زاكورة: قصة نساء الواحات في مواجهة التغيرات المناخية

Screenshot 2025 07 07 at 08.50.39

تتُعد منطقة زاكورة من بين أكثر المناطق تضررًا من التغيرات المناخية في المغرب، حيث تبدو آثار هذه التحولات البيئية جلية، خاصة على حياة النساء. تمغروت، الواقعة على بعد 20 كيلومترًا فقط من وسط مدينة زاكورة، تمثل نموذجًا مصغرًا لهذا الواقع المتغير.

على طول الطريق المؤدية إليها، يمكن ملاحظة التأثيرات الواضحة للتغير المناخي: المناخ يبدو معتدلاً، لا هو شديد الحرارة ولا البرودة، لكن الواحات المحيطة تشهد على قصة أخرى. الأطفال يلعبون في الأحياء المجاورة، في حين تتجول نساء يرتدين الحجاب وسط واحات جافة، تفتقد إلى الحياة التي كانت تنبض فيها في السابق.

وجهتنا هي “جمعية المرأة للتنمية والتعاون”، إحدى أبرز الجمعيات النسائية في المنطقة وأكثرها نشاطًا في مجال الدفاع عن حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين. هذا الفضاء لا يقتصر على العمل الجمعوي فحسب، بل يشكل نقطة التقاء لنساء الواحات، حيث يجدن فيه مساحة للتعلم والتعبير والبحث عن بدائل لمواجهة آثار التغير المناخي الذي زاد من هشاشة أوضاعهن.


حين تجف الواحات… وتُهمّش النساء

Rr

 

تعبّر امرأة من الواحة عن معاناتها اليومية في البحث عن الماء، وقطف المحاصيل الضئيلة التي ما زالت أشجار النخيل تمنحها، وهي تتحسر على الفراغ الذي خيّم على الواحة على مدى سنوات متتالية.

في طريقنا نحو الجمعية، توقفنا لنقف أمام مشهد الواقع القاسي لمنطقة كانت في الماضي تزخر بأشجار نخيل مهيبة ومزدهرة، لكن اليوم تبدو ذابلة وكأنها تشهد على مآسي الجفاف المستمر والتصحر المتصاعد. لم تعد هذه الأشجار السخية تنتج سوى تمر متناثر، لا يكفي لتأمين حياة كريمة لسكان الواحة.

على جانب الطريق، لفت انتباهنا صوت امرأة تغني من الأغاني الصحراوية الحزينة، وتنوح على قسوة الحياة في مناخ صار لا يرحم. كان صوتها مشحونًا بالحزن والألم، يتردد كأنشودة تحمل جراح الأرض والناس معًا. كما أوضح لنا مرشدنا، تشاركنا هذه المرأة قصة واحتها التي كانت يومًا ملاذًا ومأوى، جنة تنبض بالحياة. واليوم، باتت تبحث بلا جدوى عن الماء، وتحصد ما تبقى من محاصيل متواضعة، وتشكو من الفراغ الذي عمّ الواحة نتيجة الجفاف والتصحر.

وأضاف المرشد: “تحزن على جيرانها وأقاربها الذين غادروا المكان بحثًا عن حياة أفضل، مستقبلاً أكثر أمانًا لأبنائهم. كانت الواحة تاجًا فوق رؤوسهم، لكنها اليوم قد ماتت، وكأنها ماتت معها هي أيضًا.”

تعكس كلمات هذه المرأة الحزن العميق لمجتمع تنهار قواعده بفعل التأثيرات القاسية لتغير المناخ، مما يضع نساء الواحات في طليعة المتضررين من الجفاف والتصحر ونقص الموارد المائية، مع إعلان صريح عن أزمة غذائية وشيكة.

ويتجلى واقع هذه المعاناة بوضوح على وجوه النساء، اللواتي التزمن الصمت أحيانًا، احترامًا لتقاليد الحشمة السائدة في منطقة زاكورة، حيث غالبًا ما يُفصل بين الرجال والنسا


في قلب الواحات المنسية: نساء تحارب الزمن

Gg

نصل إلى مقر الجمعية التي تترأسها لطيفة العلوي، امرأة تتحلى بالشجاعة والإصرار في بيئة لا تمنح الكثير من الفرص. عند المدخل، تبدأ النساء بالتوافد واحدة تلو الأخرى. فهذه المساحة، بالنسبة لهن، ليست مجرد جمعية، بل بيت ثانٍ، ومتنفس جماعي للاستماع، والتعلم، والدعم، والتضامن.

“هنّ لسن فقط مستفيدات، بل عائلتي الثانية”، تقول لطيفة بابتسامة تعبّر عن المودة والالتزام. “هنا نتقاسم كل شيء، من معاناة نساء الواحات إلى أفراحنا الصغيرة وأحزاننا الثقيلة. هذه المساحة خلقت بيننا روابط لا تقدر بثمن”.

