الأفوكادو والبطيخ والسياسات الفلاحية بالمغرب

Dsc 0031

أشار الأكاديميون الثلاثة الذين تحدثوا في لقاء “نادي قراء” موقع “الناس” بأصابع الاتهام إلى “الخيارات المؤسسة للسياسة الزراعية المغربية” و“تضارب المصالح بين الرأس المال والسياسة والفلاحة .

الأفوكادو هو خيار من خيارات السياسة العامة. وقد تم تمويل هذا المحصول ودعمه وتشجيعه. وتقع مسؤولية هذا الوضع على عاتق أولئك الذين نفذوا هذه السياسة

بدأ العربي الزغدوني، وهو خبير اقتصادي زراعي واخصائي في المجال القروي، حديثه ببعض الحقائق: “الأفوكادو هو خيار من خيارات السياسة العامة. وقد تم تمويل هذا المحصول ودعمه وتشجيعه. وتقع مسؤولية هذا الوضع على عاتق أولئك الذين نفذوا هذه السياسة”. جاء هذا اللقاء بمناسبة عرض الفيلم الوثائقي القصير “الأفوكادو في المغرب: تصدير الماء واستيراد العطش”، الذي نظمه موقع “الناس” ، في 8 نوفمبر 2024 في اطار “نادي قراء الناس”

زراعات العطش المدعومة

الرأسمال الزراعي يستحوذ على كل شيء ويتركنا في مواجهة الجفاف

يشير خبير السياسة الزراعية إلى مسؤولية الدولة: “الدولة لا تحترم التزاماتها الدستورية والقوانين المتعلقة بالمياه. كما ها لا تحاول الحد من الآثار الضارة لهذه السياسات العامة. في الواقع، هنا اختلال في تأطير وتقنين السياسة المائية”. ويوافقه الرأي الدكتور الصرايري: “الرأسمال الزراعي يستحوذ على كل شيء ويتركنا مع الجفاف، مع تهميش المزارعين الأسريين”.

إنتاج ثمرة أفوكادو واحدة فقط، نحتاج إلى 200 لتر من المياه. وهذه كمية هائلة بالنسبة لبلد يعاني من الجفاف

فيما يتعلق بموضوع المياه وتدبيرها، خرج المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي كهيئة رسمية عن صمته لينشر تحذيرًا سنة 2023. وجاء في المذكرة: “إن الطلب على المياه في المغرب اليوم أكبر من الكمية المتوفرة من موارد المياه العذبة المتجددة سنويا. لذلك أصبح الأمن المائي أولوية بالنسبة للمغرب، الآن وفي السنوات القادمة. وبما أنه يهدد بخلق حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي وتفاقم عدم المساواة على الصعيد الإقليمي، فإنه يتطلب استجابة سياسية عاجلة، وينبغي أن يعتبره المغرب أحد الضامنين الرئيسيين للسلم الاجتماعي في البلاد، وعاملاً من عوامل استدامة ومرونة نموذجه التنموي المستقبلي”. والأفوكادو مثال رئيسي على هذا التهديد للأمن المائي. “لإنتاج ثمرة أفوكادو واحدة فقط، نحتاج إلى 200 لتر من المياه. وهذه كمية هائلة بالنسبة لبلد يعاني من الجفاف”، يقول الحافظي من أطاك المغرب

خدمة رأس المال ومصالحه

الفيتو الذي استخدمه رئيس الغرفة الزراعية ضد قرار الوالي بوقف حفر الآبار هو نموذج لهذا المزج بين السياسة والاقتصاد. فقد كان هذا الرئيس نفسه هو المزود الرئيسي لمنتجات الري بالتنقيط بطاطا

يسلط نجيب أقصبي، بقراءة طولية للسياسات الزراعية المتقاطعة مع السياسات المالية والاقتصادية، الضوء على دور تضارب المصالح والتواطؤ بين رأس المال والسلطة السياسية: “من جهة، لدينا سياسات عمومية موجهة للقطاع الفلاحي والعالم القروي، وهي سياسات تقوم على عدد محدود من الموارد الطبيعية (الأرض والمياه بشكل أساسي). ومن جهة أخرى، لدينا جماعات المصالح الزراعية. وتظهر الملاحظة على المدى الطويل أن ما يحرك إدارة السياسات الزراعية على وجه الخصوص هو تضارب المصالح”. 

ويلخص البلغيتي تضارب المصالح هذا بمثال رئيس الغرفة الفلاحية في طاطا الذي عارض بشدة قرار السلطة المحلية في الإقليم بتقليص حفر الآبار في المنطقة بشكل كبير. “الفيتو الذي استخدمه رئيس الغرفة الزراعية ضد قرار الوالي بوقف حفر الآبار هو نموذج لهذا المزج بين السياسة والاقتصاد. فقد كان هذا الرئيس نفسه هو المزود الرئيسي لمنتجات الري بالتنقيط بطاطا”، كما يشير البلغيتي الذي أجرى عددًا من التحقيقات في هذه الموضوع. 

