّقن في الأفق بصمت طويل، كأن البحر قد يجيب.
الجميع يحمل وردًا. ليس حدادًا، بل رجاءً. رجاء أن يعود الغائب، أو على الأقل تعود الحقيقة..
في البيان الختامي، تتحدث الجمعية عن قبور مجهولة في جنوب إسبانيا، وفي إيطاليا، وعلى طريق البلقان. عن الحاجة إلى تحاليل الحمض النووي، إلى قواعد بيانات مشتركة، إلى تأشيرات إنسانية تسمح للأسر بالبحث عن أبنائها. لكن خلف اللغة الحقوقية تبقى الحكاية إنسانية قبل كل شيء: أمهات يردن أن يعرفن.
عند نهاية الوقفة، تُقرأ رسالة موجهة إلى الرئيس الجزائري تطالب بعفو عن مئات المغاربة المعتقلين. الكلمات رسمية، لكن الدموع ليست كذلك. حين تعود الحافلات إلى وجدة، لا يعود شيء كما كان. الغياب ما زال حاضرًا، والحدود ما زالت مغلقة. لكن الأمهات.
يعدن أيضًا بشيء آخر: وعدٌ بألا يتحول أبناؤهن إلى أرقام في تقارير باردة.
