“لقد انقرضت الواحات، ومعها تغيرت حياتنا بشكل عميق.”

لطيفة العلوي رئيسة جمعية النساء للتنمية والتعاون زاكورة.

منذ الكلمات الأولى، كان الحزن جليًا في صوت لطيفة، انعكاسًا لما يعانيه سكان هذه المنطقة المنسية من المغرب، حيث تشكل النساء النسبة الأكبر من هذا الهامش الصامت. “لقد كان للجفاف أثر مدمر على الواحات”، تقول لطيفة، قبل أن تضيف: “في الماضي، كانت نساء المنطقة قادرات على تأمين حياة كريمة لأطفالهن بفضل خيرات الواحة. اليوم، لم يعد هذا ممكنًا”.

تصف لطيفة واقعًا أكثر قسوة في السنوات الأخيرة، حيث لم تعد كثير من النساء قادرات حتى على تلبية الاحتياجات الأساسية لأطفالهن. أما الرجال، فوجدوا أنفسهم في طريق مسدود. الزراعة، التي كانت تمثل مصدر العيش الوحيد، باتت مستحيلة في غياب المياه، فغابت معها فرص العمل والكرامة منذ الولادة تقريبًا.

“لم نعد نملك الموارد المائية الكافية حتى للزراعة، بالكاد ما يكفينا للشرب”، تقول لطيفة بمرارة. “البحيرة لم تعد صالحة، وسنوات الجفاف المتتالية عمّقت الأزمة. لكن المسؤول الأول في رأينا هو السد… لقد أدى إلى اختفاء الواحات، ومعها اختفت طريقة عيشنا. تغيّر كل شيء، لقد شهدنا أزمات كبرى، لكن هذه، بلا شك، هي الأسوأ”. وفي خضم حديثها، يصدح صوت امرأة مسنة من إحدى غرف الجمعية، ترتدي “حايكًا” صحراويًا أسود، كأنها تردّد شهادة أخرى من قلب الواحة التي تحتضر.

“هذه أرضنا، منزلنا، حيث ننتمي، حيث يمكننا أن نتنفس. ولكننا فقراء

امرأة الواحة من منطقة زاكورة

“هنا، لم تعد لدينا مقومات الحياة”، تقول إحدى النساء بنبرة تجمع بين القوة والانكسار، بينما تتبادل الحديث مع رفيقاتها. وتتابع: “كانت الواحة مصدر رزقنا الوحيد، كانت جنتنا. أما اليوم، فقد غادر أبناؤنا بحثًا عن فرص أفضل، لكننا نحن لا نستطيع الرحيل. هذه أرضنا، بيتنا، هنا ننتمي، هنا فقط نشعر أننا نتنفس. لكننا فقراء”.

تقترب زهرة، وهي امرأة في الثلاثينيات من عمرها، من النساء الجالسات لتستمع إلى معاناتهن، قبل أن تتدخل بصفتها متطوعة قائلة: “في السابق، كنا نعمل في الحقول، ومن خيرات الواحات كنا نربي أبناءنا، نوفر احتياجاتنا، بل كنا نستطيع اقتناء المجوهرات الذهبية. أما خلال السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة، فقد تبدّل كل شيء. لم يعد هناك إنتاج ولا عمل، لا نملك شيئًا”.

“نريد مشاريع تساعد النساء على إيجاد مصادر أخرى للدخل من أجل البقاء على قيد الحياة”

زهرة، امرأة واحة من منطقة زاكورة

“تتعرض النساء هنا لتهميش لا يمكن تصوره”، تقول إحداهن، بنبرة تشبه صدى الريح بين النخيل اليابس. “كنا نعمل في الحقول بلا انقطاع، كما نقول بلغتنا: من خريف إلى خريف. أما الآن، فقد باتت أيامنا حبيسة الجدران”. تسترسل، وعيناها عالقتان في الأفق البعيد: “لقد دمّرنا الجفاف. كنا نعيش برخاء بفضل نخيل الواحة، أما اليوم، فالوضع مختلف تمامًا. نحن نحتاج إلى مشاريع تخلق مصادر بديلة للدخل، وتعيد الحياة لدورة البقاء. نطالب بدعم حقيقي من السلطات، لأننا سئمنا التهميش. لا نريد الرحيل، فهذه الأرض وطننا، وهنا جذورنا.”

بشجاعتهن وصلابتهن، كانت نساء الواحات في طليعة من حافظ على استمرارية الحياة في هذه المناطق. تولين معظم الأنشطة اليومية في واحاتهن، قبل أن يتحولن اليوم إلى الفئة الأكثر تضررًا من التغيرات المناخية في منطقة تعاني أصلًا من التهميش وضعف البنية التحتية.