هذه الاستثمارات لا يقوم بها القطاع الخاص؛ فمصدرها هو ميزانية الدولة، أي المال العام

أما أقصبي فيؤكد على أن هذه الاستثمارات يتم تمويلها إلى حد كبير من الخزانة العامة ويحذر من أن “هذه الاستثمارات لا يقوم بها القطاع الخاص؛ فمصدرها هو ميزانية الدولة، أي المال العام”. 

ويضرب الخبير الاقتصادي المغربي مثل الأراضي الخاصة التي تدعمها الدولة لتركيب نظام ري مما يؤدي إلى تضاعف قيمة هذه الأرض ثلاث مرات. ويقول: “إن حجتي هي حجة المنطق السليم البسيط: إذا كانت الدولة تستثمر المال العام، فإن المنطق السليم يملي أن هذا الاستثمار يجب أن يعود بالنفع على المجتمع، لتحقيق السيادة الغذائية على سبيل المثال، وليس لفائدة المصالح الخاصة

ما محل الصالح العام من الإعراب؟

Enass media pح

هذه السياسات لا تأخذ بعين الاعتبار استدامة مواردنا. يجب أن يتم تقييم إنتاج الأفوكادو أو البطيخ مع الأخذ بعين الاعتبار حدود الطبيعة.

شكل هذا الوضع من تضارب المصالح والاستخدام الهائل للمال العام لتغذية رأس المال الخاص “مخاطر كبيرة على الزراعة المغربية”. ويصر أقصبي على أن “الخطر الرئيسي الأول هو أننا أمام سياسات عامة همها الأخير هو المصلحة العامة والصالح العام”. أما الخطر الثاني، وليس الأخير، فهو خطر استدامة الموارد: “هذه السياسات لا تأخذ بعين الاعتبار استدامة مواردنا. يجب أن يتم تقييم إنتاج الأفوكادو أو البطيخ مع الأخذ بعين الاعتبار حدود الطبيعة. الأدوات التقنية متوفرة للتخطيط واتخاذ القرار على أساس المعايير الصحيحة، ولكن للقيام بذلك نحتاج إلى إرادة سياسية.” 

يذكر رشيد البلغيتي، وهو صحفي وفاعل في المجتمع المدني في إقليم طاطا، حادثة البطيخ في زاكورة بعد أزمة العطش. في عام 2016، اقترحت كاتبة الدولة المكلفة بالماء في حكومة بنكيران، شرفات أفيلال، تقليص المساحة المزروعة بالبطيخ في زاكورة، وذلك بناء على مشاورات مكثفة في الإقليم. وقد اعترض وزير الزراعة آنذاك، عزيز أخنوش، على هذا الاقتراح. يقول البلغيتي: “اعتبر الوزير أن إدارة المياه تدخل ضمن اختصاصه”. وبعد عدة سنوات، قررت الحكومة اتخاذ نفس القرار. لكن الأوان كان قد فات والوقت ينفذ لإنقاذ ما تبقى من هذا المورد النادر الذي هو الماء

مقالات أخرى
  • خريبكة.. أو لعنة الثروة المنجمية

    يشكل إقليم خريبكة، عاصمة الفوسفاط العالمية، مظهرا بارزا لمفارقة معقدة: فبينما يقع تحت المدينة واحد من أكبر احتياطيات الفوسفاط بالعالم، تعج شوارعها بالبطالة والعطش والإهمال. استطلاه عن مدينة غنية تُركت مهملة.

    WhatsApp Image 2026 07 24 at 17.13.54

    في الميدان

  • تحقيق حول استخراج المياه في المغرب

    يشهد المغرب طفرة في سوق المياه المعبأة. ففي غضون خمسة عشر عامًا، ارتفع استهلاك الفرد من 5 لترات إلى ما يقارب 40 لترًا. ويُباع أكثر من 1.3 مليار لتر سنويًا، ما جعل السوق مصدرًا رئيسيًا للأرباح.

    Screenshot 2026 06 19 at 17.34.11

    بكل جذرية

  • بن صميم: “أرباح معلبة” وجفاف لحقول المزارعين

    في قلب بن صميم، تتناقض شعارات "الاستخدام المسؤول للمياه" مع واقع الاستغلال المكثف لعيون المنطقة من طرف شركات التعليب. يسلط هذا المقال الضوء على خيبة أمل السكان المحليين بعد خمسة عشر عاماً من الخوصصة، حيث تراجعت الفلاحة المعيشية، وتقلصت العائدات المالية الموعودة، ولم يتبقَ للمنطقة سوى شحّ المياه وأحلام التنمية المؤجلة.

    Capture decran 2026 02 24 a 03.57.55 1536x864

    تحقيق