كما أكدت لطيفة، إلى جانب عدد من النساء اللواتي التقيناهن، فإن روح التضامن والقوة ما زالت حاضرة بقوة في نفوس نساء هذه المنطقة. ورغم المضايقات التي تعرضت لها بسبب نشاطها الجمعوي، لم تتراجع لطيفة عن الدفاع عن حقوق النساء. عند وصولنا، كانت الجمعية تغرق في الظلام بسبب انقطاع الكهرباء، في مشهد يلخص جانبًا من المعاناة اليومية. وأوضحت لطيفة أن جمعيتهن حُرمت طيلة سنوات من الدعم المالي العمومي الذي يفترض أن تستفيد منه مثل باقي الجمعيات، ما يضيف عبئًا آخر على كاهل هؤلاء النساء اللواتي يواصلن النضال في ظروف قاسية.

“الواحة هي أمنا، وهي الحب.. أنا أحبها بعمق ولن أتركها أبدًا”.


لطيفة العلوي رئيسة جمعية النساء للتنمية والتعاون زاكورة.”لقد تعرضنا للتهميش والإفقار، لكن نضالي سيستمر حتى اليوم الذي تستطيع فيه هؤلاء النساء إسماع أصواتهن. لن أغلق أبوابي أمامهن أبدًا. نجتمع معًا على كأس الشاي، ونستمع إلى بعضنا البعض ونشارك أفراحنا وأحزاننا.تضيف: “هذا شكل من أشكال الصمود، هنا تواجه النساء جميع أنواع العنف، سواء كان اجتماعيًا أو منزليًا أو غير ذلك. ويهدف نشاطي إلى مساعدتهن على تغيير ذلك.. نحن لا نطلب الكثير، نريد فقط أن يتم رؤيتنا، وأن يتم مساعدتنا في مشاريع تتلاءم مع منطقتنا”، تتحدث وعيناها مغرورقة بالدموع,عندما سألنا هذه الناشطة عما تمثله الواحة بالنسبة لها، سالت دموعها قبل أن تجيب: “الواحة هي أمنا، هي الحب والمرونة. أنا أحبها بشدة ولن أتركها أبدًا. من المحزن أن نراها بهذا الشكل، ولكن لدي إيمان بالله بأننا سنرى المطر وأن واحتنا الحبيبة ستولد من جديد، تمامًا مثل حياتنا”.

بهذه الشهادات الصادقة، نغادر تمكروت، تتبعنا خطواتٌ حذرة على أرضٍ عطشى، وواحاتٍ أنهكها الجفاف، لكن أرواحنا مشبعة بأملٍ لا يذبل في أن “الغزالة زاكورة”، كما يحب أهلها تسميتها، ستنهض من رمادها كما ينهض طائر الفينيق من لهيب الصحراء. تستحق النساء هنا — حارسات الواحة وبناتها الوفيات — أن يرين هذا الحب العميق الذي يربطهن بهذه الأرض الصامدة وهو يزهر من جديد.

تحت ضوء القمر المتكئ على كثبان الرمل، نغادر هذا المكان الذي يحمل في تضاريسه حكاية التغير المناخي وتأثيره على النساء… حكاية تشبه مصائر نساء كثيرات في جهات أخرى من المغرب.

*تم إنتاج هذا المحتوى بالشراكة مع مؤسسة روزا لوكسمبورغ (RSL)، مكتب تونس.
المحتوى الموجود على الموقع هو مسؤولية ENASS.ma فقط ولا يعكس بالضرورة رأي الشريك.

مقالات أخرى
  • خريبكة.. أو لعنة الثروة المنجمية

    يشكل إقليم خريبكة، عاصمة الفوسفاط العالمية، مظهرا بارزا لمفارقة معقدة: فبينما يقع تحت المدينة واحد من أكبر احتياطيات الفوسفاط بالعالم، تعج شوارعها بالبطالة والعطش والإهمال. استطلاه عن مدينة غنية تُركت مهملة.

    WhatsApp Image 2026 07 24 at 17.13.54

    في الميدان

  • تحقيق حول استخراج المياه في المغرب

    يشهد المغرب طفرة في سوق المياه المعبأة. ففي غضون خمسة عشر عامًا، ارتفع استهلاك الفرد من 5 لترات إلى ما يقارب 40 لترًا. ويُباع أكثر من 1.3 مليار لتر سنويًا، ما جعل السوق مصدرًا رئيسيًا للأرباح.

    Screenshot 2026 06 19 at 17.34.11

    بكل جذرية

  • بن صميم: “أرباح معلبة” وجفاف لحقول المزارعين

    في قلب بن صميم، تتناقض شعارات "الاستخدام المسؤول للمياه" مع واقع الاستغلال المكثف لعيون المنطقة من طرف شركات التعليب. يسلط هذا المقال الضوء على خيبة أمل السكان المحليين بعد خمسة عشر عاماً من الخوصصة، حيث تراجعت الفلاحة المعيشية، وتقلصت العائدات المالية الموعودة، ولم يتبقَ للمنطقة سوى شحّ المياه وأحلام التنمية المؤجلة.

    Capture decran 2026 02 24 a 03.57.55 1536x864

    تحقيق